بري: أنا الدولة

عدنا والعود ليس أحمدًا، إلى النهج القديم في الحكم، كأن عصب السلطة ارتخى على وقع الجمود السياسي، فعادت ألحان نوتة قديمة خبرنا مآلاتها الكارثية.
في أيام قليلة، تراكمت وقائع هشّمت صورة الحكومة، وأطلقت موجة انتقادات من قوى تشكّل ظهيرًا لها، وصولا إلى الفريق القريب من رئيسها.
أجهزة الدولة الأمنية والاستخباراتية تتهرّب من “لظى” شحنة متفجرات “ضهر البيدر” وشقيقاتها، بل وتحجب أخبارها أيامًا وكأنها من أسرار الدولة.
وفي موازاة ذلك، أُعيد تعيين بسام بدران رئيسًا للجامعة اللبنانية، وكأن جعبة رئيس مجلس النواب نبيه بري خلت من الأسماء والكفاءات الشيعية، فضلا عن تعيين محافظ للنبطية من لائحة ثنائية قدّمها برّي إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام، وفق التسوية التي كشفت عنها “نداء الوطن” الأسبوع الماضي، فاقتصرت المفاضلة على اسمين، كلاهما “أمل”.
حتى جلسة مجلس الوزراء، غُيّبت عنها قضية شديدة الأهمية، كان يفترض أن تتصدر جدول أعمالها، والمقصود شحنات المتفجرات. وما فاقم دلالة هذا التغييب أنه جاء على إيقاع تهديدات النائب حسن فضل الله للدولة، في مشهد يعيد التذكير بـ “7 أيار” و”القمصان السود”، وبتهديداته عقب حادثة خلدة، حين منح الدولة مهلة للتحرك وتنفيذ الاعتقالات التي طالب بها، وإلا…
كانت ثمة فرصة استثنائية لإعادة التوازن إلى هيكل السلطة، واستعادة القرار السياسي والاستراتيجي إلى كنف الدولة، بالتوازي مع تحرير القرار السنّي من سطوة “الثنائي الشيعي”. لكن ثمة من ذهب إلى عين التينة وأعاد تسليمها مفاتيح الدولة، حيث يتداول همسًا عن تعهد قُدّم لأطراف خارجية بتأمين مخرج لائق لمفتي الجمهورية، ما استدعى طلب “المدد” من الرئيس بري.
لا ريب أن المطلوب إقليميًا ودوليًا استدامة التهدئة في لبنان، كي لا تنفجر ساحته فيما يتصاعد الصراع مع نظام الملالي وأذرعه في اليمن. لكن ذلك لا يعني تسليم مفاتيح الدولة لبري، وفوقها “حبّة مسك”، تتمثل بإفساح المجال أمامه للقبض على القرار السنّي، بجناحيه السياسي والديني، والتحكم بإيقاع جلسات مجلس الوزراء، في مشهد كان الظن أنه دُفن وقُرئت عليه الفاتحة.
في موازاة تلاعب عين التينة بمزاج الشارع السنّي وبنوابه وممثليه، وتفريقهم شيعًا، لتفخيخ قانون العفو بتعهدات أثبت قرار المجلس الدستوري أنها لم تكن سوى “سراب بقيعة”. وهكذا خرج القانون كما أُريد له منذ البداية: مضاعفة التنكيل والقهر بحق السنة وحدهم، مقابل تحرير بارونات المخدرات، ورمي أكثر من أربعين ألف مذكرة توقيف في البحر، وكأننا إزاء دولة يختصرها بري بشخصه وإرادته، التي تتقدم على الدستور والقوانين والتوازنات.
الملاحظة الأشد هي صمت دار الفتوى عن مسخ قانون العفو، بعد سيولة بيانات تعظيم المفتي وتبجيله خلال الأسبوع الماضي، بينما تستنكف رئاسة الحكومة عن المبادرة إلى جمع النواب السنّة تحت رايتها لاتخاذ موقف جامع وصلب ضمن قواعد لعبة الدولة. ليصير الأمل معقودًا على مدعي عام التمييز، حيث يُتوقع أن يستقبل النواب السنّة يوم الإثنين، لبحث إصدار تعاميم تفسيرية تخفف وطأة قرار المجلس الدستوري وتفسيراته، في مهمة تبدو صعبة، وسط معلومات عن تثبيت عقوبة الإعدام بـ 28 سنة سجنية.
لم يكن المطلوب افتعال صراع مع الرئاسة الثانية، بل استعادة التوازن المفقود في “سيبة” الحكم، وعدم العودة إلى نهج “الأرانب” التي تتسلل من “كوّات” القانون لتصبح قدرًا مقدورًا. ومع ذلك، يُحسب لبري براعته في ترويض المتغيرات، وإظهار أنه الثابت وسط عواصف التحولات، الذي يمسك بخيوط اللعبة ويستدرج الجميع إلى ملعبه بدهاء.
وبينما تفتح الحكومة صراعًا موازيًا مع وزير الطاقة جو الصدّي، كيف يمكن إقناع الناس بجدية طيّ صفحة الاستبداد ومراكز القوى داخل الدولة العميقة، وهم يشاهدون أباطرة المخدرات، من عيار نوح زعيتر، يخرجون ملوّحين بأيديهم، فيما تستمر معاناة الشيخ أحمد الأسير وموقوفين آخرين؟
ثمة خيبة أمل عامة يعضدها استياء كبير في الساحة السنيّة، رغم الدعم الشعبي والعربي والدولي الذي حظيت به الحكومة. ربما كان ذلك ثمن جلسة الثقة، وعدم تحريك الشارع ممن يمسك بقرار النقابات. لكنه ثمن باهظ يصعب هضمه.
بري: أنا الدولة

عدنا والعود ليس أحمدًا، إلى النهج القديم في الحكم، كأن عصب السلطة ارتخى على وقع الجمود السياسي، فعادت ألحان نوتة قديمة خبرنا مآلاتها الكارثية.
في أيام قليلة، تراكمت وقائع هشّمت صورة الحكومة، وأطلقت موجة انتقادات من قوى تشكّل ظهيرًا لها، وصولا إلى الفريق القريب من رئيسها.
أجهزة الدولة الأمنية والاستخباراتية تتهرّب من “لظى” شحنة متفجرات “ضهر البيدر” وشقيقاتها، بل وتحجب أخبارها أيامًا وكأنها من أسرار الدولة.
وفي موازاة ذلك، أُعيد تعيين بسام بدران رئيسًا للجامعة اللبنانية، وكأن جعبة رئيس مجلس النواب نبيه بري خلت من الأسماء والكفاءات الشيعية، فضلا عن تعيين محافظ للنبطية من لائحة ثنائية قدّمها برّي إلى رئيس الحكومة نوّاف سلام، وفق التسوية التي كشفت عنها “نداء الوطن” الأسبوع الماضي، فاقتصرت المفاضلة على اسمين، كلاهما “أمل”.
حتى جلسة مجلس الوزراء، غُيّبت عنها قضية شديدة الأهمية، كان يفترض أن تتصدر جدول أعمالها، والمقصود شحنات المتفجرات. وما فاقم دلالة هذا التغييب أنه جاء على إيقاع تهديدات النائب حسن فضل الله للدولة، في مشهد يعيد التذكير بـ “7 أيار” و”القمصان السود”، وبتهديداته عقب حادثة خلدة، حين منح الدولة مهلة للتحرك وتنفيذ الاعتقالات التي طالب بها، وإلا…
كانت ثمة فرصة استثنائية لإعادة التوازن إلى هيكل السلطة، واستعادة القرار السياسي والاستراتيجي إلى كنف الدولة، بالتوازي مع تحرير القرار السنّي من سطوة “الثنائي الشيعي”. لكن ثمة من ذهب إلى عين التينة وأعاد تسليمها مفاتيح الدولة، حيث يتداول همسًا عن تعهد قُدّم لأطراف خارجية بتأمين مخرج لائق لمفتي الجمهورية، ما استدعى طلب “المدد” من الرئيس بري.
لا ريب أن المطلوب إقليميًا ودوليًا استدامة التهدئة في لبنان، كي لا تنفجر ساحته فيما يتصاعد الصراع مع نظام الملالي وأذرعه في اليمن. لكن ذلك لا يعني تسليم مفاتيح الدولة لبري، وفوقها “حبّة مسك”، تتمثل بإفساح المجال أمامه للقبض على القرار السنّي، بجناحيه السياسي والديني، والتحكم بإيقاع جلسات مجلس الوزراء، في مشهد كان الظن أنه دُفن وقُرئت عليه الفاتحة.
في موازاة تلاعب عين التينة بمزاج الشارع السنّي وبنوابه وممثليه، وتفريقهم شيعًا، لتفخيخ قانون العفو بتعهدات أثبت قرار المجلس الدستوري أنها لم تكن سوى “سراب بقيعة”. وهكذا خرج القانون كما أُريد له منذ البداية: مضاعفة التنكيل والقهر بحق السنة وحدهم، مقابل تحرير بارونات المخدرات، ورمي أكثر من أربعين ألف مذكرة توقيف في البحر، وكأننا إزاء دولة يختصرها بري بشخصه وإرادته، التي تتقدم على الدستور والقوانين والتوازنات.
الملاحظة الأشد هي صمت دار الفتوى عن مسخ قانون العفو، بعد سيولة بيانات تعظيم المفتي وتبجيله خلال الأسبوع الماضي، بينما تستنكف رئاسة الحكومة عن المبادرة إلى جمع النواب السنّة تحت رايتها لاتخاذ موقف جامع وصلب ضمن قواعد لعبة الدولة. ليصير الأمل معقودًا على مدعي عام التمييز، حيث يُتوقع أن يستقبل النواب السنّة يوم الإثنين، لبحث إصدار تعاميم تفسيرية تخفف وطأة قرار المجلس الدستوري وتفسيراته، في مهمة تبدو صعبة، وسط معلومات عن تثبيت عقوبة الإعدام بـ 28 سنة سجنية.
لم يكن المطلوب افتعال صراع مع الرئاسة الثانية، بل استعادة التوازن المفقود في “سيبة” الحكم، وعدم العودة إلى نهج “الأرانب” التي تتسلل من “كوّات” القانون لتصبح قدرًا مقدورًا. ومع ذلك، يُحسب لبري براعته في ترويض المتغيرات، وإظهار أنه الثابت وسط عواصف التحولات، الذي يمسك بخيوط اللعبة ويستدرج الجميع إلى ملعبه بدهاء.
وبينما تفتح الحكومة صراعًا موازيًا مع وزير الطاقة جو الصدّي، كيف يمكن إقناع الناس بجدية طيّ صفحة الاستبداد ومراكز القوى داخل الدولة العميقة، وهم يشاهدون أباطرة المخدرات، من عيار نوح زعيتر، يخرجون ملوّحين بأيديهم، فيما تستمر معاناة الشيخ أحمد الأسير وموقوفين آخرين؟
ثمة خيبة أمل عامة يعضدها استياء كبير في الساحة السنيّة، رغم الدعم الشعبي والعربي والدولي الذي حظيت به الحكومة. ربما كان ذلك ثمن جلسة الثقة، وعدم تحريك الشارع ممن يمسك بقرار النقابات. لكنه ثمن باهظ يصعب هضمه.









