«الحزب» خائف من الحرب

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
20 تشرين الأول 2026

تتقاطع المعطيات لتؤكّد أنّ الواقع الشيعي في لبنان يعيش أكثر المراحل خطورة على الإطلاق. إنّها أسابيع أو أشهر قليلة ستقرّر ما إذا كان سيبقى للشيعة اللبنانيين موطئ قدم في مناطقهم، أم سيرحلون منها إلى حيث لا أحد يعرف المسار والمصير، بعدما خرجت إسرائيل بأول تهديد معلن من نوعه للبنان، ولـ«الحزب» والبيئة الشيعية. وهذا التهديد يختلف تماماً عن مروحة التهديدات التي أطلقتها على مدى حرب السنوات الثلاث. إنّه تهديد بما يمكن تسميته «الاستئصال الديموغرافي» للشيعة من مناطقهم، في الجنوب كله كما في الضاحية.

يفكّر «حزب الله» ملياً في مدى جدّية التهديد الذي أطلقه يسرائيل كاتس، وزير الأمن الإسرائيلي، قبل أيام. وهو ينكبّ على تقويم العواقب الفعلية التي يمكن أن تتأتّى عن أي مشاركة له في الحرب التي قد تندلع مجدداً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة مقابلة. فـ«الحزب» اختبر التهديدات السابقة، واكتشف أنّ إسرائيل لا تتورع عن تنفيذها والتوسع في السيطرة على الأرض، وهي تقوم بتدمير مزيد من القرى وتهجيرها، بلا أي قدرة على المواجهة. ولذلك، هو مهتم جداً بتهديدها الأخير بتنفيذ «اقتلاع جماعي» للسكان من الجنوب حتى نهر الأولي، وتدمير ما تبقّى من الضاحية الجنوبية، وتهجير أكثر من مليون شيعي لبناني نحو الشمال. ويعني هذا أنّ ​ورطة «الحزب» أصبحت قاتلة، في ظل أكبر انكشاف استراتيجي يتعرّض له.

«الحزب» يتريث؟

وذروة المأزق تكمن في أنّ «الحزب» ليس قادراً على اتخاذ قرار بالنأي بنفسه عن الماكينة العسكرية والسياسية والمالية الإيرانية. فهي التي أنشأته وتدربه وتسلحه وتموّله، في اعتباره أحد أذرعها الأساسية في الشرق الأوسط. ومن البديهي أن ينفّذ المهمات التي تطلبها منه. ووفق ما يردّد الإسرائيليون في بعض إعلامهم، فإنّ إيران ​تضغط اليوم على «حزب الله» ليجاريها في إيقاع التصعيد، لكنه يتريث في ذلك، بناءً على حسابات محلية دقيقة.

بين «حزب الله» والحوثي

وهنا تبرز معادلة قوة جديدة بين أذرع إيران الإقليميين، أفرزتها حرب السنوات الثلاث. ففي العام 2023، كان «حزب الله» هو الذراع الإيرانية الأقوى والأقدر على المناورة، وكان قادراً على التحرك في عدد من ساحات الإقليم، وكان يقدّم الدعم للحلفاء في اليمن. وأما اليوم، فقد بات الحوثيون أكثر قدرة على المناورة والتحرك. والعامل الأساسي هنا يتعلق بالفارق الجغرافي. فالحوثي يقاتل من خلف بحار ومسافات بعيدة، محمياً بعمق جغرافي يمنحه‌ هامش مناورة بلا كلفة ديموغرافية مباشرة، وهو يقاتل الخليجيين. و​أما «حزب الله»، فبات محصوراً في عقر دار مساحتها لا تحتمل قطرة دم إضافية، وفي جزء من الجغرافيا اللبنانية الضيّقة والمكشوفة. وأما التوغل الإسرائيلي الذي يبتلع اليوم 6% من الجنوب، فمن المحتمل أن يتمدّد نحو خط الأولي ليحرم الشيعة من أي موطئ قدم تاريخي واستراتيجي. أي إنّ البيئة الشيعية الحاضنة ستدفع الثمن دماً وتهجيراً وخراباً، فيما تبدو طهران في موقع إدارة الحرب بـ«الريموت كونترول» من خلف الحدود.

تياران

و​خلف الكواليس، يدور نقاش صامت داخل البيئة الشيعية وفي أروقة «الحزب» نفسها، بين جبهتين: تيار لا يزال يعيش حالة العقيدة المطلقة، وهو مستعد للمضي في خيار الموت والإسناد حتى الرمق الأخير، غير عابئ بالأكلاف إطلاقاً. وتيار واسع يدرك هول الكارثة، ويخشى أن يتكرّر سيناريو «التورط الأعمى» الذي أضاع حتى الآن جزءاً غالياً جداً من الجنوب وأهله. وهذا التيار يفهم جيداً أنّ إسرائيل تنتظر اشتعال الفتيل الإيراني لتنفّذ مخطط التوسع والتهجير، وتثبيت حزام أمني دائم، من شأنه إعادة رسم الخريطة في لبنان بأسره.

ينخرط … لا ينخرط

ما يرعب حكماء الشيعة ​هو ارتكاب «خطأ ميداني» جديد يفجّر الموقف لمصلحة نتنياهو وكاتس، بحيث يجد الجميع في لبنان أنفسهم مسلوبي الاختيار، أمام هجوم إسرائيلي شامل لا يقوى أحد على صدّه ولا تحمل أثمانه. كذلك، ​يجد «الحزب» نفسه محاصراً بمعادلة خطرة لم يألفها. ف​إذا انصاع للضغط الإيراني وأشعل جبهة جديدة، فسيمنح إسرائيل المبرر الذهبي لتنفّذ وعيدها بالتهجير نحو شمال الأولي، مدشناً نهاية نفوذه على الأنقاض. ​وأما إذا تريث ورفض الانخراط، فسيفقد دوره كـ«طليعة المحور الإيراني»، ويواجه في الداخل أسئلة بيئته القاسية: لمن كانت هذه الدماء كلها؟ ولماذا دُمّرت القرى والبيوت إذا كانت النهاية هي الانكفاء؟ ​وفي أي حال، «الحزب» خائف تماماً من اندلاع الحرب الكبرى التي تضطره إلى حسم خياره بين التورط وعدمه، وهو يراهن على مخارج إقليمية تمنع الحرب وتحول دون تجرّعه كأس التجربة الجديدة.

«الحزب» خائف من الحرب

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
20 تشرين الأول 2026

تتقاطع المعطيات لتؤكّد أنّ الواقع الشيعي في لبنان يعيش أكثر المراحل خطورة على الإطلاق. إنّها أسابيع أو أشهر قليلة ستقرّر ما إذا كان سيبقى للشيعة اللبنانيين موطئ قدم في مناطقهم، أم سيرحلون منها إلى حيث لا أحد يعرف المسار والمصير، بعدما خرجت إسرائيل بأول تهديد معلن من نوعه للبنان، ولـ«الحزب» والبيئة الشيعية. وهذا التهديد يختلف تماماً عن مروحة التهديدات التي أطلقتها على مدى حرب السنوات الثلاث. إنّه تهديد بما يمكن تسميته «الاستئصال الديموغرافي» للشيعة من مناطقهم، في الجنوب كله كما في الضاحية.

يفكّر «حزب الله» ملياً في مدى جدّية التهديد الذي أطلقه يسرائيل كاتس، وزير الأمن الإسرائيلي، قبل أيام. وهو ينكبّ على تقويم العواقب الفعلية التي يمكن أن تتأتّى عن أي مشاركة له في الحرب التي قد تندلع مجدداً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة مقابلة. فـ«الحزب» اختبر التهديدات السابقة، واكتشف أنّ إسرائيل لا تتورع عن تنفيذها والتوسع في السيطرة على الأرض، وهي تقوم بتدمير مزيد من القرى وتهجيرها، بلا أي قدرة على المواجهة. ولذلك، هو مهتم جداً بتهديدها الأخير بتنفيذ «اقتلاع جماعي» للسكان من الجنوب حتى نهر الأولي، وتدمير ما تبقّى من الضاحية الجنوبية، وتهجير أكثر من مليون شيعي لبناني نحو الشمال. ويعني هذا أنّ ​ورطة «الحزب» أصبحت قاتلة، في ظل أكبر انكشاف استراتيجي يتعرّض له.

«الحزب» يتريث؟

وذروة المأزق تكمن في أنّ «الحزب» ليس قادراً على اتخاذ قرار بالنأي بنفسه عن الماكينة العسكرية والسياسية والمالية الإيرانية. فهي التي أنشأته وتدربه وتسلحه وتموّله، في اعتباره أحد أذرعها الأساسية في الشرق الأوسط. ومن البديهي أن ينفّذ المهمات التي تطلبها منه. ووفق ما يردّد الإسرائيليون في بعض إعلامهم، فإنّ إيران ​تضغط اليوم على «حزب الله» ليجاريها في إيقاع التصعيد، لكنه يتريث في ذلك، بناءً على حسابات محلية دقيقة.

بين «حزب الله» والحوثي

وهنا تبرز معادلة قوة جديدة بين أذرع إيران الإقليميين، أفرزتها حرب السنوات الثلاث. ففي العام 2023، كان «حزب الله» هو الذراع الإيرانية الأقوى والأقدر على المناورة، وكان قادراً على التحرك في عدد من ساحات الإقليم، وكان يقدّم الدعم للحلفاء في اليمن. وأما اليوم، فقد بات الحوثيون أكثر قدرة على المناورة والتحرك. والعامل الأساسي هنا يتعلق بالفارق الجغرافي. فالحوثي يقاتل من خلف بحار ومسافات بعيدة، محمياً بعمق جغرافي يمنحه‌ هامش مناورة بلا كلفة ديموغرافية مباشرة، وهو يقاتل الخليجيين. و​أما «حزب الله»، فبات محصوراً في عقر دار مساحتها لا تحتمل قطرة دم إضافية، وفي جزء من الجغرافيا اللبنانية الضيّقة والمكشوفة. وأما التوغل الإسرائيلي الذي يبتلع اليوم 6% من الجنوب، فمن المحتمل أن يتمدّد نحو خط الأولي ليحرم الشيعة من أي موطئ قدم تاريخي واستراتيجي. أي إنّ البيئة الشيعية الحاضنة ستدفع الثمن دماً وتهجيراً وخراباً، فيما تبدو طهران في موقع إدارة الحرب بـ«الريموت كونترول» من خلف الحدود.

تياران

و​خلف الكواليس، يدور نقاش صامت داخل البيئة الشيعية وفي أروقة «الحزب» نفسها، بين جبهتين: تيار لا يزال يعيش حالة العقيدة المطلقة، وهو مستعد للمضي في خيار الموت والإسناد حتى الرمق الأخير، غير عابئ بالأكلاف إطلاقاً. وتيار واسع يدرك هول الكارثة، ويخشى أن يتكرّر سيناريو «التورط الأعمى» الذي أضاع حتى الآن جزءاً غالياً جداً من الجنوب وأهله. وهذا التيار يفهم جيداً أنّ إسرائيل تنتظر اشتعال الفتيل الإيراني لتنفّذ مخطط التوسع والتهجير، وتثبيت حزام أمني دائم، من شأنه إعادة رسم الخريطة في لبنان بأسره.

ينخرط … لا ينخرط

ما يرعب حكماء الشيعة ​هو ارتكاب «خطأ ميداني» جديد يفجّر الموقف لمصلحة نتنياهو وكاتس، بحيث يجد الجميع في لبنان أنفسهم مسلوبي الاختيار، أمام هجوم إسرائيلي شامل لا يقوى أحد على صدّه ولا تحمل أثمانه. كذلك، ​يجد «الحزب» نفسه محاصراً بمعادلة خطرة لم يألفها. ف​إذا انصاع للضغط الإيراني وأشعل جبهة جديدة، فسيمنح إسرائيل المبرر الذهبي لتنفّذ وعيدها بالتهجير نحو شمال الأولي، مدشناً نهاية نفوذه على الأنقاض. ​وأما إذا تريث ورفض الانخراط، فسيفقد دوره كـ«طليعة المحور الإيراني»، ويواجه في الداخل أسئلة بيئته القاسية: لمن كانت هذه الدماء كلها؟ ولماذا دُمّرت القرى والبيوت إذا كانت النهاية هي الانكفاء؟ ​وفي أي حال، «الحزب» خائف تماماً من اندلاع الحرب الكبرى التي تضطره إلى حسم خياره بين التورط وعدمه، وهو يراهن على مخارج إقليمية تمنع الحرب وتحول دون تجرّعه كأس التجربة الجديدة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار