خاص – الرياض تواجه الضغوط الأميركية: بناء منظومة تحالف إقليمية

ترفض السعودية تسليم كلّ أوراقها للجانب الأميركي في حربها المستجدّة مع الحوثيين في اليمن، الذين استهدفوا تكراراً بنى تحتية نفطية ومطارات في المملكة، موقعين ضحايا من المدنيين.
وعلى رغم الضغوط التي تتعرّض لها الرياض من جانب الرئيس دونالد ترامب لقبول مساعدة إسرائيلية أو الانضمام إلى الاتّفاقات الإبراهيمية، فإنّ وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان قرّر اتّباع استراتيجية مختلفة، تقوم على بناء تحالفات إقليمية قويّة، تبني توازناً مع المحور الذي تسعى إسرائيل إلى تشكيله، والذي تأمل أن يضمّ كلّاً من الإمارات والهند اليونان وقبرص والبحرين وصولاً إلى إفريقيا.
وهذان المحوران، إن صحّ التعبير، يلتقيان على مناهضة المحور الإيراني، ولكنّهما يختلفان على تقاسم مراكز النفوذ والثروات في المنطقة التي تشهد تبدّلات استراتيجية كبيرة، مع الانهيار التدريجي للنفوذ الإيراني وحلفاء طهران.
وشكّل “تحالف مكّة” الذي يضمّ السعودية وتركيا وباكستان الصمّام الأوّل لوقف “الابتزاز” الذي تمارسه واشنطن وتلّ أبيب على الرياض لدفعها إلى الانضمام إلى اتّفاقات التطبيع مع إسرائيل. وهذا التحالف الثلاثي يُعتبر نواة قويّة لتحالف سنّي على مستوى المنطقة. فالسعودية هي قلب العالم الإسلامي السنّي، وتشكّل قوّة اقتصادية ونفطية كبرى على مستوى المنطقة والعالم، بينما تركيا تتمتّع بقوّة عسكرية وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، في حين أن باكستان هي إحدى الدول التي تمتلك سلاحاً نووياً.
وما يمكن أن يشكّل دعامة إضافية لهذا الحلف، هو الموقف الذي أعلنته مصر قبل أيّام، مع موافقة مجلس الدفاع الوطني على إرسال قوات مصرية إلى السعودية في “مهمة دفاعية”، في انتظار تصويت مجلس النوّاب خلال أيّام. وقد أتى هذا القرار بعد شهر واحد على زيارة قام بها وليّ العهد السعودي للقاهرة.
ومع أنّ مصر خسرت من مداخيل قناة السويس مليارات الدولارات منذ تشرين الثاني 2023 بسبب مهاجمة الحوثيين للسفن في البحر الأحمر، إلّا أنّها كانت ما تزال متحفّظة على أيّ إسهام عسكري للدفاع عن طريق الملاحة الذي يمرّ عبر القناة. ولكن التطوّرات الأخيرة المتمثّلة خصوصاً في الهجمات الحوثية على السعودية جعلت مصر تنتقل إلى ضفّة المبادرة. فاهتزاز الأمن في المنطقة يعرّض أمنها للخطر أيضاً. كما أنّها لا يمكن ألّا تقف إلى جانب الرياض في هذا الظرف الصعب، بسبب ما بينهما من مصالح اقتصادية والدعم الذي تقدّمه المملكة على الصعيد الاقتصادي.
فصادرات النفط السعودية مهدّدة بفعل عرقلة الحوثيين للملاحة في باب المندب، ولا يمكن للرياض التغلّب لوحدها على كلّ المشكلات التي خلقتها الهجمات الحوثية، وهي في حاجة إلى دعم سريع ومباشر.
وفي حال صوّت مجلس النوّاب المصري لصالح الدعم العسكري للسعوديّة، فإنّ المشاركة المصرية، حسب خبراء عسكريين، ستكون دفاعية بحتة وعبر أنظمة الدفاع الجوي المتنوعة والدعم البحري لتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب دون التدخل البري، ما يعطي الرياض عمقاً دفاعياً مهماً في مواجهة الشروط الدولية والإقليمية القاسية في مقابل تقديم العون.
فالرئيس ترامب رفض، استناداً إلى بعض التقارير، طلبات سعودية مباشرة لشنّ ضربات ضدّ الحوثيين، رغبة منه في تجنّب الغرق في حرب إقليمية واسعة. ولكنّه في الوقت عينه يستغلّ حاجة المملكة إلى صدّ التهديد الحوثي كورقة ضغط لإنجاز صفقة التطبيع مع إسرائيل.
كما أنّ لتركيا مصلحة في دعم السعودية، وفي الوقت نفسه لديها مصلحة في عدم القضاء كلّياً على النظام الإيراني، ليشكّل عنصر توازن مع إسرائيل. ولكن هاتين المصلحتين المتناقضتين قد تجعل أنقرة في موقف المتردّد أو المتحفّظ عن التدخّل العسكري المباشر، مع أنّ في إمكان تركيا أن تقدّم للسعودية دعمًا في مجالات مثل أنظمة الدفاع الجوي والرادارات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في إطار “اتفاق مكة” للدفاع المشترك.
أمّا بالنسبة إلى الموقف السوري، فإنّ دمشق تعتمد في شكل أساسي على الدعم السياسي الذي تقدّمه كلّ من السعودية وتركيا. وسبق أن زار الرئيس أحمد الشرع الرياض مطلع هذا الشهر حيث التقى وليّ العهد. ولكن المشاركة العسكرية السورية غير واردة اليوم بسبب انهماك سوريا ببناء نفسها وقدراتها، وهذا ما تتفهّمه المملكة، التي تحرص أن تمرّ دمشق بمرحلة التعافي بسلام، وهي غير البعيدة إطلاقاً عن “اتّفاق مكّة”، وإن لم تكن عضواً فيها.
خاص – الرياض تواجه الضغوط الأميركية: بناء منظومة تحالف إقليمية

ترفض السعودية تسليم كلّ أوراقها للجانب الأميركي في حربها المستجدّة مع الحوثيين في اليمن، الذين استهدفوا تكراراً بنى تحتية نفطية ومطارات في المملكة، موقعين ضحايا من المدنيين.
وعلى رغم الضغوط التي تتعرّض لها الرياض من جانب الرئيس دونالد ترامب لقبول مساعدة إسرائيلية أو الانضمام إلى الاتّفاقات الإبراهيمية، فإنّ وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان قرّر اتّباع استراتيجية مختلفة، تقوم على بناء تحالفات إقليمية قويّة، تبني توازناً مع المحور الذي تسعى إسرائيل إلى تشكيله، والذي تأمل أن يضمّ كلّاً من الإمارات والهند اليونان وقبرص والبحرين وصولاً إلى إفريقيا.
وهذان المحوران، إن صحّ التعبير، يلتقيان على مناهضة المحور الإيراني، ولكنّهما يختلفان على تقاسم مراكز النفوذ والثروات في المنطقة التي تشهد تبدّلات استراتيجية كبيرة، مع الانهيار التدريجي للنفوذ الإيراني وحلفاء طهران.
وشكّل “تحالف مكّة” الذي يضمّ السعودية وتركيا وباكستان الصمّام الأوّل لوقف “الابتزاز” الذي تمارسه واشنطن وتلّ أبيب على الرياض لدفعها إلى الانضمام إلى اتّفاقات التطبيع مع إسرائيل. وهذا التحالف الثلاثي يُعتبر نواة قويّة لتحالف سنّي على مستوى المنطقة. فالسعودية هي قلب العالم الإسلامي السنّي، وتشكّل قوّة اقتصادية ونفطية كبرى على مستوى المنطقة والعالم، بينما تركيا تتمتّع بقوّة عسكرية وهي عضو في حلف شمال الأطلسي، في حين أن باكستان هي إحدى الدول التي تمتلك سلاحاً نووياً.
وما يمكن أن يشكّل دعامة إضافية لهذا الحلف، هو الموقف الذي أعلنته مصر قبل أيّام، مع موافقة مجلس الدفاع الوطني على إرسال قوات مصرية إلى السعودية في “مهمة دفاعية”، في انتظار تصويت مجلس النوّاب خلال أيّام. وقد أتى هذا القرار بعد شهر واحد على زيارة قام بها وليّ العهد السعودي للقاهرة.
ومع أنّ مصر خسرت من مداخيل قناة السويس مليارات الدولارات منذ تشرين الثاني 2023 بسبب مهاجمة الحوثيين للسفن في البحر الأحمر، إلّا أنّها كانت ما تزال متحفّظة على أيّ إسهام عسكري للدفاع عن طريق الملاحة الذي يمرّ عبر القناة. ولكن التطوّرات الأخيرة المتمثّلة خصوصاً في الهجمات الحوثية على السعودية جعلت مصر تنتقل إلى ضفّة المبادرة. فاهتزاز الأمن في المنطقة يعرّض أمنها للخطر أيضاً. كما أنّها لا يمكن ألّا تقف إلى جانب الرياض في هذا الظرف الصعب، بسبب ما بينهما من مصالح اقتصادية والدعم الذي تقدّمه المملكة على الصعيد الاقتصادي.
فصادرات النفط السعودية مهدّدة بفعل عرقلة الحوثيين للملاحة في باب المندب، ولا يمكن للرياض التغلّب لوحدها على كلّ المشكلات التي خلقتها الهجمات الحوثية، وهي في حاجة إلى دعم سريع ومباشر.
وفي حال صوّت مجلس النوّاب المصري لصالح الدعم العسكري للسعوديّة، فإنّ المشاركة المصرية، حسب خبراء عسكريين، ستكون دفاعية بحتة وعبر أنظمة الدفاع الجوي المتنوعة والدعم البحري لتأمين الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب دون التدخل البري، ما يعطي الرياض عمقاً دفاعياً مهماً في مواجهة الشروط الدولية والإقليمية القاسية في مقابل تقديم العون.
فالرئيس ترامب رفض، استناداً إلى بعض التقارير، طلبات سعودية مباشرة لشنّ ضربات ضدّ الحوثيين، رغبة منه في تجنّب الغرق في حرب إقليمية واسعة. ولكنّه في الوقت عينه يستغلّ حاجة المملكة إلى صدّ التهديد الحوثي كورقة ضغط لإنجاز صفقة التطبيع مع إسرائيل.
كما أنّ لتركيا مصلحة في دعم السعودية، وفي الوقت نفسه لديها مصلحة في عدم القضاء كلّياً على النظام الإيراني، ليشكّل عنصر توازن مع إسرائيل. ولكن هاتين المصلحتين المتناقضتين قد تجعل أنقرة في موقف المتردّد أو المتحفّظ عن التدخّل العسكري المباشر، مع أنّ في إمكان تركيا أن تقدّم للسعودية دعمًا في مجالات مثل أنظمة الدفاع الجوي والرادارات وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في إطار “اتفاق مكة” للدفاع المشترك.
أمّا بالنسبة إلى الموقف السوري، فإنّ دمشق تعتمد في شكل أساسي على الدعم السياسي الذي تقدّمه كلّ من السعودية وتركيا. وسبق أن زار الرئيس أحمد الشرع الرياض مطلع هذا الشهر حيث التقى وليّ العهد. ولكن المشاركة العسكرية السورية غير واردة اليوم بسبب انهماك سوريا ببناء نفسها وقدراتها، وهذا ما تتفهّمه المملكة، التي تحرص أن تمرّ دمشق بمرحلة التعافي بسلام، وهي غير البعيدة إطلاقاً عن “اتّفاق مكّة”، وإن لم تكن عضواً فيها.








