هل تبلغ المكاسرة بين الدولة و«الحزب» حد الانفجار؟

لم يكن أدلّ على الواقع البالغ الخطورة الذي يقف أمامه لبنان، من ارتسام مشهدية بدت معها الدولة وكأنها تخوض «معركة» على جبهتين متوازيتيْن، أوّلهما دبلوماسية للجْم إسرائيل عن أي تصعيد في الجنوب عبر الإبقاء على «الحَبْل ولو الرفيع» الذي تشكّله المفاوضات المباشرة مع تل أبيب، والثانية سياسية – أمنية عبر تثبيت خيار حصر السلاح وبسط سيادة الشرعية الذي بات له معيار مرجعيّ إضافيّ عنوانه ملف شحنة متفجرات «حزب الله» الذي دقّ اليوم الاثنين، نفيرَ المواجهة مع رئيسيْ الجمهورية العماد جوزاف عون والحكومة نواف سلام اللذين يتمسكان بمحاسبة المتورطين فيها «بلا محاباةٍ» وبلا سقف «إلا القانون».
«عضّ الأصابع
ولم يَعُدْ خافياً أنّ قضية شحنة المتفجرات اكتسبتْ أبعاداً أقرب إلى «المكاسرة» و«عضّ الأصابع» بين الدولة اللبنانية و«حزب الله» ليس فقط في ضوء اعتبارها تطبيقاً لقرار مصادرةِ أي ترسانة للحزب يتم ضبْطها خلال نقْلها، ربْطاً باعتبار جناحه العسكري محظوراً وانسجاماً مع قراراتِ أغسطس 2025 بحصْر سلاحه، بل الأهمّ في ظلّ توقيت هذا التطور الذي أتاح للبنان تسليف واشنطن ورقة لكسْر معاندة إسرائيل عقْد جولة المفاوضات العسكرية مع بيروت قبل انتخابات الكنيست، وتالياً إحراجها «نظرياً» في أي نية تصعيد كبير يُراد أن تُفتح صناديق اقتراعها تحت «ناره».
ورغم محاذرة لبنان الرسمي وضْع مصادرة مئات الكيلوغرامات من المواد الشديدة الانفجار في سياق تطبيق «الاتفاق الإطار» الثلاثي (الموقّع مع تل أبيب وواشنطن) الذي وُلد في كنف المفاوضات المباشرة وبات واقعياً الحاكِم لملف سَحْبِ السلاح والانسحاب الإسرائيلي، فإن «حزب الله» الذي توّج هجومَه على الرئيسين عون وسلام من دون تسميتهما محذراً (بلسان النائب ابراهيم الموسوي) من «ان الانفجار بات على الحافّة» ومعتبراً أن «من يرى نفسه في موقع يُضغط عليه من الخارج، عليه أن يستقيل، وهذا أشرف له من أن يقوم بفعل الخيانة العظمى لتضحيات النّاس»، بدا في قرعه طبول المواجهة الداخلية ساعياً إلى هدفين متداخلين:
– الأول وقْف مسار المحاسبة في ملف الشحنة والذي تَشي معه الدولة اللبنانية بأنها ستذهب فيه إلى حيث توصل التحقيقاتُ وعدم الاكتفاء بمساءلة ناقليْ المتفجّرات الموقوفيْن بل معرفة هوية «ساجد» و«ذو الفقار» اللذين طلب أحدهما إيصال الشحنة من بعلبك وكان يُفترض أن يتسلّمها الثاني في الضاحية الجنوبية لبيروت، وصولاً لمن أَمَرَ بالنقل وربما خطّط لاستخداماتٍ أمنية لها في حال أظهر التحقيق أهدافاً ذات صلة باغتيالات.
– والثاني قطْع الطريق على أي تنفيذٍ من الدولة لسَحْب السلاح شمال الليطاني، تحت أي مسمى، سواء «الاتفاق الإطار» أو «الإطار الملبنن» لقرارات الحكومة في اغسطس 2025 و 2 مارس 2026، وهو الأمر الذي كان جعل الحزب يختار أن تفجّر إسرائيل الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر وتحتلّها على أن يسلّمها للجيش اللبناني باعتبار أن ذلك سيعني تسليماً بموافقته على المساس بترسانته خارج جنوب الليطاني.
وفي خلفية هذا الخيار رفْض لجعْل سلاحه خاضعاً لموجبات «الاتفاق الإطار» الثلاثي الذي لا دور فيه لطهران التي تصرّ على أن يكون تفاهمها مع واشنطن الناظم لملف حزب الله وترسانته، وأيضاً رغبة في ضبط سرعة هذا الملف (تأخيراً) مع متطلبات جبهة إيران التي تشي بأنها تنزلق نحو صِدام جديد توحي واشنطن بأنه بات لا مفرّ منه.
«شحذ السكاكين»
وفي غمرة تَحَوُّل قضية الشحنة باباً لمشاحناتٍ داخليةٍ بدأ «حزب الله» يَعتمد معها ما يشبه «شحذ السكاكين» السياسية، توطئة ربما لِما هو أخطر، وفق ما عبّرت عنه «بروفة» ليل الجمعة – السبت وما رافقها من مظاهر مسلحة وعراضة دراجات نارية في شوارع بيروت بعد محاصرة دورية أمنية خلال دهم مستودع للأدوية الفاسدة على تخوم الضاحية الجنوبية، أعلن ناطق باسم الخارجية الأميركية «أننا نواصل حضَّ الحكومة اللبنانية على محاسبة جميع مَن أمروا بشحنة المتفجرات وموّلوها وأشرفوا على توجيهها»، في امتدادِ لما كان الوزير ماركو روبيو أبلغه الى الرئيس اللبناني في الاتصال الذي أجراه به مساء الخميس.
ولم يكن عادياً ما نقلتْه قناة «الجديد» عبر مراسلها في واشنطن عن الناطق نفسه من «أن الإطار الثلاثي ينصّ على نزع سلاح حزب الله بالكامل في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية»، وهو ما اعتُبر الموقف الأكثر وضوحاً لجهة «جغرافية» الاتفاق الإطار في ما خصّ حَصْرَ السلاح وتبديداً لالتباسٍ حيال «جنوب الليطاني وشماله».
ورأت أوساط مراقبة أن موقف الخارجية الأميركية اليوم الاثنين، يعْني عملياً «أن المناطق التجريبية (انسحاب الجيش الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني فيها) وتوسيعها يتطلّب بدء الدولة اللبنانية سَحْبَ السلاح من شمال الليطاني، باعتبار أنه في جنوب النهر تتولى إسرائيل بيدها حصر السلاح»، ومشيرة تالياً إلى أنه بدأ يترسّخ أكثر أن كل منطقة تجريبية جديدة ستضغط تل أبيب ومعها واشنطن لأن يقابلها سَحْبُ للسلاح من خارج «المنطقة الأمنية».
وتَعتبر هذه الأوساط أن كلام الناطق باسم الخارجية الأميركية يضيّق هوامش تفسير «الاتفاق الإطار» بالنسبة للبنان على أنه يقوم على أن تنسحب إسرائيل من «المنطقة الأمنية» تدريجاً مقابل ان ينتشر الجيش ويفكك ترسانة حزب الله داخل كل منطقة تجريبية، بحيث إنه يُظْهِر أن التقابلية هي بين الانسحاب من جنوب الليطاني وسحب السلاح شماله.
وفي أي حال، فإن لبنان وبإمساكه بملف المتفجرات بمنطق المساءلة حتى النهاية يعزّز صورةَ الدولة الساعية الى التزام تعهداتها، وهو ما يَجْري رَصْدُ انعاكساته على طاولة المفاوضات العسكرية المباشرة التي تُعقد اليوم برعايةٍ أميركية في مقر قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأميركي في تامبا – فلوريدا في الولايات المتحدة.
ونقلت وسائل إعلام لبنانية عن مصادر رسمية أن «الجانب العسكري اللبناني سيطرح كل النقاط التي كان قد أثارها في مفاوضات روما في 4 و5 أغسطس، وسيوضح امام الجانبين الأميركي والإسرائيلي أن كل التقارير التي لديه تدل على أن الجيش الإسرائيلي لم يحترم متطلبات المنطقة التجريبية الأولى (زوطر الغربية، فرون وصريفا) واستهدفها بالهجمات وعاود الدخول إليها وسقط أحد المواطنين اللبنانيين ضحية جراء ذلك»، موضحة أنه «من ناحية الشكل فإنه سيكون مشابها للجلسات التي عقدت في واشنطن وروما وأن الجنرال جوزف كليرفيلد من المرجح أن يترأس الجانب الأميركي».
وفي موازاة ذلك، كان الرئيس جوزاف عون يشرف مباشرة على متابعة الواقع الأمني وتحصينه بإزاء أي إخلال داخلي كما على استكمال التحقيقات في ملف المتفجرات.
اجتماع أمني
وفي هذا الإطار ترأس عون اجتماعاً أمنياً في حضور كل قادة الأجهزة، أكد خلاله «ضرورة التشدد في تطبيق القوانين، ومنع المظاهر المسلحة، ومصادرة الأسلحة والذخائر، والإسراع في التحقيقات، وإحالة المخالفين على القضاء المختص لإجراء اللازم». كما شدد على «أن المرحلة الراهنة تتطلب متابعة دقيقة للأوضاع واعتماد الإجراءات الاستباقية الضرورية، إضافة إلى قطع الطريق على أي استغلال للشأن الاقتصادي لتحويله إلى إخلال بالأمن».
وأضاف: «لا يجوز التهاون مع أيّ محاولة للإخلال بالأمن أو المساس باستقرار البلاد، والمرحلة الراهنة تتطلّب أعلى درجات الجهوزية والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتبادلاً مستمراً للمعلومات وتقييماً دقيقاً للتطورات، بعيداً عن أي ازدواجية في الأدوار أو تضارب في الصلاحيات».
وطلب «تعزيز وجود قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة في القرى والبلدات الجنوبية غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، لتوفير الطمأنينة للأهالي وتسهيل الخدمات الإدارية لهم»، منوّهاً بعمل الجيش والقوى الأمنية وبجهوزيتها وسرعة تحرّكها وفعاليتها في كشف الجرائم ومرتكبيها وملاحقتهم وتوقيفهم.
وقبْلها بحث رئيس الجمهورية مع وزير الداخلية أحمد الحجار الوضع الأمني في البلاد، حيث تم «استعراض التدابير التي تتخذها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، لتعزيز الانتشار الأمني والدوريات في مختلف المناطق، لا سيما في العاصمة بيروت. كما تم التشديد على اتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة من قبل الأجهزة الأمنية المعنية لمنع حصول أيّ تهديدات للأمن الداخلي، وفق ما تقرر في مجلس الأمن الداخلي المركزي في جلسته الأخيرة الأسبوع الماضي».
وفي حين برز لقاءٌ جَمَعَ مستشار رئيس الجمهورية أندريه رحال بالرئيس نبيه بري في عين التينة تم ربْطه بالمفاوضات المباشرة اليوم، فإن تشدُّد الدولة في الملف الأمني بكلّيته وفي قضية الشحنة ترافق مع تقارير صحافية تحدّثت عن رصْد نقل عناصر من «حزب الله» من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية وبيروت.
وعلى وقع تسريب مناخات عن أن «حزب الله» انتقل الى مرحلة «انتهى زَمَنَ السكوت»، لاحت طلائع»7 مايو سياسي «حتى الساعة، أطلق معه الحزب «حرباً مع وقف التنفيذ» ضد الدولة ورموزها ولا سيما الرئيسي عون وسلام من دون تَسميتهما، بما يؤشر إلى أن«المطاحنة»الداخلية تتجه لمزيدٍ من التأجّج.
وقد أعلن رئيس كتلة حزب الله النائب محمد رعد أنّه «تتردّد في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، تصريحات وتغريدات متكرّرة تصدر عن مواقع مسؤولة وأخرى غير رسميّة، سقطت في فخّ التأييد والدّعم للتفاوض المباشر مع العدو الصهيوني، والإذعان لإملاءاته وشروطه الّتي تصادر السّيادة الوطنيّة وتُشرعن احتلاله للبنان، وتسخّر السّلطة اللّبنانيّة لخدمة أهدافه وسياساته، وتتلطّى خَلفَ حِرصٍ مُخادع على الاستقرار، وحصريّةٍ موجّهةٍ للسّلاح يشترطها الاحتلال».
وقال في تصريح: «بعض تلك التصريحات والتغريدات تتورّط في الإساءة إلى المقاومة التي هي شرف الوطن، في محاولة توهين دورها والتنكّر لإنجازاتها الوطنيّة، والطعن بشرعيّتها وضرورتها، والتطاول على أفرادها وبيئتها، امتثالًا لتوجيهات الأميركيّين»، وتوجّه إلى «مطلقي هذه التصريحات والتغريدات الفتنويّة المكابرة»:«إنّ المقاومة هي خيار الدّفاع الوطني الضروري والمشروع عن لبنان، وإنّ محاولات شيطنتها والإساءة إليها، هي جرم وطني وأخلاقي يدفع إليه تَصَهيُنٌ وافِدٌ، يلاقيه انقلابٌ وإسفاف وقح في تنصّل البعض من مضمون وثيقة الوفاق الوطني، ومحاباة لقوى خارجيّة تضغط على لبنان واللّبنانيّين للارتماء في أحضان العدو الصهيوني ورعاته ووكلائه، وتَسوقُهُم إلى تجاوز متعمّد للدّستور والقوانين اللّبنانيّة المرعيّة الإجراء».
وإذ اعتبر النّائب علي فياض أنّ «طريقة ومضمون كلام وزير الخارجيّة الأميركي مع رئيس الجمهوريّة، يعكسان بوضوح درجة الانسحاق الّتي بلغها المسؤولون اللّبنانيّون في ارتهانهم للخارج»، محذراً من أن «سياسة السلطة ستجلب الخراب إلى البلد»، قال النائب ابراهيم الموسوي إنّ «أهل السّلطة ليسوا فقط فاقدين للأهليّة الوطنيّة فحسب، وإنّما فاقدين للأهليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة».
«نَفَق الذهب» شمال بيروت؟
انشغل لبنان اليوم الاثنين، بنفق تم اكتشافه شمال – شرق بيروت داخل حرش صنوبر يقع بين منطقتَي الفنار والزعيترية، محاذٍ لمنطقة الرويسات التي تخضع لنفوذ «حزب الله».
واكتشف عناصر من شرطة بلدية الفنار النفق وأبلغوا الجيش اللبناني بأمره، فحضرت عناصر من المخابرات إلى الموقع وكشف عناصر من فوج الهندسة عليه، وسط بلبلة كبيرة أحدثها وخشية من أن يكون ذات طبيعة أمنية أو عسكرية.
وأوضحت قيادة الجيش في بيان لها أنه «بتاريخ 19 اكتوبر أجرت وحدات مختصّة من الجيش كشفاً على النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار – المتن الشمالي، وتَبيّن أنّ طوله الإجمالي يبلغ نحو 13 متراً (5 أمتار عموديًّا و8 أمتار أفقيًّا)، وأنّه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري. وقد ضُبطت داخله عدة حفر فردية، كما أوقِف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حَفره. وتجري متابعة التحقيق لتحديد وجهة استعماله».
من جهته، قال رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة: «استخبارات الجيش ابلغتنا بأن النفق ليس لأغراض أمنية انما بحثاً عن الذهب وسنعمل على قفْله».
هل تبلغ المكاسرة بين الدولة و«الحزب» حد الانفجار؟

لم يكن أدلّ على الواقع البالغ الخطورة الذي يقف أمامه لبنان، من ارتسام مشهدية بدت معها الدولة وكأنها تخوض «معركة» على جبهتين متوازيتيْن، أوّلهما دبلوماسية للجْم إسرائيل عن أي تصعيد في الجنوب عبر الإبقاء على «الحَبْل ولو الرفيع» الذي تشكّله المفاوضات المباشرة مع تل أبيب، والثانية سياسية – أمنية عبر تثبيت خيار حصر السلاح وبسط سيادة الشرعية الذي بات له معيار مرجعيّ إضافيّ عنوانه ملف شحنة متفجرات «حزب الله» الذي دقّ اليوم الاثنين، نفيرَ المواجهة مع رئيسيْ الجمهورية العماد جوزاف عون والحكومة نواف سلام اللذين يتمسكان بمحاسبة المتورطين فيها «بلا محاباةٍ» وبلا سقف «إلا القانون».
«عضّ الأصابع
ولم يَعُدْ خافياً أنّ قضية شحنة المتفجرات اكتسبتْ أبعاداً أقرب إلى «المكاسرة» و«عضّ الأصابع» بين الدولة اللبنانية و«حزب الله» ليس فقط في ضوء اعتبارها تطبيقاً لقرار مصادرةِ أي ترسانة للحزب يتم ضبْطها خلال نقْلها، ربْطاً باعتبار جناحه العسكري محظوراً وانسجاماً مع قراراتِ أغسطس 2025 بحصْر سلاحه، بل الأهمّ في ظلّ توقيت هذا التطور الذي أتاح للبنان تسليف واشنطن ورقة لكسْر معاندة إسرائيل عقْد جولة المفاوضات العسكرية مع بيروت قبل انتخابات الكنيست، وتالياً إحراجها «نظرياً» في أي نية تصعيد كبير يُراد أن تُفتح صناديق اقتراعها تحت «ناره».
ورغم محاذرة لبنان الرسمي وضْع مصادرة مئات الكيلوغرامات من المواد الشديدة الانفجار في سياق تطبيق «الاتفاق الإطار» الثلاثي (الموقّع مع تل أبيب وواشنطن) الذي وُلد في كنف المفاوضات المباشرة وبات واقعياً الحاكِم لملف سَحْبِ السلاح والانسحاب الإسرائيلي، فإن «حزب الله» الذي توّج هجومَه على الرئيسين عون وسلام من دون تسميتهما محذراً (بلسان النائب ابراهيم الموسوي) من «ان الانفجار بات على الحافّة» ومعتبراً أن «من يرى نفسه في موقع يُضغط عليه من الخارج، عليه أن يستقيل، وهذا أشرف له من أن يقوم بفعل الخيانة العظمى لتضحيات النّاس»، بدا في قرعه طبول المواجهة الداخلية ساعياً إلى هدفين متداخلين:
– الأول وقْف مسار المحاسبة في ملف الشحنة والذي تَشي معه الدولة اللبنانية بأنها ستذهب فيه إلى حيث توصل التحقيقاتُ وعدم الاكتفاء بمساءلة ناقليْ المتفجّرات الموقوفيْن بل معرفة هوية «ساجد» و«ذو الفقار» اللذين طلب أحدهما إيصال الشحنة من بعلبك وكان يُفترض أن يتسلّمها الثاني في الضاحية الجنوبية لبيروت، وصولاً لمن أَمَرَ بالنقل وربما خطّط لاستخداماتٍ أمنية لها في حال أظهر التحقيق أهدافاً ذات صلة باغتيالات.
– والثاني قطْع الطريق على أي تنفيذٍ من الدولة لسَحْب السلاح شمال الليطاني، تحت أي مسمى، سواء «الاتفاق الإطار» أو «الإطار الملبنن» لقرارات الحكومة في اغسطس 2025 و 2 مارس 2026، وهو الأمر الذي كان جعل الحزب يختار أن تفجّر إسرائيل الأنفاق في مرتفعات علي الطاهر وتحتلّها على أن يسلّمها للجيش اللبناني باعتبار أن ذلك سيعني تسليماً بموافقته على المساس بترسانته خارج جنوب الليطاني.
وفي خلفية هذا الخيار رفْض لجعْل سلاحه خاضعاً لموجبات «الاتفاق الإطار» الثلاثي الذي لا دور فيه لطهران التي تصرّ على أن يكون تفاهمها مع واشنطن الناظم لملف حزب الله وترسانته، وأيضاً رغبة في ضبط سرعة هذا الملف (تأخيراً) مع متطلبات جبهة إيران التي تشي بأنها تنزلق نحو صِدام جديد توحي واشنطن بأنه بات لا مفرّ منه.
«شحذ السكاكين»
وفي غمرة تَحَوُّل قضية الشحنة باباً لمشاحناتٍ داخليةٍ بدأ «حزب الله» يَعتمد معها ما يشبه «شحذ السكاكين» السياسية، توطئة ربما لِما هو أخطر، وفق ما عبّرت عنه «بروفة» ليل الجمعة – السبت وما رافقها من مظاهر مسلحة وعراضة دراجات نارية في شوارع بيروت بعد محاصرة دورية أمنية خلال دهم مستودع للأدوية الفاسدة على تخوم الضاحية الجنوبية، أعلن ناطق باسم الخارجية الأميركية «أننا نواصل حضَّ الحكومة اللبنانية على محاسبة جميع مَن أمروا بشحنة المتفجرات وموّلوها وأشرفوا على توجيهها»، في امتدادِ لما كان الوزير ماركو روبيو أبلغه الى الرئيس اللبناني في الاتصال الذي أجراه به مساء الخميس.
ولم يكن عادياً ما نقلتْه قناة «الجديد» عبر مراسلها في واشنطن عن الناطق نفسه من «أن الإطار الثلاثي ينصّ على نزع سلاح حزب الله بالكامل في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية»، وهو ما اعتُبر الموقف الأكثر وضوحاً لجهة «جغرافية» الاتفاق الإطار في ما خصّ حَصْرَ السلاح وتبديداً لالتباسٍ حيال «جنوب الليطاني وشماله».
ورأت أوساط مراقبة أن موقف الخارجية الأميركية اليوم الاثنين، يعْني عملياً «أن المناطق التجريبية (انسحاب الجيش الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني فيها) وتوسيعها يتطلّب بدء الدولة اللبنانية سَحْبَ السلاح من شمال الليطاني، باعتبار أنه في جنوب النهر تتولى إسرائيل بيدها حصر السلاح»، ومشيرة تالياً إلى أنه بدأ يترسّخ أكثر أن كل منطقة تجريبية جديدة ستضغط تل أبيب ومعها واشنطن لأن يقابلها سَحْبُ للسلاح من خارج «المنطقة الأمنية».
وتَعتبر هذه الأوساط أن كلام الناطق باسم الخارجية الأميركية يضيّق هوامش تفسير «الاتفاق الإطار» بالنسبة للبنان على أنه يقوم على أن تنسحب إسرائيل من «المنطقة الأمنية» تدريجاً مقابل ان ينتشر الجيش ويفكك ترسانة حزب الله داخل كل منطقة تجريبية، بحيث إنه يُظْهِر أن التقابلية هي بين الانسحاب من جنوب الليطاني وسحب السلاح شماله.
وفي أي حال، فإن لبنان وبإمساكه بملف المتفجرات بمنطق المساءلة حتى النهاية يعزّز صورةَ الدولة الساعية الى التزام تعهداتها، وهو ما يَجْري رَصْدُ انعاكساته على طاولة المفاوضات العسكرية المباشرة التي تُعقد اليوم برعايةٍ أميركية في مقر قيادة المنطقة الوسطى للجيش الأميركي في تامبا – فلوريدا في الولايات المتحدة.
ونقلت وسائل إعلام لبنانية عن مصادر رسمية أن «الجانب العسكري اللبناني سيطرح كل النقاط التي كان قد أثارها في مفاوضات روما في 4 و5 أغسطس، وسيوضح امام الجانبين الأميركي والإسرائيلي أن كل التقارير التي لديه تدل على أن الجيش الإسرائيلي لم يحترم متطلبات المنطقة التجريبية الأولى (زوطر الغربية، فرون وصريفا) واستهدفها بالهجمات وعاود الدخول إليها وسقط أحد المواطنين اللبنانيين ضحية جراء ذلك»، موضحة أنه «من ناحية الشكل فإنه سيكون مشابها للجلسات التي عقدت في واشنطن وروما وأن الجنرال جوزف كليرفيلد من المرجح أن يترأس الجانب الأميركي».
وفي موازاة ذلك، كان الرئيس جوزاف عون يشرف مباشرة على متابعة الواقع الأمني وتحصينه بإزاء أي إخلال داخلي كما على استكمال التحقيقات في ملف المتفجرات.
اجتماع أمني
وفي هذا الإطار ترأس عون اجتماعاً أمنياً في حضور كل قادة الأجهزة، أكد خلاله «ضرورة التشدد في تطبيق القوانين، ومنع المظاهر المسلحة، ومصادرة الأسلحة والذخائر، والإسراع في التحقيقات، وإحالة المخالفين على القضاء المختص لإجراء اللازم». كما شدد على «أن المرحلة الراهنة تتطلب متابعة دقيقة للأوضاع واعتماد الإجراءات الاستباقية الضرورية، إضافة إلى قطع الطريق على أي استغلال للشأن الاقتصادي لتحويله إلى إخلال بالأمن».
وأضاف: «لا يجوز التهاون مع أيّ محاولة للإخلال بالأمن أو المساس باستقرار البلاد، والمرحلة الراهنة تتطلّب أعلى درجات الجهوزية والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتبادلاً مستمراً للمعلومات وتقييماً دقيقاً للتطورات، بعيداً عن أي ازدواجية في الأدوار أو تضارب في الصلاحيات».
وطلب «تعزيز وجود قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة في القرى والبلدات الجنوبية غير الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، لتوفير الطمأنينة للأهالي وتسهيل الخدمات الإدارية لهم»، منوّهاً بعمل الجيش والقوى الأمنية وبجهوزيتها وسرعة تحرّكها وفعاليتها في كشف الجرائم ومرتكبيها وملاحقتهم وتوقيفهم.
وقبْلها بحث رئيس الجمهورية مع وزير الداخلية أحمد الحجار الوضع الأمني في البلاد، حيث تم «استعراض التدابير التي تتخذها المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، لتعزيز الانتشار الأمني والدوريات في مختلف المناطق، لا سيما في العاصمة بيروت. كما تم التشديد على اتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة من قبل الأجهزة الأمنية المعنية لمنع حصول أيّ تهديدات للأمن الداخلي، وفق ما تقرر في مجلس الأمن الداخلي المركزي في جلسته الأخيرة الأسبوع الماضي».
وفي حين برز لقاءٌ جَمَعَ مستشار رئيس الجمهورية أندريه رحال بالرئيس نبيه بري في عين التينة تم ربْطه بالمفاوضات المباشرة اليوم، فإن تشدُّد الدولة في الملف الأمني بكلّيته وفي قضية الشحنة ترافق مع تقارير صحافية تحدّثت عن رصْد نقل عناصر من «حزب الله» من الجنوب إلى الضاحية الجنوبية وبيروت.
وعلى وقع تسريب مناخات عن أن «حزب الله» انتقل الى مرحلة «انتهى زَمَنَ السكوت»، لاحت طلائع»7 مايو سياسي «حتى الساعة، أطلق معه الحزب «حرباً مع وقف التنفيذ» ضد الدولة ورموزها ولا سيما الرئيسي عون وسلام من دون تَسميتهما، بما يؤشر إلى أن«المطاحنة»الداخلية تتجه لمزيدٍ من التأجّج.
وقد أعلن رئيس كتلة حزب الله النائب محمد رعد أنّه «تتردّد في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، تصريحات وتغريدات متكرّرة تصدر عن مواقع مسؤولة وأخرى غير رسميّة، سقطت في فخّ التأييد والدّعم للتفاوض المباشر مع العدو الصهيوني، والإذعان لإملاءاته وشروطه الّتي تصادر السّيادة الوطنيّة وتُشرعن احتلاله للبنان، وتسخّر السّلطة اللّبنانيّة لخدمة أهدافه وسياساته، وتتلطّى خَلفَ حِرصٍ مُخادع على الاستقرار، وحصريّةٍ موجّهةٍ للسّلاح يشترطها الاحتلال».
وقال في تصريح: «بعض تلك التصريحات والتغريدات تتورّط في الإساءة إلى المقاومة التي هي شرف الوطن، في محاولة توهين دورها والتنكّر لإنجازاتها الوطنيّة، والطعن بشرعيّتها وضرورتها، والتطاول على أفرادها وبيئتها، امتثالًا لتوجيهات الأميركيّين»، وتوجّه إلى «مطلقي هذه التصريحات والتغريدات الفتنويّة المكابرة»:«إنّ المقاومة هي خيار الدّفاع الوطني الضروري والمشروع عن لبنان، وإنّ محاولات شيطنتها والإساءة إليها، هي جرم وطني وأخلاقي يدفع إليه تَصَهيُنٌ وافِدٌ، يلاقيه انقلابٌ وإسفاف وقح في تنصّل البعض من مضمون وثيقة الوفاق الوطني، ومحاباة لقوى خارجيّة تضغط على لبنان واللّبنانيّين للارتماء في أحضان العدو الصهيوني ورعاته ووكلائه، وتَسوقُهُم إلى تجاوز متعمّد للدّستور والقوانين اللّبنانيّة المرعيّة الإجراء».
وإذ اعتبر النّائب علي فياض أنّ «طريقة ومضمون كلام وزير الخارجيّة الأميركي مع رئيس الجمهوريّة، يعكسان بوضوح درجة الانسحاق الّتي بلغها المسؤولون اللّبنانيّون في ارتهانهم للخارج»، محذراً من أن «سياسة السلطة ستجلب الخراب إلى البلد»، قال النائب ابراهيم الموسوي إنّ «أهل السّلطة ليسوا فقط فاقدين للأهليّة الوطنيّة فحسب، وإنّما فاقدين للأهليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة».
«نَفَق الذهب» شمال بيروت؟
انشغل لبنان اليوم الاثنين، بنفق تم اكتشافه شمال – شرق بيروت داخل حرش صنوبر يقع بين منطقتَي الفنار والزعيترية، محاذٍ لمنطقة الرويسات التي تخضع لنفوذ «حزب الله».
واكتشف عناصر من شرطة بلدية الفنار النفق وأبلغوا الجيش اللبناني بأمره، فحضرت عناصر من المخابرات إلى الموقع وكشف عناصر من فوج الهندسة عليه، وسط بلبلة كبيرة أحدثها وخشية من أن يكون ذات طبيعة أمنية أو عسكرية.
وأوضحت قيادة الجيش في بيان لها أنه «بتاريخ 19 اكتوبر أجرت وحدات مختصّة من الجيش كشفاً على النفق الذي عُثر عليه في منطقة الفنار – المتن الشمالي، وتَبيّن أنّ طوله الإجمالي يبلغ نحو 13 متراً (5 أمتار عموديًّا و8 أمتار أفقيًّا)، وأنّه لا يحتوي على أي أسلحة أو عتاد عسكري. وقد ضُبطت داخله عدة حفر فردية، كما أوقِف أحد المشتبه فيهم بالمشاركة في حَفره. وتجري متابعة التحقيق لتحديد وجهة استعماله».
من جهته، قال رئيس بلدية الفنار ميشال سلامة: «استخبارات الجيش ابلغتنا بأن النفق ليس لأغراض أمنية انما بحثاً عن الذهب وسنعمل على قفْله».










