فرنسا جديدة على الأبواب… هل تسقط الجمهورية الخامسة؟

اهتزّت «القارة العجوز»، والشرارة من فرنسا، حيث اجتاحت أعمال السرقة والتخريب وإضرام النيران في المؤسسات العامة شوارعها. والمشهد في الساحات ليس مجرّد مؤشر إلى أنّ فرنسا ستشهد تغييرات، بل إنّ هذه التغييرات بدأت بالفعل، وما نشهده اليوم ليس سوى أولى مظاهرها. فالدولة التي تعاقبت عليها خمس جمهوريات منذ الثورة الفرنسية عام 1789، تطرق الجمهورية السادسة أبوابها.
لطالما تغنّت فرنسا بشعار «حرية، مساواة، أخوّة»، وجدّدت دستورها وعدّلته 15 مرّة، بما أتاح لها مواكبة تطوّرات المجتمع وتطلّعاته. وكان آخر فصول التغيير عام 1958، حين اشترط الجنرال شارل ديغول عودته إلى السلطة بإجراء تعديلات دستورية عميقة أعادت تنظيم العلاقة بين السلطات وعزّزت مكانة رئيس الجمهورية، الذي بات يُنتخب بالاقتراع العام المباشر، فأصبحت الرئاسة مركز الثقل في السلطة التنفيذية، بعدما كان البرلمان الفرنسي يتمتّع بنفوذ أكبر. ومنذ ذلك الحين، تعاقب على الرئاسة ثمانية رؤساء، تنوّعوا بين اليمين واليسار والوسط.
اتّسمت الجمهورية الخامسة بالاستقرار مقارنةً بالجمهوريات التي سبقتها، إلّا أنّ نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة في تموز 2024 دفعت كثيرين إلى الحديث عن بداية نهاية هذه الجمهورية. ولم تمضِ سنتان حتى انفجر الشارع تحت ضغط تراجع القدرة الشرائية، وغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الطاقة، وأزمة السكن، وتراجع التقديمات الاجتماعية، وتردّي الخدمات التعليمية في المدارس والجامعات، وارتفاع معدلات البطالة.
وتحوّلت التظاهرات السلمية المطالبة بتحسين الظروف المعيشية إلى أعمال شغب، في مشهد تسعى الأحزاب إلى استثماره سياسيًّا، قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. وفي المحصّلة، نُهب أكثر من 3,000 متجر، وأُوقف أكثر من 2,500 شخص، وأُصيب نحو 1,000 عنصر أمني، فيما أُحرقت مبانٍ حكومية، أبرزها مبنى بلدية ليموج. وقدّرت الخسائر بنحو مليار يورو في يوم واحد.
وفي حديث لموقع MTV، رأى الكاتب والخبير في الشؤون الدولية سمير سكاف أنّ ما أوصل فرنسا إلى هذا الدرك هو سوء الإدارة واتّخاذ قرارات خاطئة، بدءًا من تأييد فرنسا وأوروبا لأوكرانيا في حربها ضدّ روسيا، وتقديم الأموال والعتاد لها، وصولًا إلى الابتعاد عن الغاز الروسي، ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وحجم التقديمات الاجتماعية.
وأضاف أنّه لا يمكن إغفال سياسة الانفتاح على المهاجرين، ولا سيّما القادمين من القارة الأفريقية، معتبرًا أنّ الجيل الأخير منهم لم يندمج في النسيج الفرنسي كما فعلت الأجيال السابقة.
وأشار سكاف إلى أنّ فرنسا ستحتاج، في العام المقبل، إلى ميزانية لا تقلّ عن 340 مليار يورو لتسيير شؤون الدولة، منها 190 مليار يورو لتسديد استحقاقات الديون. وفي هذا السياق، قال: «بلغ الدين العام في فرنسا رقمًا مقلقًا، إذ وصل إلى نحو 4 تريليونات دولار، وهي تحتاج إلى ما لا يقلّ عن 50 سنة لمعالجة هذا الدين، الذي أدّى إلى كوارث في الميزانية السنوية للبلاد».
وانغمست الإدارة الفرنسية والأحزاب التقليدية في محاولات استقطاب الأصوات الانتخابية، فغيّرت بعض الأحزاب مبادئها بهدف استرضاء الناخبين وتوسيع قاعدتها الشعبية وزيادة عدد مؤيّديها، الأمر الذي أفقدها جزءًا كبيرًا من مكانتها. كذلك، خسرت فرنسا بعضًا من أصدقائها نتيجة خياراتها السياسية في ملفات عدّة.
وتوقّعت الشرطة الفرنسية نزول 110 آلاف متظاهر إلى الشوارع، في مقابل 5,000 مخرب، لكنّ وزارة الداخلية أفادت بأنّ عدد المشاركين بلغ 550 ألفًا، فيما وصل عدد المخربين إلى 30 ألفًا، في حين تداول المتظاهرون تقديرات تحدّثت عن 800 ألف مشارك.
وتوقّف سكاف عند طبيعة المشاركين في التحركات الفرنسية، قائلًا: «هناك أمر مهم يجب التوقّف عنده، وهو أنّ فرنسا تركت المجال أمام مخربين لتنظيم عصابات تحت أنظار القضاء والشرطة، التي عجزت عن الوقوف في وجههم ومجابهتهم خلال التظاهرات».
وإلى جانب هذه التحوّلات، أظهرت استطلاعات الرأي المتعلّقة بالانتخابات الرئاسية أنّ 70 في المئة من الشباب الفرنسي الذين تراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة سيصوّتون إمّا لأقصى اليمين وإمّا لأقصى اليسار.
ولفت سكاف إلى أنّه «إذا استمرّت الأمور على ما هي عليه اليوم، فإنّ الطرفين المتشدّدين، اليمين واليسار، سيتواجهان في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وعندها سيصل أحدهما إلى السلطة، ما سينعكس تغييرًا كبيرًا في المشهد السياسي الفرنسي الذي اعتدنا عليه في السنوات الماضية».
إنّ الأزمة المالية التي تعيشها فرنسا أكبر من أن يتمكّن أي رئيس، أيًّا كان انتماؤه السياسي، من حلّها بمفرده. وما يحصل اليوم، وما قد يليه، لا يعني بالضرورة أنّ فرنسا ستضع دستورًا جديدًا أو تعتمد نظامًا جديدًا للحكم، أقله في المدى المنظور، لكنّها ستعيش حتمًا مرحلة مختلفة في إدارة شؤون البلاد ومقاربة الملفات الداخلية والخارجية.
فرنسا جديدة على الأبواب… هل تسقط الجمهورية الخامسة؟

اهتزّت «القارة العجوز»، والشرارة من فرنسا، حيث اجتاحت أعمال السرقة والتخريب وإضرام النيران في المؤسسات العامة شوارعها. والمشهد في الساحات ليس مجرّد مؤشر إلى أنّ فرنسا ستشهد تغييرات، بل إنّ هذه التغييرات بدأت بالفعل، وما نشهده اليوم ليس سوى أولى مظاهرها. فالدولة التي تعاقبت عليها خمس جمهوريات منذ الثورة الفرنسية عام 1789، تطرق الجمهورية السادسة أبوابها.
لطالما تغنّت فرنسا بشعار «حرية، مساواة، أخوّة»، وجدّدت دستورها وعدّلته 15 مرّة، بما أتاح لها مواكبة تطوّرات المجتمع وتطلّعاته. وكان آخر فصول التغيير عام 1958، حين اشترط الجنرال شارل ديغول عودته إلى السلطة بإجراء تعديلات دستورية عميقة أعادت تنظيم العلاقة بين السلطات وعزّزت مكانة رئيس الجمهورية، الذي بات يُنتخب بالاقتراع العام المباشر، فأصبحت الرئاسة مركز الثقل في السلطة التنفيذية، بعدما كان البرلمان الفرنسي يتمتّع بنفوذ أكبر. ومنذ ذلك الحين، تعاقب على الرئاسة ثمانية رؤساء، تنوّعوا بين اليمين واليسار والوسط.
اتّسمت الجمهورية الخامسة بالاستقرار مقارنةً بالجمهوريات التي سبقتها، إلّا أنّ نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة في تموز 2024 دفعت كثيرين إلى الحديث عن بداية نهاية هذه الجمهورية. ولم تمضِ سنتان حتى انفجر الشارع تحت ضغط تراجع القدرة الشرائية، وغلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الطاقة، وأزمة السكن، وتراجع التقديمات الاجتماعية، وتردّي الخدمات التعليمية في المدارس والجامعات، وارتفاع معدلات البطالة.
وتحوّلت التظاهرات السلمية المطالبة بتحسين الظروف المعيشية إلى أعمال شغب، في مشهد تسعى الأحزاب إلى استثماره سياسيًّا، قبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية. وفي المحصّلة، نُهب أكثر من 3,000 متجر، وأُوقف أكثر من 2,500 شخص، وأُصيب نحو 1,000 عنصر أمني، فيما أُحرقت مبانٍ حكومية، أبرزها مبنى بلدية ليموج. وقدّرت الخسائر بنحو مليار يورو في يوم واحد.
وفي حديث لموقع MTV، رأى الكاتب والخبير في الشؤون الدولية سمير سكاف أنّ ما أوصل فرنسا إلى هذا الدرك هو سوء الإدارة واتّخاذ قرارات خاطئة، بدءًا من تأييد فرنسا وأوروبا لأوكرانيا في حربها ضدّ روسيا، وتقديم الأموال والعتاد لها، وصولًا إلى الابتعاد عن الغاز الروسي، ما أدّى إلى ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وحجم التقديمات الاجتماعية.
وأضاف أنّه لا يمكن إغفال سياسة الانفتاح على المهاجرين، ولا سيّما القادمين من القارة الأفريقية، معتبرًا أنّ الجيل الأخير منهم لم يندمج في النسيج الفرنسي كما فعلت الأجيال السابقة.
وأشار سكاف إلى أنّ فرنسا ستحتاج، في العام المقبل، إلى ميزانية لا تقلّ عن 340 مليار يورو لتسيير شؤون الدولة، منها 190 مليار يورو لتسديد استحقاقات الديون. وفي هذا السياق، قال: «بلغ الدين العام في فرنسا رقمًا مقلقًا، إذ وصل إلى نحو 4 تريليونات دولار، وهي تحتاج إلى ما لا يقلّ عن 50 سنة لمعالجة هذا الدين، الذي أدّى إلى كوارث في الميزانية السنوية للبلاد».
وانغمست الإدارة الفرنسية والأحزاب التقليدية في محاولات استقطاب الأصوات الانتخابية، فغيّرت بعض الأحزاب مبادئها بهدف استرضاء الناخبين وتوسيع قاعدتها الشعبية وزيادة عدد مؤيّديها، الأمر الذي أفقدها جزءًا كبيرًا من مكانتها. كذلك، خسرت فرنسا بعضًا من أصدقائها نتيجة خياراتها السياسية في ملفات عدّة.
وتوقّعت الشرطة الفرنسية نزول 110 آلاف متظاهر إلى الشوارع، في مقابل 5,000 مخرب، لكنّ وزارة الداخلية أفادت بأنّ عدد المشاركين بلغ 550 ألفًا، فيما وصل عدد المخربين إلى 30 ألفًا، في حين تداول المتظاهرون تقديرات تحدّثت عن 800 ألف مشارك.
وتوقّف سكاف عند طبيعة المشاركين في التحركات الفرنسية، قائلًا: «هناك أمر مهم يجب التوقّف عنده، وهو أنّ فرنسا تركت المجال أمام مخربين لتنظيم عصابات تحت أنظار القضاء والشرطة، التي عجزت عن الوقوف في وجههم ومجابهتهم خلال التظاهرات».
وإلى جانب هذه التحوّلات، أظهرت استطلاعات الرأي المتعلّقة بالانتخابات الرئاسية أنّ 70 في المئة من الشباب الفرنسي الذين تراوح أعمارهم بين 18 و25 سنة سيصوّتون إمّا لأقصى اليمين وإمّا لأقصى اليسار.
ولفت سكاف إلى أنّه «إذا استمرّت الأمور على ما هي عليه اليوم، فإنّ الطرفين المتشدّدين، اليمين واليسار، سيتواجهان في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وعندها سيصل أحدهما إلى السلطة، ما سينعكس تغييرًا كبيرًا في المشهد السياسي الفرنسي الذي اعتدنا عليه في السنوات الماضية».
إنّ الأزمة المالية التي تعيشها فرنسا أكبر من أن يتمكّن أي رئيس، أيًّا كان انتماؤه السياسي، من حلّها بمفرده. وما يحصل اليوم، وما قد يليه، لا يعني بالضرورة أنّ فرنسا ستضع دستورًا جديدًا أو تعتمد نظامًا جديدًا للحكم، أقله في المدى المنظور، لكنّها ستعيش حتمًا مرحلة مختلفة في إدارة شؤون البلاد ومقاربة الملفات الداخلية والخارجية.







