عون يطعن لتصويب “إصلاح المصارف” ومعارضوه يطعنون بصلاحياته

لا يتعب معارضو رئيس الجمهورية جوزاف عون من التصويب عليه ليل نهار، ومن دون مناقشة ما يقوم به في العمق، فهم بمعظمهم من أصحاب الأجندات، وعليهم تطبيق ما يُطلب منهم. معارضو الرئيس ليسوا جميعهم من فريق “حزب الله”، بل أكثريتهم من هذا الفريق، لكن هناك بعض الحاقدين من فريق من يدّعون السيادة. الحدث اليوم هو قبول المجلس الدستوري بالإجماع الطعن الذي قدّمه عون في القانون رقم 71/2026، المعدِّل لقانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها. فالمجلس الدستوري أبطل المادة الثالثة من التعديلات لعدم حصولها على الأكثرية المطلوبة في مجلس النواب، كما أبطل عبارتين في المادتين 19 و27 تتعلّقان بمنع السفر والحصانة من الملاحقات القضائية لموظفي المصارف. وبقيت المادة الثالثة من القانون الأصلي رقم 23/2025 نافذة، بما تتضمّنه من إحالة إلى قانون النقد والتسليف.
هذه الخطوة، التي تحافظ على صلاحيات حاكم مصرف لبنان، بغضّ النظر عن اسمه، لم تأتِ على حساب الهيئة المصرفية العليا. فهناك من لا يميّز بين سلوكيات حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في ممارسة صلاحياته، وبين قانون النقد والتسليف نفسه. فالقانون جيد في جوهره، ولا يجوز الخلط بين فعالية القانون وطريقة تطبيقه من قبل الأشخاص الذين يتولّون المسؤولية.
ولمن لا يعرف، فإن المجلس المركزي لمصرف لبنان لا يتكوّن من الحاكم وحده، بل يضم أيضًا نواب الحاكم ومفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان، إلى جانب ممثلين عن الإدارات والوزارات المعنية. وبالتالي، فإن القانون لا يقوم على مبدأ الحكم الفردي أو الديكتاتورية، بل يحدّد إطارًا مؤسساتيًا يُفترض أن يتيح الرقابة والمشاركة في اتخاذ القرارات.
وعندما تكون الدولة في أزمة وتطلب برنامجًا تمويليًا، فإن الصندوق يضع شروطًا ويتابع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، بما يضمن سلامة البرنامج وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية. لكن ذلك لا يعني أن صندوق النقد يمتلك سلطة تشريعية داخل لبنان، أو أن ملاحظاته يجب أن تتحوّل تلقائيًا إلى قوانين نافذة. فقد سبق أن أبدى الصندوق ملاحظات على قوانين أقرّتها السلطتان التنفيذية والتشريعية، من دون أن تؤدي تلك الملاحظات بالضرورة إلى تعديلها.
فصندوق النقد أراد تصحيح تحكّم الحاكم بالقرارات الإصلاحية، وهو لم يُبدِ أي توجّس من الحاكم الحالي كريم سعيد. وبالتالي، ما قام به عون، من خلال المجلس الدستوري، هو إعادة تصويب البوصلة، فلا نضرب دور الحاكم ولا نطلق يده.
هذا في المضمون، وفي أهمية خطوة عون من الناحية الدستورية والقانونية، لما فيه مصلحة اللبنانيين وخزينة الدولة. أما في الشكل، فعون يمارس صلاحياته الدستورية، ويؤكد أن اتفاق الطائف لم يجرّد الرئيس من الصلاحيات. فصحيح أن الرئيس لم يعد الحاكم المطلق، لكنه قادر على إمساك السلطة والمبادرة وتصويب الأخطاء ولفت الانتباه، بالإضافة إلى حماية الحقوق، ومن ضمنها حقوق حاكمية مصرف لبنان ودورها التاريخي.
ولأن لجوزاف عون هيبة رئيس وموقف رئيس، فإن استعماله لصلاحياته الدستورية فضح أسلافه في بعبدا بعد الطائف، الذين لم يستعملوا العديد من صلاحياتهم الدستورية، في وقت تباكوا فيه على غياب الصلاحيات.
وهنا نسأل: ألا تطالبون، حضراتكم يا من تنتقدون الرئيس، بأن يمارس صلاحياته؟ فما إن يمارسها حتى تنتقدونه لأنه مارس صلاحياته؟ صوّبوا، إذا استطعتم، على المجلس الدستوري، فهو من بتّ بالطعن.
ولكي تعرفوا عون أكثر، وأنتم مجبرون على التعامل معه لأربع سنوات مقبلة، فإن الضجيج الإعلامي لا يؤتي ثماره مع بعبدا. فالرئيس، وعلى الرغم من الحملات على رجل الأعمال الشيعي رضا الجفال، استقبله في بعبدا، غير آبه بأي موقف تشهيري، معتبرًا أن الجفال رجل أعمال لبناني ولا يجوز التصويب عليه.
الأمر نفسه في قانونَي الإعلام والعفو العام، فالرئيس لم يرضخ لأي ضغط إعلامي، ولم يقم إلا بما يمليه عليه واجبه الوطني وضميره، ضمن صلاحياته وتحت سقف القانون.
والآن، على الجميع الإسراع في تطبيق القوانين وإقرار ما تبقّى، رأفةً بالمودعين، لأن أي تأخير إضافي في إقرار القوانين الإصلاحية سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتأخير الحلول التي ينتظرها المودعون.
فنحن أمام مسار تشريعي مترابط، يبدأ باستكمال الإصلاحات المتعلقة بإعادة هيكلة المصارف، ويرتبط بإقرار قانون الفجوة المالية، الذي، وبحسب معلومات “نداء الوطن”، لن يُقرّ قبل 6 إلى 7 أشهر، وقد ألمح إلى ذلك الحاكم سعيد شخصيًا. ومن المفترض أن يحدّد قانون الفجوة المالية كيفية توزيع الخسائر ومعالجة الالتزامات المالية وتحديد مصير الودائع.
وحتى تلك الساعة، على الجميع العمل مع عون وسعيد والمعنيين جميعًا لحلّ المشكلة المالية المستعصية في لبنان، لأن التطورات الأمنية والسياسية وتسارعها قد تعيق إنجاز الكثير. فخير البرّ عاجله، أما التلهّي بتراشق من هنا واتهامات من هناك، فلن يؤتي ثماره، وسيدفع المودعون ثمنًا إضافيًا، واللبنانيون جميعًا أثمانًا باهظة.
عون يطعن لتصويب “إصلاح المصارف” ومعارضوه يطعنون بصلاحياته

لا يتعب معارضو رئيس الجمهورية جوزاف عون من التصويب عليه ليل نهار، ومن دون مناقشة ما يقوم به في العمق، فهم بمعظمهم من أصحاب الأجندات، وعليهم تطبيق ما يُطلب منهم. معارضو الرئيس ليسوا جميعهم من فريق “حزب الله”، بل أكثريتهم من هذا الفريق، لكن هناك بعض الحاقدين من فريق من يدّعون السيادة. الحدث اليوم هو قبول المجلس الدستوري بالإجماع الطعن الذي قدّمه عون في القانون رقم 71/2026، المعدِّل لقانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها. فالمجلس الدستوري أبطل المادة الثالثة من التعديلات لعدم حصولها على الأكثرية المطلوبة في مجلس النواب، كما أبطل عبارتين في المادتين 19 و27 تتعلّقان بمنع السفر والحصانة من الملاحقات القضائية لموظفي المصارف. وبقيت المادة الثالثة من القانون الأصلي رقم 23/2025 نافذة، بما تتضمّنه من إحالة إلى قانون النقد والتسليف.
هذه الخطوة، التي تحافظ على صلاحيات حاكم مصرف لبنان، بغضّ النظر عن اسمه، لم تأتِ على حساب الهيئة المصرفية العليا. فهناك من لا يميّز بين سلوكيات حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة في ممارسة صلاحياته، وبين قانون النقد والتسليف نفسه. فالقانون جيد في جوهره، ولا يجوز الخلط بين فعالية القانون وطريقة تطبيقه من قبل الأشخاص الذين يتولّون المسؤولية.
ولمن لا يعرف، فإن المجلس المركزي لمصرف لبنان لا يتكوّن من الحاكم وحده، بل يضم أيضًا نواب الحاكم ومفوّض الحكومة لدى مصرف لبنان، إلى جانب ممثلين عن الإدارات والوزارات المعنية. وبالتالي، فإن القانون لا يقوم على مبدأ الحكم الفردي أو الديكتاتورية، بل يحدّد إطارًا مؤسساتيًا يُفترض أن يتيح الرقابة والمشاركة في اتخاذ القرارات.
وعندما تكون الدولة في أزمة وتطلب برنامجًا تمويليًا، فإن الصندوق يضع شروطًا ويتابع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، بما يضمن سلامة البرنامج وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية. لكن ذلك لا يعني أن صندوق النقد يمتلك سلطة تشريعية داخل لبنان، أو أن ملاحظاته يجب أن تتحوّل تلقائيًا إلى قوانين نافذة. فقد سبق أن أبدى الصندوق ملاحظات على قوانين أقرّتها السلطتان التنفيذية والتشريعية، من دون أن تؤدي تلك الملاحظات بالضرورة إلى تعديلها.
فصندوق النقد أراد تصحيح تحكّم الحاكم بالقرارات الإصلاحية، وهو لم يُبدِ أي توجّس من الحاكم الحالي كريم سعيد. وبالتالي، ما قام به عون، من خلال المجلس الدستوري، هو إعادة تصويب البوصلة، فلا نضرب دور الحاكم ولا نطلق يده.
هذا في المضمون، وفي أهمية خطوة عون من الناحية الدستورية والقانونية، لما فيه مصلحة اللبنانيين وخزينة الدولة. أما في الشكل، فعون يمارس صلاحياته الدستورية، ويؤكد أن اتفاق الطائف لم يجرّد الرئيس من الصلاحيات. فصحيح أن الرئيس لم يعد الحاكم المطلق، لكنه قادر على إمساك السلطة والمبادرة وتصويب الأخطاء ولفت الانتباه، بالإضافة إلى حماية الحقوق، ومن ضمنها حقوق حاكمية مصرف لبنان ودورها التاريخي.
ولأن لجوزاف عون هيبة رئيس وموقف رئيس، فإن استعماله لصلاحياته الدستورية فضح أسلافه في بعبدا بعد الطائف، الذين لم يستعملوا العديد من صلاحياتهم الدستورية، في وقت تباكوا فيه على غياب الصلاحيات.
وهنا نسأل: ألا تطالبون، حضراتكم يا من تنتقدون الرئيس، بأن يمارس صلاحياته؟ فما إن يمارسها حتى تنتقدونه لأنه مارس صلاحياته؟ صوّبوا، إذا استطعتم، على المجلس الدستوري، فهو من بتّ بالطعن.
ولكي تعرفوا عون أكثر، وأنتم مجبرون على التعامل معه لأربع سنوات مقبلة، فإن الضجيج الإعلامي لا يؤتي ثماره مع بعبدا. فالرئيس، وعلى الرغم من الحملات على رجل الأعمال الشيعي رضا الجفال، استقبله في بعبدا، غير آبه بأي موقف تشهيري، معتبرًا أن الجفال رجل أعمال لبناني ولا يجوز التصويب عليه.
الأمر نفسه في قانونَي الإعلام والعفو العام، فالرئيس لم يرضخ لأي ضغط إعلامي، ولم يقم إلا بما يمليه عليه واجبه الوطني وضميره، ضمن صلاحياته وتحت سقف القانون.
والآن، على الجميع الإسراع في تطبيق القوانين وإقرار ما تبقّى، رأفةً بالمودعين، لأن أي تأخير إضافي في إقرار القوانين الإصلاحية سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتأخير الحلول التي ينتظرها المودعون.
فنحن أمام مسار تشريعي مترابط، يبدأ باستكمال الإصلاحات المتعلقة بإعادة هيكلة المصارف، ويرتبط بإقرار قانون الفجوة المالية، الذي، وبحسب معلومات “نداء الوطن”، لن يُقرّ قبل 6 إلى 7 أشهر، وقد ألمح إلى ذلك الحاكم سعيد شخصيًا. ومن المفترض أن يحدّد قانون الفجوة المالية كيفية توزيع الخسائر ومعالجة الالتزامات المالية وتحديد مصير الودائع.
وحتى تلك الساعة، على الجميع العمل مع عون وسعيد والمعنيين جميعًا لحلّ المشكلة المالية المستعصية في لبنان، لأن التطورات الأمنية والسياسية وتسارعها قد تعيق إنجاز الكثير. فخير البرّ عاجله، أما التلهّي بتراشق من هنا واتهامات من هناك، فلن يؤتي ثماره، وسيدفع المودعون ثمنًا إضافيًا، واللبنانيون جميعًا أثمانًا باهظة.









