تدويل “ناعم” لنزع السلاح

تقف الدولة اللبنانية في أسوأ مواقع الانكشاف التاريخي، فيما واشنطن تُبلغ الوفد اللبناني في تامبا أنّ وقت الكلام انتهى، وأنّ قبول مسودة “لجنة التحقق” هو الممر الأخير لتفادي الأسوأ
بدفعة واحدة، أسقطت الدبلوماسية الأميركية الهادئة أقنعتها، في أروقة القيادة المركزية “سنتكوم” في تامبا، حيث وضع الجنرال جوزيف كليرفيلد، رئيس لجنة المراقبة، تقريراً قاسياً على الطاولة، يبدو في الظاهر وكأنه يرمي بالمسؤولية عن تعثر تنفيذ الاتفاق الإطاري على لبنان وإسرائيل، على حد سواء، لكنه في الواقع يقيم مقصلة سياسية وأمنية شاملة في وجه الدولة اللبنانية.
فقد حذرت واشنطن علناً من “نفاد صبرها” إزاء ما تعتبره تسويفاً لبنانياً في نزع سلاح “حزب الله”. وهي لذلك وجهت رسائل حازمة إلى أركان الحكم، بعد حادثة ضهر البيدر وما تلاها، مفادها أنّ زمن الركون وراء اللون الرمادي قد انتهى، وأنّ على لبنان أن يطلق المسار جدياً لنزع السلاح وتفكيك بنية “حزب الله” العسكرية والأمنية والمالية.
ولا يمكن في أي شكل عزل الموقف الأميركي عن سياق الاندفاعة الصريحة التي أظهرها الرئيس دونالد ترامب، بدعمه المطلق لبنيامين نتنياهو في الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، وتأكيد شراكتهما على مستوى الشرق الأوسط، عسكرياً وسياسياً. وهذا الدعم يهدد بإبقاء بيروت وحيدة، ومجردة من أي غطاء على طاولة التفاوض، حيث ستطالَب إما بالتوقيع على ما يشبه الاستسلام، وإما بمواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تحظى بغطاء قاطع من البيت الأبيض.
وتُظهر مفاوضات فلوريدا أنّ ورقة كليرفيلد أصبحت المرجع الأساسي لمسار التحركات الأميركية المقبلة. وهي تتضمن خطة بتشكيل “لجنة عسكرية دولية” للتحقق من عملية نزع سلاح “الحزب” على يد الجيش اللبناني، لكن مهمتها تتجاوز فكرة “الإسناد اللوجستي” المعتاد، إذ تمنح لبنان مهلة زمنية محددة ليتولى عبر مؤسساته العسكرية والأمنية تنفيذ المهمات المطلوبة. وإدراج دول كبريطانيا وإيطاليا وألمانيا والأردن ضمن اللجنة، مقابل “الفيتو” الإسرائيلي الحازم على تركيا وباكستان، يعكس رغبة أميركية- إسرائيلية مشتركة في إنشاء مظلة دولية فاعلة مضادة لـ”الحزب”، تُشرف خطوة بخطوة على تجريده من سلاحه وتفكيك بنيته.
عملياً، تلك المهلة ستكون الأخيرة قبل الانفجار. ولذلك، الهدف المعلن أميركياً من الجولة الحالية، أي “إنعاش المفاوضات” بعد جمود دام شهرين ونصف الشهر، ينطوي على تحذير أخير لبيروت. فواشنطن تطالب لبنان بأن يقدم إليها الآلية التفصيلية التي سيلتزمها الجيش اللبناني لنزع السلاح، وتريدها واضحةً ومحددة بالأسماء والمهام.
ويبدو لبنان مجبراً على التوقف ملياً عند التحول السياسي الفاقع في واشنطن، حيث ألغى ترامب كل مسافات الحياد الدبلوماسي بإعلانه الحماسي عن التأييد التام لترشيح نتنياهو للانتخابات، واصفاً إياه بـ”الشريك المثالي” لإنجاز المهمة في الشرق الأوسط وإسقاط تهديدات إيران. وهذا التحالف العضوي بين البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية يضع لبنان في مهب معادلة دقيقة. فالولايات المتحدة تتوافق مع إسرائيل على اتهام الدولة اللبنانية، بغالبية مؤسساتها، بانتهاج سياسة المماطلة والتلكؤ في حسم ملف السلاح. وإذا ما قرر نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، ترجمة تهديداتهما الميدانية الأخيرة بالتوسع على الأرض وصولاً إلى الأولي وتدمير الجنوب والضاحية وتهجيرهما، فإنّ واشنطن لن تلعب دور الكابح، بل ستكون شريكة كاملة لإسرائيل وتغطي توسعها.
لذلك، تقف الدولة اللبنانية في أسوأ مواقع الانكشاف التاريخي، فيما واشنطن تُبلغ الوفد اللبناني في تامبا أنّ وقت الكلام انتهى، وأنّ قبول مسودة “لجنة التحقق” هو الممر الأخير لتفادي الأسوأ. ويفاقم المخاطر إصرار “حزب الله” على المكابرة، ولو زج البلد في أتون مواجهة إقليمية جديدة، متجاهلاً ما أفرزته موازين القوى حتى اليوم.
وفي الواقع، تبدو اجتماعات تامبا، برعاية “سنتكوم”، إنذار الساعات الأخيرة للبنان، بعدما حفرت واشنطن خندقها بالكامل إلى جانب نتنياهو، وأصبحت خطة كليرفيلد ورقة وحيدة على الطاولة. وإذا لم تتجرأ الدولة اللبنانية وتلتقط هذه اللحظة وتحسم ملف حصرية السلاح بجدية، فالآتي سيكون تنفيذاً إسرائيلياً-أميركياً مشتركاً لمعادلة التوسع الجغرافي، وفيه سيُكتب الفصل الأخير من ضياع الجنوب.
تدويل “ناعم” لنزع السلاح

تقف الدولة اللبنانية في أسوأ مواقع الانكشاف التاريخي، فيما واشنطن تُبلغ الوفد اللبناني في تامبا أنّ وقت الكلام انتهى، وأنّ قبول مسودة “لجنة التحقق” هو الممر الأخير لتفادي الأسوأ
بدفعة واحدة، أسقطت الدبلوماسية الأميركية الهادئة أقنعتها، في أروقة القيادة المركزية “سنتكوم” في تامبا، حيث وضع الجنرال جوزيف كليرفيلد، رئيس لجنة المراقبة، تقريراً قاسياً على الطاولة، يبدو في الظاهر وكأنه يرمي بالمسؤولية عن تعثر تنفيذ الاتفاق الإطاري على لبنان وإسرائيل، على حد سواء، لكنه في الواقع يقيم مقصلة سياسية وأمنية شاملة في وجه الدولة اللبنانية.
فقد حذرت واشنطن علناً من “نفاد صبرها” إزاء ما تعتبره تسويفاً لبنانياً في نزع سلاح “حزب الله”. وهي لذلك وجهت رسائل حازمة إلى أركان الحكم، بعد حادثة ضهر البيدر وما تلاها، مفادها أنّ زمن الركون وراء اللون الرمادي قد انتهى، وأنّ على لبنان أن يطلق المسار جدياً لنزع السلاح وتفكيك بنية “حزب الله” العسكرية والأمنية والمالية.
ولا يمكن في أي شكل عزل الموقف الأميركي عن سياق الاندفاعة الصريحة التي أظهرها الرئيس دونالد ترامب، بدعمه المطلق لبنيامين نتنياهو في الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، وتأكيد شراكتهما على مستوى الشرق الأوسط، عسكرياً وسياسياً. وهذا الدعم يهدد بإبقاء بيروت وحيدة، ومجردة من أي غطاء على طاولة التفاوض، حيث ستطالَب إما بالتوقيع على ما يشبه الاستسلام، وإما بمواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تحظى بغطاء قاطع من البيت الأبيض.
وتُظهر مفاوضات فلوريدا أنّ ورقة كليرفيلد أصبحت المرجع الأساسي لمسار التحركات الأميركية المقبلة. وهي تتضمن خطة بتشكيل “لجنة عسكرية دولية” للتحقق من عملية نزع سلاح “الحزب” على يد الجيش اللبناني، لكن مهمتها تتجاوز فكرة “الإسناد اللوجستي” المعتاد، إذ تمنح لبنان مهلة زمنية محددة ليتولى عبر مؤسساته العسكرية والأمنية تنفيذ المهمات المطلوبة. وإدراج دول كبريطانيا وإيطاليا وألمانيا والأردن ضمن اللجنة، مقابل “الفيتو” الإسرائيلي الحازم على تركيا وباكستان، يعكس رغبة أميركية- إسرائيلية مشتركة في إنشاء مظلة دولية فاعلة مضادة لـ”الحزب”، تُشرف خطوة بخطوة على تجريده من سلاحه وتفكيك بنيته.
عملياً، تلك المهلة ستكون الأخيرة قبل الانفجار. ولذلك، الهدف المعلن أميركياً من الجولة الحالية، أي “إنعاش المفاوضات” بعد جمود دام شهرين ونصف الشهر، ينطوي على تحذير أخير لبيروت. فواشنطن تطالب لبنان بأن يقدم إليها الآلية التفصيلية التي سيلتزمها الجيش اللبناني لنزع السلاح، وتريدها واضحةً ومحددة بالأسماء والمهام.
ويبدو لبنان مجبراً على التوقف ملياً عند التحول السياسي الفاقع في واشنطن، حيث ألغى ترامب كل مسافات الحياد الدبلوماسي بإعلانه الحماسي عن التأييد التام لترشيح نتنياهو للانتخابات، واصفاً إياه بـ”الشريك المثالي” لإنجاز المهمة في الشرق الأوسط وإسقاط تهديدات إيران. وهذا التحالف العضوي بين البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية يضع لبنان في مهب معادلة دقيقة. فالولايات المتحدة تتوافق مع إسرائيل على اتهام الدولة اللبنانية، بغالبية مؤسساتها، بانتهاج سياسة المماطلة والتلكؤ في حسم ملف السلاح. وإذا ما قرر نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس، ترجمة تهديداتهما الميدانية الأخيرة بالتوسع على الأرض وصولاً إلى الأولي وتدمير الجنوب والضاحية وتهجيرهما، فإنّ واشنطن لن تلعب دور الكابح، بل ستكون شريكة كاملة لإسرائيل وتغطي توسعها.
لذلك، تقف الدولة اللبنانية في أسوأ مواقع الانكشاف التاريخي، فيما واشنطن تُبلغ الوفد اللبناني في تامبا أنّ وقت الكلام انتهى، وأنّ قبول مسودة “لجنة التحقق” هو الممر الأخير لتفادي الأسوأ. ويفاقم المخاطر إصرار “حزب الله” على المكابرة، ولو زج البلد في أتون مواجهة إقليمية جديدة، متجاهلاً ما أفرزته موازين القوى حتى اليوم.
وفي الواقع، تبدو اجتماعات تامبا، برعاية “سنتكوم”، إنذار الساعات الأخيرة للبنان، بعدما حفرت واشنطن خندقها بالكامل إلى جانب نتنياهو، وأصبحت خطة كليرفيلد ورقة وحيدة على الطاولة. وإذا لم تتجرأ الدولة اللبنانية وتلتقط هذه اللحظة وتحسم ملف حصرية السلاح بجدية، فالآتي سيكون تنفيذاً إسرائيلياً-أميركياً مشتركاً لمعادلة التوسع الجغرافي، وفيه سيُكتب الفصل الأخير من ضياع الجنوب.










