إذا كانت الحكومة عاجزة عن “الصغائر”… فكيف ستواجه “الكبائر”؟

المشكلة ليست في أن تضع حكومة الرئيس نواف سلام قضية متفجرات ضهر البيدر على جدول أعمال مجلس الوزراء، بل في أن يتحول ملف أمني بهذه الخطورة إلى مادة سجال سياسي، فيما ينتظر اللبنانيون أجوبة واضحة عن مسار التحقيقات، والجهات المسؤولة، والخطوات التي ستتخذها الدولة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
أسئلة مشروعة، لأن قضية المتفجرات ليست تفصيلًا عابرًا، بل مسألة تمس أمن اللبنانيين وهيبة المؤسسات وحق الدولة في كشف حقيقة ما جرى ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون.
ليس المطلوب من الحكومة أن تقفز فوق الأصول القانونية، أو أن تتخذ قرارًا قضائيًا لإثبات قوتها السياسية. المطلوب أن تضع الرأي العام أمام الحقائق المتاحة، وأن توضح أين وصلت التحقيقات، وما الذي يحول دون الانتقال إلى الخطوات التالية، وما إذا كانت العقبات قانونية فعلية أم أن الحسابات السياسية تفرض إيقاعها على القرار الحكومي. وهنا تكمن المفارقة.
إذا كانت القرارات الكبرى، من حصر السلاح بيد الدولة إلى بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، تصطدم بتعقيدات داخلية وإقليمية، فهل يعني ذلك أن تتعطل أيضًا القرارات التي تدخل في صلب العمل اليومي للدولة؟
إن العجز عن حسم الملفات الكبرى لا يعفي الحكومة من مسؤولية اتخاذ ما تستطيع اتخاذه من خطوات قانونية وإدارية وأمنية ضمن صلاحياتها. فالدولة لا تستعيد هيبتها بالشعارات، ولا بمواجهات تُفتح ثم تُترك معلّقة، بل بإجراءات واضحة، وتحقيقات شفافة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، وقوانين تُطبّق على الجميع.
ولا يُشترط أن تبدأ استعادة هيبة الدولة بمواجهة مفتوحة مع أي طرف. يمكن أن تبدأ بمتابعة الملفات الأمنية والقضائية حتى نهايتها، وتفعيل الرقابة، ووضع حد للتجاوزات، وإقناع المواطنين بأن القانون ليس نصًا يُستحضر عندما يخدم الحسابات السياسية، ثم يُهمَل عندما ترتفع كلفة تطبيقه.
أما قضية متفجرات ضهر البيدر، فلا ينبغي أن تتحول إلى فصل إضافي في مسلسل التجاذبات. سواء أُحيل الملف إلى المجلس العدلي، في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، أم استُكمل أمام القضاء المختص وفقًا للأصول، فإن الأولوية تبقى لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، من دون استباق التحقيقات أو توظيفها في تصفية الحسابات السياسية.
لكن لماذا يتحول بحث ملف أمني إلى مشكلة داخل مجلس الوزراء، إذا كان الجميع يعلن أن أمن اللبنانيين فوق الاعتبارات السياسية؟ أليس من واجب الحكومة أن تبحث عن المساحات المشتركة التي تتيح لها التقدم، بدل أن تجعل كل قضية اختبارًا جديدًا للتوازنات الداخلية؟
لا يُطلب من حكومة نواف سلام أن تحل أزمات لبنان دفعة واحدة، ولا أن تدخل في مواجهات لا تستطيع تقدير نتائجها. المطلوب أن تثبت قدرتها على إدارة الملفات الواقعة ضمن صلاحياتها، وألا تسمح للخلافات السياسية بأن تصبح ذريعة لتعطيل المؤسسات.
فاللبنانيون لم يعودوا ينتظرون بيانات إضافية عن قوة الدولة، بل يريدون أن يلمسوا هذه القوة في حياتهم اليومية: في الأمن والقضاء والإدارة والخدمات، وفي قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار ومتابعة تنفيذه.
إذا كانت القرارات الكبرى تحتاج إلى ظروف استثنائية وتوافقات معقدة، فلا يجوز أن تبقى القرارات الأصغر رهينة الانتظار. فالدولة تُبنى بالإنجازات الكبرى، لكنها تترسخ أيضًا في التفاصيل اليومية، وفي احترام القانون والمساواة أمامه، وفي إثبات أن المؤسسات قادرة على الفعل لا على الكلام.
وإذا كانت حكومة نواف سلام لا تستطيع اليوم قطع الطريق كاملة نحو استعادة سلطة الدولة، فعليها أن تقطع المسافة التي تستطيعها. فليس مطلوبًا منها أن تحقق كل شيء دفعة واحدة، بل ألّا تجعل العجز عن تحقيق كل شيء مبررًا لعدم القيام بأي شيء.
فهيبة الدولة لا تُقاس بحجم القرارات التي تعلنها، بل بقدرتها على تنفيذ ما تقرره. وإذا تعذّر على الحكومة إنجاز المهمات الكبرى، فلتبدأ بالصغيرة؛ لأن الدولة التي تعجز عن تطبيق القانون في الملفات التي تستطيع معالجتها، كيف ستقنع اللبنانيين بأنها قادرة على فرضه في الملفات الأصعب؟
إذا كانت الحكومة عاجزة عن “الصغائر”… فكيف ستواجه “الكبائر”؟

المشكلة ليست في أن تضع حكومة الرئيس نواف سلام قضية متفجرات ضهر البيدر على جدول أعمال مجلس الوزراء، بل في أن يتحول ملف أمني بهذه الخطورة إلى مادة سجال سياسي، فيما ينتظر اللبنانيون أجوبة واضحة عن مسار التحقيقات، والجهات المسؤولة، والخطوات التي ستتخذها الدولة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث.
أسئلة مشروعة، لأن قضية المتفجرات ليست تفصيلًا عابرًا، بل مسألة تمس أمن اللبنانيين وهيبة المؤسسات وحق الدولة في كشف حقيقة ما جرى ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقًا للقانون.
ليس المطلوب من الحكومة أن تقفز فوق الأصول القانونية، أو أن تتخذ قرارًا قضائيًا لإثبات قوتها السياسية. المطلوب أن تضع الرأي العام أمام الحقائق المتاحة، وأن توضح أين وصلت التحقيقات، وما الذي يحول دون الانتقال إلى الخطوات التالية، وما إذا كانت العقبات قانونية فعلية أم أن الحسابات السياسية تفرض إيقاعها على القرار الحكومي. وهنا تكمن المفارقة.
إذا كانت القرارات الكبرى، من حصر السلاح بيد الدولة إلى بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، تصطدم بتعقيدات داخلية وإقليمية، فهل يعني ذلك أن تتعطل أيضًا القرارات التي تدخل في صلب العمل اليومي للدولة؟
إن العجز عن حسم الملفات الكبرى لا يعفي الحكومة من مسؤولية اتخاذ ما تستطيع اتخاذه من خطوات قانونية وإدارية وأمنية ضمن صلاحياتها. فالدولة لا تستعيد هيبتها بالشعارات، ولا بمواجهات تُفتح ثم تُترك معلّقة، بل بإجراءات واضحة، وتحقيقات شفافة، ومحاسبة لا تستثني أحدًا، وقوانين تُطبّق على الجميع.
ولا يُشترط أن تبدأ استعادة هيبة الدولة بمواجهة مفتوحة مع أي طرف. يمكن أن تبدأ بمتابعة الملفات الأمنية والقضائية حتى نهايتها، وتفعيل الرقابة، ووضع حد للتجاوزات، وإقناع المواطنين بأن القانون ليس نصًا يُستحضر عندما يخدم الحسابات السياسية، ثم يُهمَل عندما ترتفع كلفة تطبيقه.
أما قضية متفجرات ضهر البيدر، فلا ينبغي أن تتحول إلى فصل إضافي في مسلسل التجاذبات. سواء أُحيل الملف إلى المجلس العدلي، في الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء، أم استُكمل أمام القضاء المختص وفقًا للأصول، فإن الأولوية تبقى لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، من دون استباق التحقيقات أو توظيفها في تصفية الحسابات السياسية.
لكن لماذا يتحول بحث ملف أمني إلى مشكلة داخل مجلس الوزراء، إذا كان الجميع يعلن أن أمن اللبنانيين فوق الاعتبارات السياسية؟ أليس من واجب الحكومة أن تبحث عن المساحات المشتركة التي تتيح لها التقدم، بدل أن تجعل كل قضية اختبارًا جديدًا للتوازنات الداخلية؟
لا يُطلب من حكومة نواف سلام أن تحل أزمات لبنان دفعة واحدة، ولا أن تدخل في مواجهات لا تستطيع تقدير نتائجها. المطلوب أن تثبت قدرتها على إدارة الملفات الواقعة ضمن صلاحياتها، وألا تسمح للخلافات السياسية بأن تصبح ذريعة لتعطيل المؤسسات.
فاللبنانيون لم يعودوا ينتظرون بيانات إضافية عن قوة الدولة، بل يريدون أن يلمسوا هذه القوة في حياتهم اليومية: في الأمن والقضاء والإدارة والخدمات، وفي قدرة المؤسسات على اتخاذ القرار ومتابعة تنفيذه.
إذا كانت القرارات الكبرى تحتاج إلى ظروف استثنائية وتوافقات معقدة، فلا يجوز أن تبقى القرارات الأصغر رهينة الانتظار. فالدولة تُبنى بالإنجازات الكبرى، لكنها تترسخ أيضًا في التفاصيل اليومية، وفي احترام القانون والمساواة أمامه، وفي إثبات أن المؤسسات قادرة على الفعل لا على الكلام.
وإذا كانت حكومة نواف سلام لا تستطيع اليوم قطع الطريق كاملة نحو استعادة سلطة الدولة، فعليها أن تقطع المسافة التي تستطيعها. فليس مطلوبًا منها أن تحقق كل شيء دفعة واحدة، بل ألّا تجعل العجز عن تحقيق كل شيء مبررًا لعدم القيام بأي شيء.
فهيبة الدولة لا تُقاس بحجم القرارات التي تعلنها، بل بقدرتها على تنفيذ ما تقرره. وإذا تعذّر على الحكومة إنجاز المهمات الكبرى، فلتبدأ بالصغيرة؛ لأن الدولة التي تعجز عن تطبيق القانون في الملفات التي تستطيع معالجتها، كيف ستقنع اللبنانيين بأنها قادرة على فرضه في الملفات الأصعب؟









