خاص – حسابات الحرب الإقليمية أرجأت المواجهة في ملف “ضهر البيدر”

فيما كان مجلس الوزراء يبحث الخميس الماضي في طلب إحالة ملف شحنة المتفجّرات على المجلس العدلي، كانت نذُر الحرب تلوح من جديد في سماء المنطقة. وقد استوعب كلّ من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام مخاطر الوضع الإقليمي، وتوصّلا بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى إخراج أدّى إلى تأجيل المواجهة الداخلية حول الموضوع، ريثما تتّضح الصورة الإقليمية، ليُبنى على الشيء مقتضاه.
وشكّل الإخراج تنفيساً للاحتقان الداخلي، ولكن الموضوع بقي مفتوحاً وأُعطي بعض الوقت للبتّ في قرار الإحالة من عدمها. ووُضع هذا التأجيل تحت بند استكمال الملف من الناحية القانونية والإفساح في المجال أمام المزيد من التحقيقات.
وقد نسّق رئيس الجمهورية مع رئيس المجلس الصيغة التي دفعت إلى إرجاء البحث في موضوع الإحالة على المجلس العدلي، فيما تولّى رئيس الحكومة في كلمته رفع السقف، مشدّداً على ملاحقة القضية حتّى النهاية، ومؤكّداً الإصرار على حصر السلاح غير الشرعي.
في الخلاصة، فشلت الحكومة مرّة أخرى في المواجهة مع “الحزب”، وأظهرت أنّها غير قادرة على تنفيذ أيّ من قراراتها المتعلّقة بالسلاح وبفرض سلطة الدولة وحدها بلا شريك. وهي، بفشلها هذا، أكّدت للعالم، وللولايات المتّحدة خصوصاً، أنّه لا يمكن الاعتماد عليها وعلى الجيش في تنفيذ القرارات التي اتّخذها مجلس الوزراء والمتعلّقة بحصر السلاح، والتي يبدو أنّها ستبقى حبراً على ورق.
فرئيس الجمهورية والحكومة قرّرا عمليّاً ترك الحسم الداخلي برسم التطوّرات الإقليمية. وهما باتا على يقين من أنّ قدرتهما على التغيير محدودة، وأنّ التطوّرات اللبنانية ستكون انعكاساً لموازين القوى الخارجية. لذا، لن يكون من الحكمة القيام بأيّ خطوة ناقصة، فيما الصورة الإقليمية غير واضحة المعالم، ورياح الحرب تشتدّ من جديد، مع اتّساع التهديدات الإيرانية، والرغبة الإسرائيلية في توجيه ضربة موجعة لطهران، وانتظار الرئيس دونالد ترامب لما ستفضي إليه الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني المقبل.
ولكن التردّد اللبناني أمام الحسم في ملف متفجّرات ضهر البيدر سيقنع ترامب أكثر فأكثر بوجهة النظر الإسرائيلية القائلة بعدم جدّية الحكومة اللبنانية والجيش، وسيسمح لإسرائيل بالإيغال في سياساتها تجاه لبنان من دون أيّ رادع.
ومن هنا، فإنّ من الطبيعي أن تكون جولة المفاوضات التي انعقدت أخيراً في تامبا عقيمة، ما دام لبنان لا ينفّذ التزاماته بسحب السلاح وتفتيش البنى التحتية في المناطق التي ينتشر فيها. وسيبقى الوضع مجمّداً على المسار الدبلوماسي، في انتظار اتّضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية ومعرفة ما إذا كان بنيامين نتنياهو سيعود إلى رئاسة الحكومة أم لن يعود.
ولكن في كلا الحالتين، لن يكون هناك أيّ انسحاب إسرائيلي من المناطق الجنوبية المحتلّة. وفي حال فاز نتنياهو برئاسة الحكومة من جديد، فمن غير المستبعد أن يشنّ حرباً جديدة في لبنان يتوسّع خلالها في اتّجاه مناطق إضافية كمرتفعات جبل الريحان في منطقة جزّين، وهي المعقل الأخير لـ “الحزب” في هذا القطاع. كما أنّ نتنياهو ينوي شنّ ضربات على إيران، إذا ما أصبح طليق اليد، وأتت الموافقة الأميركية بعد الانتخابات النصفية. ولكن عدم فوز نتنياهو لا يعني أنّ الخطط ستتغيّر كثيراً، بل ربّما تغيّر التكتيك لا الاستراتيجية.
أمّا في الموضوع الإيراني، فيبدو أنّ التطوّرات تتوسّع إقليمياً، حيث لم يعد التصعيد محصوراً بين الأميركيين والإسرائيليين والإيرانيين. بل أدّت الاستهدافات الأخيرة للمطارات السعودية والمرافق المدنية والنفطية في المملكة إلى ارتفاع احتمالات حصول مواجهة إقليمية شاملة في حال لم يتمّ التوصّل إلى أيّ اتّفاق مع إيران.
وقد تلقّت طهران هذه الرسالة خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير. لذا بدأت بإطلاق التهديدات، وصولاً إلى التلويح باستهداف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكة الألياف الضوئية في مياه الخليج ومضيق هرمز، والتي تؤمّن الاتصال الرقمي لجزء أساسي من دول الشرق الأوسط.
ومع أنّ البيان الصادر بالأمس عن وزراء خارجية “المجموعة الرباعية”، التي تضمّ كلّاً من مصر والسعودية وتركيا وباكستان، قد دعا إلى حلّ النزاعات الإقليمية عبر “الحوار والدبلوماسية”، إلّا أنّه شدّد أيضاً على “ضرورة ضمان حريّة الملاحة البحرية واستئناف الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز”.
ومع تكتل هذه الدول الأربع، وإعلان مصر الاستعداد لتقديم الدعم للسعودية في حال استمرار التهديدات الحوثية، فإنّ أيّ حرب جديدة على إيران ستشنّها إسرائيل والولايات المتّحدة هذه المرّة قد لا تقتصر على الأطراف إيّاها، بل قد تجد دول خليجية نفسها مضطرّة إلى الانخراط فيها، ما يخلط الأوراق بقوّة.
ووسط هذه التوتّرات الإقليمية وعدم اتّضاح الصورة، يفضّل لبنان أن تأتي القرارات كانعكاس لموازين القوى الخارجية، لا أن يخوض المواجهة بنفسه. وهذا يعني أنّ هذه القوى ستبقى تدير الساحة اللبنانية وتتحكّم بها وفقاً لمصالحها، أو ربّما تتخلّى القوى الكبرى عن لبنان عندما تيأس من قدرته على اتّخاذ القرارات وتطبيقها.
خاص – حسابات الحرب الإقليمية أرجأت المواجهة في ملف “ضهر البيدر”

فيما كان مجلس الوزراء يبحث الخميس الماضي في طلب إحالة ملف شحنة المتفجّرات على المجلس العدلي، كانت نذُر الحرب تلوح من جديد في سماء المنطقة. وقد استوعب كلّ من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام مخاطر الوضع الإقليمي، وتوصّلا بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى إخراج أدّى إلى تأجيل المواجهة الداخلية حول الموضوع، ريثما تتّضح الصورة الإقليمية، ليُبنى على الشيء مقتضاه.
وشكّل الإخراج تنفيساً للاحتقان الداخلي، ولكن الموضوع بقي مفتوحاً وأُعطي بعض الوقت للبتّ في قرار الإحالة من عدمها. ووُضع هذا التأجيل تحت بند استكمال الملف من الناحية القانونية والإفساح في المجال أمام المزيد من التحقيقات.
وقد نسّق رئيس الجمهورية مع رئيس المجلس الصيغة التي دفعت إلى إرجاء البحث في موضوع الإحالة على المجلس العدلي، فيما تولّى رئيس الحكومة في كلمته رفع السقف، مشدّداً على ملاحقة القضية حتّى النهاية، ومؤكّداً الإصرار على حصر السلاح غير الشرعي.
في الخلاصة، فشلت الحكومة مرّة أخرى في المواجهة مع “الحزب”، وأظهرت أنّها غير قادرة على تنفيذ أيّ من قراراتها المتعلّقة بالسلاح وبفرض سلطة الدولة وحدها بلا شريك. وهي، بفشلها هذا، أكّدت للعالم، وللولايات المتّحدة خصوصاً، أنّه لا يمكن الاعتماد عليها وعلى الجيش في تنفيذ القرارات التي اتّخذها مجلس الوزراء والمتعلّقة بحصر السلاح، والتي يبدو أنّها ستبقى حبراً على ورق.
فرئيس الجمهورية والحكومة قرّرا عمليّاً ترك الحسم الداخلي برسم التطوّرات الإقليمية. وهما باتا على يقين من أنّ قدرتهما على التغيير محدودة، وأنّ التطوّرات اللبنانية ستكون انعكاساً لموازين القوى الخارجية. لذا، لن يكون من الحكمة القيام بأيّ خطوة ناقصة، فيما الصورة الإقليمية غير واضحة المعالم، ورياح الحرب تشتدّ من جديد، مع اتّساع التهديدات الإيرانية، والرغبة الإسرائيلية في توجيه ضربة موجعة لطهران، وانتظار الرئيس دونالد ترامب لما ستفضي إليه الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني المقبل.
ولكن التردّد اللبناني أمام الحسم في ملف متفجّرات ضهر البيدر سيقنع ترامب أكثر فأكثر بوجهة النظر الإسرائيلية القائلة بعدم جدّية الحكومة اللبنانية والجيش، وسيسمح لإسرائيل بالإيغال في سياساتها تجاه لبنان من دون أيّ رادع.
ومن هنا، فإنّ من الطبيعي أن تكون جولة المفاوضات التي انعقدت أخيراً في تامبا عقيمة، ما دام لبنان لا ينفّذ التزاماته بسحب السلاح وتفتيش البنى التحتية في المناطق التي ينتشر فيها. وسيبقى الوضع مجمّداً على المسار الدبلوماسي، في انتظار اتّضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية ومعرفة ما إذا كان بنيامين نتنياهو سيعود إلى رئاسة الحكومة أم لن يعود.
ولكن في كلا الحالتين، لن يكون هناك أيّ انسحاب إسرائيلي من المناطق الجنوبية المحتلّة. وفي حال فاز نتنياهو برئاسة الحكومة من جديد، فمن غير المستبعد أن يشنّ حرباً جديدة في لبنان يتوسّع خلالها في اتّجاه مناطق إضافية كمرتفعات جبل الريحان في منطقة جزّين، وهي المعقل الأخير لـ “الحزب” في هذا القطاع. كما أنّ نتنياهو ينوي شنّ ضربات على إيران، إذا ما أصبح طليق اليد، وأتت الموافقة الأميركية بعد الانتخابات النصفية. ولكن عدم فوز نتنياهو لا يعني أنّ الخطط ستتغيّر كثيراً، بل ربّما تغيّر التكتيك لا الاستراتيجية.
أمّا في الموضوع الإيراني، فيبدو أنّ التطوّرات تتوسّع إقليمياً، حيث لم يعد التصعيد محصوراً بين الأميركيين والإسرائيليين والإيرانيين. بل أدّت الاستهدافات الأخيرة للمطارات السعودية والمرافق المدنية والنفطية في المملكة إلى ارتفاع احتمالات حصول مواجهة إقليمية شاملة في حال لم يتمّ التوصّل إلى أيّ اتّفاق مع إيران.
وقد تلقّت طهران هذه الرسالة خلال زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير. لذا بدأت بإطلاق التهديدات، وصولاً إلى التلويح باستهداف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وشبكة الألياف الضوئية في مياه الخليج ومضيق هرمز، والتي تؤمّن الاتصال الرقمي لجزء أساسي من دول الشرق الأوسط.
ومع أنّ البيان الصادر بالأمس عن وزراء خارجية “المجموعة الرباعية”، التي تضمّ كلّاً من مصر والسعودية وتركيا وباكستان، قد دعا إلى حلّ النزاعات الإقليمية عبر “الحوار والدبلوماسية”، إلّا أنّه شدّد أيضاً على “ضرورة ضمان حريّة الملاحة البحرية واستئناف الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز”.
ومع تكتل هذه الدول الأربع، وإعلان مصر الاستعداد لتقديم الدعم للسعودية في حال استمرار التهديدات الحوثية، فإنّ أيّ حرب جديدة على إيران ستشنّها إسرائيل والولايات المتّحدة هذه المرّة قد لا تقتصر على الأطراف إيّاها، بل قد تجد دول خليجية نفسها مضطرّة إلى الانخراط فيها، ما يخلط الأوراق بقوّة.
ووسط هذه التوتّرات الإقليمية وعدم اتّضاح الصورة، يفضّل لبنان أن تأتي القرارات كانعكاس لموازين القوى الخارجية، لا أن يخوض المواجهة بنفسه. وهذا يعني أنّ هذه القوى ستبقى تدير الساحة اللبنانية وتتحكّم بها وفقاً لمصالحها، أو ربّما تتخلّى القوى الكبرى عن لبنان عندما تيأس من قدرته على اتّخاذ القرارات وتطبيقها.










