من ضاحية باريس إلى ضاحية بيروت… قناع «الأم الحنون»

الكاتب: فيليب عادل حنين | المصدر: نداء الوطن
24 تشرين الأول 2026

من ضاحية باريسية هادئة، كان الخميني يوجّه رسائله إلى إيران عام ١٩٧٨. ثم امتدّ نفوذ نظامه إلى ضاحية بيروت الجنوبية، حيث أصبح حزب الله الذراع المسلّح للمشروع الإيراني. وفي ضاحية المنشية بالخرطوم، تحوّل منزل حسن الترابي إلى مركز نفوذ، واشتهر تعبير «القصر والمنشية». ثلاث ضواحٍ، وأوطان دفعت الثمن.

عاد الخميني من فرنسا وأقام نظاماً جعل تصدير الثورة جزءاً من سياسته. وعاد الترابي من جامعة السوربون ليساهم في صعود الحركة الإسلامية التي دعمت انقلاب عمر البشير عام ١٩٨٩. وفي عهد البشير، انفصل جنوب السودان عام ٢٠١١ باستفتاء جاء بعد اتفاق سلام أنهى حرباً سابقة. لكن نظامه فشل في بناء دولة تتّسع للجميع.

أما ميشال عون، فعاد من منفاه الفرنسي عام ٢٠٠٥ بشعار السيادة، ثم وقّع تفاهمه مع حزب الله ومنحه غطاءً سياسياً مسيحياً عزّز نفوذه. وصل إلى الرئاسة بدعم الحزب، وغادرها ولبنان غارق في الانهيار، فيما بقي قرار الحرب والسلم خارج الدولة. ثم جاءت الحرب والدمار والاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وساهم في ترسيخ حكم السلاح على حساب الدولة.

ثلاثة رجال عادوا من فرنسا. فماذا حملوا معهم غير حقائبهم؟ وهل انتهى دور باريس في حياتهم يوم عادوا إلى بلادهم؟

لا دليل على أن باريس صنعت مشاريعهم، لكن هذا لا يعفي سياساتها من المساءلة.

في عهد الشاه، أقرضت إيران فرنسا نحو مليار دولار لتمويل مشروع «يوروديف» النووي. وبعد الثورة، اندلع خلاف على المال واليورانيوم. وفي الثمانينيات، خطفت جماعات موالية لإيران فرنسيين في لبنان، وطالبت بردّ الدين. ومات الباحث ميشال سورا في الأسر، وحُسم النزاع عام ١٩٩١. هكذا تحوّل لبنان إلى ساحة ضغط في خلاف لا علاقة لأهله به.

ولم تتوقف التجارة. وقّعت «بيجو» عام ٢٠١٦ شراكة في إيران باستثمارات محتملة بقيمة ٤٠٠ مليون يورو، ودخلت «توتال» مشروع غاز عام ٢٠١٧ قبل الانسحاب بسبب العقوبات الأميركية. ثم أنشأت فرنسا وبريطانيا وألمانيا آلية «إنستكس» (INSTEX) عام ٢٠١٩ لتسهيل التجارة المشروعة، خصوصاً الطبية. انتهت بعد معاملة واحدة.

ليست التجارة جريمة، لكن أين تقف المبادئ عندما تدخل المصالح على الخط؟

وفي أفريقيا، فضيحة «إلف» وعمولات النفط في الغابون، ومناجم اليورانيوم في النيجر، والتدخل العسكري الفرنسي عام ٢٠١٩ ضد متمرّدين هددوا حكم إدريس ديبي في تشاد. فأين تذهب حقوق الإنسان عندما تتقدّم المصالح؟

ومن أفريقيا إلى لبنان، يعود السؤال عن المصالح. فمنذ الاستقلال عام ١٩٤٣، تكرّر حضور باريس ووساطاتها إلى جانب قوى أخرى. تعاونت مع واشنطن لإصدار القرار ١٥٥٩ عام ٢٠٠٤، والضغط لانسحاب الجيش السوري، وهذه حقيقة تُحسب لها. لكن ماذا عن حصيلة ثمانية عقود من الوعود؟

من مؤتمرات «باريس» إلى «سيدر» عام ٢٠١٨، وصولاً إلى مبادرة ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت، تبدّلت العناوين وبقي معظم أهل السلطة أنفسهم. وُعِدنا بالإصلاح وعادت التسويات. لا يمكن تحميل فرنسا وحدها مسؤولية الفشل. فشركاؤها اللبنانيون أول من عطّل الدولة. لكن لماذا الإصرار على الوجوه نفسها واللعبة نفسها؟

اتفاق تشرين الثاني ٢٠٢٤ لم يكن ورقة غامضة. وافقت عليه الحكومة، وتفاوض نبيه بري بتفويض من حزب الله. نصّ على وقف العمليات وتطبيق القرار ١٧٠١ وتعزيز سلطة الجيش جنوباً، وعلى حق الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي، لا على حق مفتوح لإسرائيل في القصف. فلماذا يتصرّف الموافقون عليه كأنهم لم يسمعوا بشروطه؟

وفي آذار ٢٠٢٦ قرّرت الحكومة حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله ومطالبته بتسليم سلاحه. ثم رعت واشنطن في حزيران اتفاقاً ربط نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي تدريجي. القرارات موجودة، لكن أين التنفيذ؟ وهل تستطيع الوساطات الفرنسية المتكررة تغيير الواقع، أم تكتفي بتدوير الأزمة؟

بعد ثمانين عاماً من الوساطات، آن الأوان للاعتراف بأن نفوذ فرنسا ليس بحجم نفوذ واشنطن. أما الولايات المتحدة، فرغم أخطائها، فتملك القوة وأوراق الضغط لتحريك الملفات العالقة، خصوصاً مع إسرائيل. والتاريخ يذكّرنا بأنها ساهمت بعد الحرب العالمية الثانية في إعادة بناء ألمانيا الغربية واليابان، اللتين أصبحتا قوتين اقتصاديتين وحليفتين لها. صحيح أن الظروف اليوم مختلفة، وأن أميركا ليست جمعية خيرية، لكن أليست فرصة الاستفادة من قوتها لتحقيق مصالحنا، ولو جزئياً، أجدى من العودة إلى الوعود والتسويات القديمة à la Française ؟ المطلوب ليس استبدال وصاية بأخرى، بل أن نستفيد من مصالح الكبار لبناء دولتنا، بدلاً من أن يستفيدوا من ضعفها.

من حقّنا أن نسأل عن الكلام الفرنسي المعسول، والمصالح المختبئة خلف قناع «الأم الحنون». لقد أعطينا هذه الوساطات وقتاً كافياً، ودفعنا ثمن التسويات من أرضنا وأعمارنا. آن الأوان أن نختار على أساس ما يفيد دولتنا، لا ما يرضي حلفاء الأمس.

لسنا أولاد فرنسا، ولا رعايا أميركا. نحن أصحاب وطن. وما نحتاج إليه ليس «أمّاً حنوناً»، بل دولة عادلة مع شعبها، شرسة في وجه المتسلّطين عليها من الداخل، تضعهم عند حدّهم قبل أن تتصدّى لأطماع الخارج.

من ضاحية باريس إلى ضاحية بيروت… قناع «الأم الحنون»

الكاتب: فيليب عادل حنين | المصدر: نداء الوطن
24 تشرين الأول 2026

من ضاحية باريسية هادئة، كان الخميني يوجّه رسائله إلى إيران عام ١٩٧٨. ثم امتدّ نفوذ نظامه إلى ضاحية بيروت الجنوبية، حيث أصبح حزب الله الذراع المسلّح للمشروع الإيراني. وفي ضاحية المنشية بالخرطوم، تحوّل منزل حسن الترابي إلى مركز نفوذ، واشتهر تعبير «القصر والمنشية». ثلاث ضواحٍ، وأوطان دفعت الثمن.

عاد الخميني من فرنسا وأقام نظاماً جعل تصدير الثورة جزءاً من سياسته. وعاد الترابي من جامعة السوربون ليساهم في صعود الحركة الإسلامية التي دعمت انقلاب عمر البشير عام ١٩٨٩. وفي عهد البشير، انفصل جنوب السودان عام ٢٠١١ باستفتاء جاء بعد اتفاق سلام أنهى حرباً سابقة. لكن نظامه فشل في بناء دولة تتّسع للجميع.

أما ميشال عون، فعاد من منفاه الفرنسي عام ٢٠٠٥ بشعار السيادة، ثم وقّع تفاهمه مع حزب الله ومنحه غطاءً سياسياً مسيحياً عزّز نفوذه. وصل إلى الرئاسة بدعم الحزب، وغادرها ولبنان غارق في الانهيار، فيما بقي قرار الحرب والسلم خارج الدولة. ثم جاءت الحرب والدمار والاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وساهم في ترسيخ حكم السلاح على حساب الدولة.

ثلاثة رجال عادوا من فرنسا. فماذا حملوا معهم غير حقائبهم؟ وهل انتهى دور باريس في حياتهم يوم عادوا إلى بلادهم؟

لا دليل على أن باريس صنعت مشاريعهم، لكن هذا لا يعفي سياساتها من المساءلة.

في عهد الشاه، أقرضت إيران فرنسا نحو مليار دولار لتمويل مشروع «يوروديف» النووي. وبعد الثورة، اندلع خلاف على المال واليورانيوم. وفي الثمانينيات، خطفت جماعات موالية لإيران فرنسيين في لبنان، وطالبت بردّ الدين. ومات الباحث ميشال سورا في الأسر، وحُسم النزاع عام ١٩٩١. هكذا تحوّل لبنان إلى ساحة ضغط في خلاف لا علاقة لأهله به.

ولم تتوقف التجارة. وقّعت «بيجو» عام ٢٠١٦ شراكة في إيران باستثمارات محتملة بقيمة ٤٠٠ مليون يورو، ودخلت «توتال» مشروع غاز عام ٢٠١٧ قبل الانسحاب بسبب العقوبات الأميركية. ثم أنشأت فرنسا وبريطانيا وألمانيا آلية «إنستكس» (INSTEX) عام ٢٠١٩ لتسهيل التجارة المشروعة، خصوصاً الطبية. انتهت بعد معاملة واحدة.

ليست التجارة جريمة، لكن أين تقف المبادئ عندما تدخل المصالح على الخط؟

وفي أفريقيا، فضيحة «إلف» وعمولات النفط في الغابون، ومناجم اليورانيوم في النيجر، والتدخل العسكري الفرنسي عام ٢٠١٩ ضد متمرّدين هددوا حكم إدريس ديبي في تشاد. فأين تذهب حقوق الإنسان عندما تتقدّم المصالح؟

ومن أفريقيا إلى لبنان، يعود السؤال عن المصالح. فمنذ الاستقلال عام ١٩٤٣، تكرّر حضور باريس ووساطاتها إلى جانب قوى أخرى. تعاونت مع واشنطن لإصدار القرار ١٥٥٩ عام ٢٠٠٤، والضغط لانسحاب الجيش السوري، وهذه حقيقة تُحسب لها. لكن ماذا عن حصيلة ثمانية عقود من الوعود؟

من مؤتمرات «باريس» إلى «سيدر» عام ٢٠١٨، وصولاً إلى مبادرة ماكرون بعد انفجار مرفأ بيروت، تبدّلت العناوين وبقي معظم أهل السلطة أنفسهم. وُعِدنا بالإصلاح وعادت التسويات. لا يمكن تحميل فرنسا وحدها مسؤولية الفشل. فشركاؤها اللبنانيون أول من عطّل الدولة. لكن لماذا الإصرار على الوجوه نفسها واللعبة نفسها؟

اتفاق تشرين الثاني ٢٠٢٤ لم يكن ورقة غامضة. وافقت عليه الحكومة، وتفاوض نبيه بري بتفويض من حزب الله. نصّ على وقف العمليات وتطبيق القرار ١٧٠١ وتعزيز سلطة الجيش جنوباً، وعلى حق الدفاع عن النفس وفق القانون الدولي، لا على حق مفتوح لإسرائيل في القصف. فلماذا يتصرّف الموافقون عليه كأنهم لم يسمعوا بشروطه؟

وفي آذار ٢٠٢٦ قرّرت الحكومة حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله ومطالبته بتسليم سلاحه. ثم رعت واشنطن في حزيران اتفاقاً ربط نزع السلاح بانسحاب إسرائيلي تدريجي. القرارات موجودة، لكن أين التنفيذ؟ وهل تستطيع الوساطات الفرنسية المتكررة تغيير الواقع، أم تكتفي بتدوير الأزمة؟

بعد ثمانين عاماً من الوساطات، آن الأوان للاعتراف بأن نفوذ فرنسا ليس بحجم نفوذ واشنطن. أما الولايات المتحدة، فرغم أخطائها، فتملك القوة وأوراق الضغط لتحريك الملفات العالقة، خصوصاً مع إسرائيل. والتاريخ يذكّرنا بأنها ساهمت بعد الحرب العالمية الثانية في إعادة بناء ألمانيا الغربية واليابان، اللتين أصبحتا قوتين اقتصاديتين وحليفتين لها. صحيح أن الظروف اليوم مختلفة، وأن أميركا ليست جمعية خيرية، لكن أليست فرصة الاستفادة من قوتها لتحقيق مصالحنا، ولو جزئياً، أجدى من العودة إلى الوعود والتسويات القديمة à la Française ؟ المطلوب ليس استبدال وصاية بأخرى، بل أن نستفيد من مصالح الكبار لبناء دولتنا، بدلاً من أن يستفيدوا من ضعفها.

من حقّنا أن نسأل عن الكلام الفرنسي المعسول، والمصالح المختبئة خلف قناع «الأم الحنون». لقد أعطينا هذه الوساطات وقتاً كافياً، ودفعنا ثمن التسويات من أرضنا وأعمارنا. آن الأوان أن نختار على أساس ما يفيد دولتنا، لا ما يرضي حلفاء الأمس.

لسنا أولاد فرنسا، ولا رعايا أميركا. نحن أصحاب وطن. وما نحتاج إليه ليس «أمّاً حنوناً»، بل دولة عادلة مع شعبها، شرسة في وجه المتسلّطين عليها من الداخل، تضعهم عند حدّهم قبل أن تتصدّى لأطماع الخارج.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار