حكومة نواف سلام على حافة الانفجار… لكن لا أحد يريد إسقاطها

قرار الحكومة عدم إحالة قضية شاحنة “حزب الله” قد يتحول إلى نقطة تحول في تفكير الإدارة الأميركية، وإذا واصلت الحكومة بالتباطؤ فهي تخاصر باهتمام إدارة ترامب.
لم يكن البند السابع في جدول أعمال جلسة الخميس قبل يومين لمجلس الوزراء اللبناني مجرد إحالة لقضية شاحنة المتفجرات، التي ضبطت وهي في طريقها من البقاع شرقاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي أعلن “حزب الله” رسمياً على لسان مسؤوليه تبعية الشاحنة له، إلى المجلس العدلي. فقد تحول إلى اختبار لسؤال أكبر، وهو هل تتجه الحكومة إلى التصدع من الداخل؟ وهل ما زالت حكومة نواف سلام هي الحكومة التي وصفت بالسيادية، أم عادت ممسوكة بتوازنات “الثنائي”؟. فالحكومة التي قدمت في بداياتها خطوة نحو استعادة قرار الدولة وتجسيد السيادة الكاملة، تقف اليوم عند مفترق طرق حرج، بين قرارات تتخذ ولا تنفذ، وسياسة “تدوير الزوايا” والتردد في الملفات الإشكالية، وقد جاءت الجلسة الأخيرة لتعكس ذلك كله.
كان الحزب أقر بأن شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر تعود إليه، وقال النائب حسن فضل الله إنها مخصصة للاستخدام ضد إسرائيل. وعلى هذا الأساس حمل وزير العدل عادل نصار إلى الجلسة مشروع إحالة القضية إلى المجلس العدلي، لسببين، الأول أن القرار يضمن ذهاب القضاء بالملف إلى النهاية، إذ إن المحقق العدلي يعينه وزير العدل الذي لا سلطة للحزب عليه، والثاني أنه يلزم الحزب بالاعتراف بقرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح وحظر أنشطته العسكرية والأمنية. غير أن البند لم يمر، بحجة انتظار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات، وفق اقتراح رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي اعتبر أن القضايا المحالة سابقاً إلى المجلس العدلي لم تفض إلى نتيجة.
وحدهم وزراء “القوات اللبنانية” اعترضوا وانسحبوا من الجلسة، بعدما عرضوا في مداخلاتهم الأسباب القانونية الموجبة للإحالة، وأهمها أن الحادثة تهدد الأمن القومي والسلم الأهلي وهيبة الدولة، وتخالف قرارات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم. كما قدموا لائحة بجرائم أحيلت إلى المجلس العدلي بعد أيام قليلة على وقوعها، واستندوا إلى المادة 367 للتأكيد أن الإحالة يمكن أن تتم بالتوازي مع التحقيقات الجارية لدى المحكمة العسكرية.
مخرج صنع خارج القاعة
وبحسب المعطيات التي حصلنا عليها، سبقت الجلسةَ اتصالات مكثفة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري مع الرئيس عون، وبالتوافق مع الرئيس سلام، وانتهت بالمخرج الذي اعتمدته الحكومة. وهو ما يضيء على جوهر المسألة، إذ يكفي أن يتفق بري، حليف الحزب وأخوه الأكبر، مع عون وسلام على الإخراج، حتى يمر في الجلسة ويصادق عليه الوزراء المحسوبون عليهم. وخضع قرار الحكومة أو اللاقرار إلى قراءتين، فالمعترضون على عدم الإحالة رأوا أن الحكومة سقطت في اختبار تثبيت قراراتها بعدما عجزت عن تنفيذها، إذ كانت الإحالة ستكرس قراراتها المتخذة في الخامس والسابع من آب (أغسطس) والثاني من آذار (مارس)، وتلزم “حزب الله” بالاعتراف بها، أما مؤيدو مخرج عدم الإحالة فيعتبرون أن التأجيل ليس تراجعاً بل “ربط نزاع” يبقي الملف حياً ليحال في توقيت ملائم، وأن الغاية تجنيب البلد صداماً داخلياً، لكن مصادر وزارية تستبعد أن يطرح الموضوع مجدداً على طاولة مجلس الوزراء.
إحباط في واشنطن من “المماطلة” اللبنانية
أبلغ ما حملته المحادثة الأخيرة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو مستوى الاهتمام الأميركي بملف شاحنة المتفجرات، وبطريقة تعامل الدولة اللبنانية معه. فخلو التحقيقات حتى الآن من أي تقدم أو توقيفات، وتردد الحكومة في إحالة القضية إلى المجلس العدلي، قد يقرآن في عيون الإدارة الأميركية، وسائر الدول التي تتابع القضية باهتمام بالغ، إشارة سلبية.
يرى الباحث والخبير السياسي والمدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة “أوراسيا” للاستشارات السياسية الدكتور فراس مقصد أن قرار الحكومة عدم الإحالة قد يتحول إلى نقطة تحول في تفكير الإدارة الأميركية. ويتحدث عن “إحباط فعلي”، وربما ما هو أخطر منه، حيال عجز لبنان، أو عدم رغبته، في إحراز تقدم حقيقي في تنفيذ قراراته المتعلقة بسلاح الحزب.
ويشرح مقصد أن الرئيس دونالد ترمب حريص على تسجيل انتصارات سياسية فيما تبقى من ولايته، وأن فريقه القيادي يركز على الملفات القادرة على إنتاج مثل هذه النتائج. وإذا صار لبنان في نظر هذا الفريق ساحة لا ينتظر فيها أي تقدم، فإن البوصلة السياسية ستبتعد سريعاً عن دعم لبنان وحكومته، وهذا خطر حقيقي تستدعيه الحكومة اللبنانية مجدداً بمماطلتها وعدم تنفيذ قراراتها في ملف “حزب الله”.
ويحذر “إذا واصلت الحكومة التباطؤ في تنفيذ قراراتها المتعلقة بسلاح الحزب، فهي تخاطر بخسارة اهتمام إدارة ترمب بسرعة، وقد ينتهي الاستنتاج في واشنطن إلى أن لبنان ليس أولوية تستحق استثمار الجهد السياسي المحدود”.
هل تبقى القوات في الحكومة؟
كشفت وقائع جلسة مجلس الوزراء الأخيرة عن انقسام حاد في مقاربة الملفات المرتبطة بـ”حزب الله”، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حول احتمال تصدع الحكومة من داخلها وانسحاب وزراء “القوات اللبنانية” منها، ولا سيما بعد اعتكاف وزير الطاقة جو صدي، المحسوب على القوات، عن حضور الجلسات، بسبب ملف الكهرباء.
وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد اتهم وزراء القوات بالشعبوية، فرد رئيس الحزب سمير جعجع بأن موقفهم ينطلق من قناعات سياسية بعيدة كل البعد عن الشعبوية، مجدداً تمسك حزبه بـ”المحاربة من داخل الحكومة”، ومؤكداً أنهم والرئيسين عون وسلام “في مركب واحد حتى إشعار آخر”.
وفي هذا السياق، يجزم وزير الصناعة جو عيسى الخوري بأن الحكومة لن تنفجر من الداخل، وبأن “القوات اللبنانية باقية فيها ومصرة على تصحيح الوضع من داخلها، كاشفاً عن أن معظم الوزراء يفكرون بالطريقة نفسها، لكنهم مرغمون على الامتثال لأوامر الجهات التي يمثلونهم. ويرى أن وزراء الثنائي أي حركة “أمل” و”حزب الله”، لن ينسحبوا بدورهم، مستشهداً بجلسة الثاني من آذار، حين بقي وزراء الحزب داخل القاعة على رغم إقرار قرار حظر أنشطته العسكرية والأمنية.
يعد عيسى الخوري أن أصل المشكلة يكمن في خطأ إشراك رئيس السلطة التشريعية في قرارات السلطة التنفيذية، أي بري، التي يفترض أن تكون بيد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لا العكس. وأوضح أن القوات تتخذ مواقفها الاعتراضية بعدما تحول مجلس الوزراء، الذي يفترض أن يكون السلطة السياسية المديرة للبلد، إلى ما يشبه مجلساً بلدياً إضافة إلى مجلس رئاسي ثلاثي عرف سابقاً بـ”الترويكا”. وأضاف “لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا النحو، بحيث لا تبحث القضايا الأساسية داخل مجلس الوزراء، بل تأتي مطبوخة من الخارج باتفاق بين الرؤساء الثلاثة، فيما يلتزم الوزراء التابعون لهم الصمت”. وتابع أن الرئيس نبيه بري يستأثر اليوم بقرارات السلطة التشريعية، ويملك في الوقت نفسه “فيتو” على السلطة التنفيذية، وهذه هي قوته بعدما تحول إلى “بيضة القبان”، إذ يضع “حزب الله” عن يمينه ويقدم نفسه وسيطاً بين الحزب وكل من يريد التواصل معه.
“تريث محمود” أم تأجيل المشكل؟
في أول تعليق له على قرار الحكومة إرجاء البت في إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، رحب “حزب الله”، في بيان صادر عن كتلته النيابية، بالقرار ووصفه بـ”التريث المحمود”. ورأت الكتلة أن إثارة الملف تنطوي على “استهداف سياسي فاضح” لا يخدم الاستقرار الداخلي.
وزير التنمية الإدارية فادي مكي، المصنف خارج حصة “الثنائي الشيعي” من حيث المبدأ والمنسجم معه في التطبيق داخل مجلس الوزراء، يعتبر أن الحكومة أرجأت المشكلة لا أكثر، وأن الأمور ستصل في النهاية إليها. ولا يستبعد أن تنفجر الحكومة في أي لحظة، لكنه يرى أن المخرج الذي ابتكره رئيس الحكومة، على حد قوله، أزال فتيل الانفجار الآن، عبر تأجيل الإحالة بانتظار ما ستنتهي إليه التحقيقات. ويؤكد أن الموضوع سيعاد طرحه على طاولة مجلس الوزراء، نافياً أن تكون الحكومة ألغت قرار الإحالة نهائياً، بل أجلته ونزعت فتيل الأزمة في المرحلة الراهنة إلى حين تهدأ الأمور.
وعن تأثير إعادة طرح الملف على مصير الحكومة، يقول مكي إن الأمر رهن بموقف الحزب والتطورات المقبلة، وبإمكان تدخله في الحرب المتوقعة من عدمه، مضيفاً أن الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن ما جرى في الجلسة الأخيرة هو تأجيل للمشكلة لا حل لها. ويرفض مكي وصف الحكومة بعدم الجدية، داعياً إلى مراعاة الظرف الراهن، ومعتبراً أن أي قرار ينبغي أن يأخذ في الحسبان العوامل المحيطة به وانعكاساته على الشارع والداخل. ويستبعد تمييع قضية المتفجرات، لأن الخارج وضع الملف “تحت المجهر” ولا مجال إلا للتصرف بشفافية، قبل أن يستدرك “لكن في لبنان كل شيء وارد”.
عوامل خارجية وداخلية تمنع سقوط الحكومة
في المقابل، تؤكد مصادر سياسية رفيعة أنه لو كانت الظروف طبيعية لكان على الحكومة أن ترحل، إذ لم تحقق إنجازاً يذكر وطنياً أو اقتصادياً أو تربوياً، ولم تفِ بما وعدت به. غير أن البلاد ليست في ظروف طبيعية، فالحكومة ولدت من توافقات خارجية ساهمت في تشكيلها، من رئيسها إلى غالبية وزرائها، مما يعني أن هزها أو تغييرها يحتاجان إلى التوافقات نفسها، لأن من صنعها هو من يقرر إبقاءها أو تغييرها. والتوافقات الدولية والإقليمية والعربية تصب حتى الآن في اتجاه بقائها، فضلاً عن تعذر تشكيل حكومة جديدة في هذا الظرف.
وتضيف المصادر أن القوى الداخلية القادرة على إسقاط الحكومة ليست متفقة فيما بينها. فالإسقاط يتطلب أكثرية موصوفة داخل الحكومة، أي استقالة ثلث أعضائها، أو أكثرية موصوفة في مجلس النواب، وهي غير متوافرة. والدليل أن الحكومة نالت الثقة مجدداً بأكثرية موصوفة في جلسة مساءلتها الأخيرة في المجلس. ويضاف سبب ثالث هو أن الرؤساء الثلاثة ليسوا على رأي واحد منها، فبعضهم يمدحها وبعضهم ينتقدها وبعضهم لا يتخذ موقفاً واضحاً، لكنهم لا يلتقون على ضرورة إسقاطها. فرئيس مجلس النواب لا يملك الأكثرية لإسقاطها وفق التوازنات الطائفية، ورئيس الحكومة غير مقتنع بالاستقالة ويواصل ترؤسها، ورئيس الجمهورية لا يرغب حالياً في رحيلها، بل يشيد في كل جلسة ببعض الوزراء، ولا سيما وزراء “الحزب”، لجهة إنتاجيتهم.
أما العامل الأخير فهو الاحتلال الإسرائيلي، إذ يصعب إحداث تغيير حكومي في مثل هذا الظرف، على قاعدة أن الضباط لا يغيرون خلال الحرب، والوزراء هم الضباط حالياً. وتشير المصادر إلى أن التمديد لمجلس النواب سنتين حمل في طياته إشارة إلى التمديد للحكومة الحالية أيضاً، على أن تستمر حتى إجراء الانتخابات النيابية.
حكومة نواف سلام على حافة الانفجار… لكن لا أحد يريد إسقاطها

قرار الحكومة عدم إحالة قضية شاحنة “حزب الله” قد يتحول إلى نقطة تحول في تفكير الإدارة الأميركية، وإذا واصلت الحكومة بالتباطؤ فهي تخاصر باهتمام إدارة ترامب.
لم يكن البند السابع في جدول أعمال جلسة الخميس قبل يومين لمجلس الوزراء اللبناني مجرد إحالة لقضية شاحنة المتفجرات، التي ضبطت وهي في طريقها من البقاع شرقاً إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي أعلن “حزب الله” رسمياً على لسان مسؤوليه تبعية الشاحنة له، إلى المجلس العدلي. فقد تحول إلى اختبار لسؤال أكبر، وهو هل تتجه الحكومة إلى التصدع من الداخل؟ وهل ما زالت حكومة نواف سلام هي الحكومة التي وصفت بالسيادية، أم عادت ممسوكة بتوازنات “الثنائي”؟. فالحكومة التي قدمت في بداياتها خطوة نحو استعادة قرار الدولة وتجسيد السيادة الكاملة، تقف اليوم عند مفترق طرق حرج، بين قرارات تتخذ ولا تنفذ، وسياسة “تدوير الزوايا” والتردد في الملفات الإشكالية، وقد جاءت الجلسة الأخيرة لتعكس ذلك كله.
كان الحزب أقر بأن شحنة المتفجرات المضبوطة في ضهر البيدر تعود إليه، وقال النائب حسن فضل الله إنها مخصصة للاستخدام ضد إسرائيل. وعلى هذا الأساس حمل وزير العدل عادل نصار إلى الجلسة مشروع إحالة القضية إلى المجلس العدلي، لسببين، الأول أن القرار يضمن ذهاب القضاء بالملف إلى النهاية، إذ إن المحقق العدلي يعينه وزير العدل الذي لا سلطة للحزب عليه، والثاني أنه يلزم الحزب بالاعتراف بقرارات الحكومة المتعلقة بحصرية السلاح وحظر أنشطته العسكرية والأمنية. غير أن البند لم يمر، بحجة انتظار استكمال التحقيقات وتحديد المسؤوليات، وفق اقتراح رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي اعتبر أن القضايا المحالة سابقاً إلى المجلس العدلي لم تفض إلى نتيجة.
وحدهم وزراء “القوات اللبنانية” اعترضوا وانسحبوا من الجلسة، بعدما عرضوا في مداخلاتهم الأسباب القانونية الموجبة للإحالة، وأهمها أن الحادثة تهدد الأمن القومي والسلم الأهلي وهيبة الدولة، وتخالف قرارات الحكومة المتعلقة بحصر السلاح وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم. كما قدموا لائحة بجرائم أحيلت إلى المجلس العدلي بعد أيام قليلة على وقوعها، واستندوا إلى المادة 367 للتأكيد أن الإحالة يمكن أن تتم بالتوازي مع التحقيقات الجارية لدى المحكمة العسكرية.
مخرج صنع خارج القاعة
وبحسب المعطيات التي حصلنا عليها، سبقت الجلسةَ اتصالات مكثفة قادها رئيس مجلس النواب نبيه بري مع الرئيس عون، وبالتوافق مع الرئيس سلام، وانتهت بالمخرج الذي اعتمدته الحكومة. وهو ما يضيء على جوهر المسألة، إذ يكفي أن يتفق بري، حليف الحزب وأخوه الأكبر، مع عون وسلام على الإخراج، حتى يمر في الجلسة ويصادق عليه الوزراء المحسوبون عليهم. وخضع قرار الحكومة أو اللاقرار إلى قراءتين، فالمعترضون على عدم الإحالة رأوا أن الحكومة سقطت في اختبار تثبيت قراراتها بعدما عجزت عن تنفيذها، إذ كانت الإحالة ستكرس قراراتها المتخذة في الخامس والسابع من آب (أغسطس) والثاني من آذار (مارس)، وتلزم “حزب الله” بالاعتراف بها، أما مؤيدو مخرج عدم الإحالة فيعتبرون أن التأجيل ليس تراجعاً بل “ربط نزاع” يبقي الملف حياً ليحال في توقيت ملائم، وأن الغاية تجنيب البلد صداماً داخلياً، لكن مصادر وزارية تستبعد أن يطرح الموضوع مجدداً على طاولة مجلس الوزراء.
إحباط في واشنطن من “المماطلة” اللبنانية
أبلغ ما حملته المحادثة الأخيرة بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هو مستوى الاهتمام الأميركي بملف شاحنة المتفجرات، وبطريقة تعامل الدولة اللبنانية معه. فخلو التحقيقات حتى الآن من أي تقدم أو توقيفات، وتردد الحكومة في إحالة القضية إلى المجلس العدلي، قد يقرآن في عيون الإدارة الأميركية، وسائر الدول التي تتابع القضية باهتمام بالغ، إشارة سلبية.
يرى الباحث والخبير السياسي والمدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة “أوراسيا” للاستشارات السياسية الدكتور فراس مقصد أن قرار الحكومة عدم الإحالة قد يتحول إلى نقطة تحول في تفكير الإدارة الأميركية. ويتحدث عن “إحباط فعلي”، وربما ما هو أخطر منه، حيال عجز لبنان، أو عدم رغبته، في إحراز تقدم حقيقي في تنفيذ قراراته المتعلقة بسلاح الحزب.
ويشرح مقصد أن الرئيس دونالد ترمب حريص على تسجيل انتصارات سياسية فيما تبقى من ولايته، وأن فريقه القيادي يركز على الملفات القادرة على إنتاج مثل هذه النتائج. وإذا صار لبنان في نظر هذا الفريق ساحة لا ينتظر فيها أي تقدم، فإن البوصلة السياسية ستبتعد سريعاً عن دعم لبنان وحكومته، وهذا خطر حقيقي تستدعيه الحكومة اللبنانية مجدداً بمماطلتها وعدم تنفيذ قراراتها في ملف “حزب الله”.
ويحذر “إذا واصلت الحكومة التباطؤ في تنفيذ قراراتها المتعلقة بسلاح الحزب، فهي تخاطر بخسارة اهتمام إدارة ترمب بسرعة، وقد ينتهي الاستنتاج في واشنطن إلى أن لبنان ليس أولوية تستحق استثمار الجهد السياسي المحدود”.
هل تبقى القوات في الحكومة؟
كشفت وقائع جلسة مجلس الوزراء الأخيرة عن انقسام حاد في مقاربة الملفات المرتبطة بـ”حزب الله”، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات حول احتمال تصدع الحكومة من داخلها وانسحاب وزراء “القوات اللبنانية” منها، ولا سيما بعد اعتكاف وزير الطاقة جو صدي، المحسوب على القوات، عن حضور الجلسات، بسبب ملف الكهرباء.
وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد اتهم وزراء القوات بالشعبوية، فرد رئيس الحزب سمير جعجع بأن موقفهم ينطلق من قناعات سياسية بعيدة كل البعد عن الشعبوية، مجدداً تمسك حزبه بـ”المحاربة من داخل الحكومة”، ومؤكداً أنهم والرئيسين عون وسلام “في مركب واحد حتى إشعار آخر”.
وفي هذا السياق، يجزم وزير الصناعة جو عيسى الخوري بأن الحكومة لن تنفجر من الداخل، وبأن “القوات اللبنانية باقية فيها ومصرة على تصحيح الوضع من داخلها، كاشفاً عن أن معظم الوزراء يفكرون بالطريقة نفسها، لكنهم مرغمون على الامتثال لأوامر الجهات التي يمثلونهم. ويرى أن وزراء الثنائي أي حركة “أمل” و”حزب الله”، لن ينسحبوا بدورهم، مستشهداً بجلسة الثاني من آذار، حين بقي وزراء الحزب داخل القاعة على رغم إقرار قرار حظر أنشطته العسكرية والأمنية.
يعد عيسى الخوري أن أصل المشكلة يكمن في خطأ إشراك رئيس السلطة التشريعية في قرارات السلطة التنفيذية، أي بري، التي يفترض أن تكون بيد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، لا العكس. وأوضح أن القوات تتخذ مواقفها الاعتراضية بعدما تحول مجلس الوزراء، الذي يفترض أن يكون السلطة السياسية المديرة للبلد، إلى ما يشبه مجلساً بلدياً إضافة إلى مجلس رئاسي ثلاثي عرف سابقاً بـ”الترويكا”. وأضاف “لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا النحو، بحيث لا تبحث القضايا الأساسية داخل مجلس الوزراء، بل تأتي مطبوخة من الخارج باتفاق بين الرؤساء الثلاثة، فيما يلتزم الوزراء التابعون لهم الصمت”. وتابع أن الرئيس نبيه بري يستأثر اليوم بقرارات السلطة التشريعية، ويملك في الوقت نفسه “فيتو” على السلطة التنفيذية، وهذه هي قوته بعدما تحول إلى “بيضة القبان”، إذ يضع “حزب الله” عن يمينه ويقدم نفسه وسيطاً بين الحزب وكل من يريد التواصل معه.
“تريث محمود” أم تأجيل المشكل؟
في أول تعليق له على قرار الحكومة إرجاء البت في إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، رحب “حزب الله”، في بيان صادر عن كتلته النيابية، بالقرار ووصفه بـ”التريث المحمود”. ورأت الكتلة أن إثارة الملف تنطوي على “استهداف سياسي فاضح” لا يخدم الاستقرار الداخلي.
وزير التنمية الإدارية فادي مكي، المصنف خارج حصة “الثنائي الشيعي” من حيث المبدأ والمنسجم معه في التطبيق داخل مجلس الوزراء، يعتبر أن الحكومة أرجأت المشكلة لا أكثر، وأن الأمور ستصل في النهاية إليها. ولا يستبعد أن تنفجر الحكومة في أي لحظة، لكنه يرى أن المخرج الذي ابتكره رئيس الحكومة، على حد قوله، أزال فتيل الانفجار الآن، عبر تأجيل الإحالة بانتظار ما ستنتهي إليه التحقيقات. ويؤكد أن الموضوع سيعاد طرحه على طاولة مجلس الوزراء، نافياً أن تكون الحكومة ألغت قرار الإحالة نهائياً، بل أجلته ونزعت فتيل الأزمة في المرحلة الراهنة إلى حين تهدأ الأمور.
وعن تأثير إعادة طرح الملف على مصير الحكومة، يقول مكي إن الأمر رهن بموقف الحزب والتطورات المقبلة، وبإمكان تدخله في الحرب المتوقعة من عدمه، مضيفاً أن الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات، وأن ما جرى في الجلسة الأخيرة هو تأجيل للمشكلة لا حل لها. ويرفض مكي وصف الحكومة بعدم الجدية، داعياً إلى مراعاة الظرف الراهن، ومعتبراً أن أي قرار ينبغي أن يأخذ في الحسبان العوامل المحيطة به وانعكاساته على الشارع والداخل. ويستبعد تمييع قضية المتفجرات، لأن الخارج وضع الملف “تحت المجهر” ولا مجال إلا للتصرف بشفافية، قبل أن يستدرك “لكن في لبنان كل شيء وارد”.
عوامل خارجية وداخلية تمنع سقوط الحكومة
في المقابل، تؤكد مصادر سياسية رفيعة أنه لو كانت الظروف طبيعية لكان على الحكومة أن ترحل، إذ لم تحقق إنجازاً يذكر وطنياً أو اقتصادياً أو تربوياً، ولم تفِ بما وعدت به. غير أن البلاد ليست في ظروف طبيعية، فالحكومة ولدت من توافقات خارجية ساهمت في تشكيلها، من رئيسها إلى غالبية وزرائها، مما يعني أن هزها أو تغييرها يحتاجان إلى التوافقات نفسها، لأن من صنعها هو من يقرر إبقاءها أو تغييرها. والتوافقات الدولية والإقليمية والعربية تصب حتى الآن في اتجاه بقائها، فضلاً عن تعذر تشكيل حكومة جديدة في هذا الظرف.
وتضيف المصادر أن القوى الداخلية القادرة على إسقاط الحكومة ليست متفقة فيما بينها. فالإسقاط يتطلب أكثرية موصوفة داخل الحكومة، أي استقالة ثلث أعضائها، أو أكثرية موصوفة في مجلس النواب، وهي غير متوافرة. والدليل أن الحكومة نالت الثقة مجدداً بأكثرية موصوفة في جلسة مساءلتها الأخيرة في المجلس. ويضاف سبب ثالث هو أن الرؤساء الثلاثة ليسوا على رأي واحد منها، فبعضهم يمدحها وبعضهم ينتقدها وبعضهم لا يتخذ موقفاً واضحاً، لكنهم لا يلتقون على ضرورة إسقاطها. فرئيس مجلس النواب لا يملك الأكثرية لإسقاطها وفق التوازنات الطائفية، ورئيس الحكومة غير مقتنع بالاستقالة ويواصل ترؤسها، ورئيس الجمهورية لا يرغب حالياً في رحيلها، بل يشيد في كل جلسة ببعض الوزراء، ولا سيما وزراء “الحزب”، لجهة إنتاجيتهم.
أما العامل الأخير فهو الاحتلال الإسرائيلي، إذ يصعب إحداث تغيير حكومي في مثل هذا الظرف، على قاعدة أن الضباط لا يغيرون خلال الحرب، والوزراء هم الضباط حالياً. وتشير المصادر إلى أن التمديد لمجلس النواب سنتين حمل في طياته إشارة إلى التمديد للحكومة الحالية أيضاً، على أن تستمر حتى إجراء الانتخابات النيابية.








