الكويت: “الحزب” خطّط لاغتيال وزير الدّاخليّة!

تغيّرت الحروب والقيادات، لكنّ الأساليب التي عرفتها الكويت في الثمانينيّات تعود إلى الواجهة: خلايا سرّيّة، وتوجيهات من الخارج، وتخطيط لتفجيرات واغتيالات. فبعد أكثر من أربعة عقود على العمليّات التي ارتبطت بإيران و”الحزب” اللبنانيّ في زمن الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، تكشف قضيّة أمنيّة جديدة عن مخطّط لاغتيال أحد أبرز رموز الدولة في أعقاب مقتل المرشد الإيرانيّ عليّ خامنئيّ مع اندلاع الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران. ما كان يُعرف في آذار الماضي عن خلايا تستهدف أمن الكويت، بات الآن أكثر وضوحاً: محاولة لنقل المواجهة إلى الداخل، بأدوات تُذكّر بفصل قديم لم يُغلق تماماً.
يوم الإثنين الماضي قضت محكمة جنايات أمن الدولة في الكويت بالإعدام لثلاثة متّهمين، والحبس لثمانية آخرين لمدّة خمس سنوات، في قضيّة التخطيط لاغتيال النائب الأوّل لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخليّة الشيخ فهد يوسف الصباح. الحكم، الذي لم يكن إلا مجرّد نهاية أولى لمسار قضائيّ، فَتَحَ نافذة على ما ظلّ غامضاً منذ آذار الماضي، حين كانت الكويت تُعلن تباعاً إحباط مخطّطات أمنيّة مرتبطة بـ”الحزب” وإيران.
الانتقام للمرشد
التفصيل الأكثر دلالة ورد في الحيثيّات وتقرير الاتّهام: المتّهمون تخابروا مع إيران ومع “الحزب الذي يعمل لمصلحتها”، للقيام بأعمال عدائيّة ضدّ الكويت “في أعقاب مقتل المرشد الأعلى” الإيرانيّ عليّ خامنئي. وفي هذا الربط الزمنيّ تكمن خصوصيّة القضيّة. فالمرشد قُتل في 28 شباط مع بدء الضربات الأميركيّة – الإسرائيليّة، وبعدها بفترة كانت الأجهزة الأمنيّة الكويتيّة تكشف خلايا تخطّط لأعمال تخريب واغتيالات. وهو ما يضع مخطّط الاغتيال في سياق ردّ انتقاميّ محتمل، يشمل أيضاً أعمال تخريب وزعزعة للاستقرار.
لم يكن الحديث عن تهديد عامّ أو رغبة مُبهمة في زعزعة الاستقرار. فقد أظهرت التحقيقات الهدف: وزير الداخليّة، بوصفه أيضاً النائب الأوّل لرئيس مجلس الوزراء. وبحسب التحرّيات، تولّى 3 متّهمين موجودين خارج الكويت توجيه 7 آخرين إلى التخطيط للعمليّة، فعَقَدَ هؤلاء اجتماعات لتحديد كيفيّة التنفيذ وتقاسم الأدوار. وتضمّنت التهم “الشروع في استخدام المفرقعات وجلبها”، لتنفيذ الاغتيال وإشاعة الذعر. هكذا بدا المخطَّط انتقالاً من الارتباط التنظيميّ إلى التحضير لعمل يستهدف مباشرة رأس المؤسّسة الأمنيّة.
اختارت المحكمة، في حيثيّات حكمها، الإضاءة على المعنى السياديّ لما جرى، مؤكّدة أنّ أمن الوطن حقّ للمجتمع كلّه، وأنّ سيادة الدولة لا تقبل “أن تُنازعها فيها إرادة أجنبيّة”، أو أن تتحوّل رموز السلطة إلى أهداف لمخطّطات تُدار من الخارج. والعبارة هنا تتجاوز الجريمة المُحدّدة إلى مشكلة أوسع: محاولة فرض منطق الصراع الإقليميّ على دولة أخرى بواسطة أدوات أمنيّة محليّة.
خلايا بأدوار مختلفة
في آذار الماضي، أعلنت الكويت تباعاً تفكيك 3 خلايا مرتبطة بـ”الحزب”. الأولى اتُّهمت بالتخطيط لنشر الفوضى والإخلال بالنظام العامّ، والثانية بجمع إحداثيّات منشآت حيويّة وتمريرها إلى جهات خارجيّة، والثالثة بالتخطيط لاغتيال رموز وقيادات في الدولة. وأشارت البيانات الأمنيّة إلى تدريبات خارج البلاد على الأسلحة والمُسيّرات والمراقبة، وإلى مضبوطات شملت معدّات اتّصال وأسلحة. لا تكفي هذه الوقائع وحدها لإثبات أنّ الخلايا الثلاث كانت تتلقّى أمراً عمليّاتيّاً واحداً، لكنّها تُظهر تعدّد أشكال التهديد في الأسابيع الأولى للحرب، من التخريب إلى جمع المعلومات وصولاً إلى الاغتيال.
ليس هذا النوع من النشاط جديداً على الكويت. ففي 1983، شهدت البلاد تفجيرات متزامنة استهدفت سفارات ومنشآت حيويّة، وارتبطت بتنظيمات موالية لإيران، بينها مجموعات قريبة من “الحزب” في بدايات نشأته و”صباه”. وفي 1984 ثمّ 1988، تعرّضت طائرتان كويتيّتان للاختطاف في عمليّتَين ارتبطتا بمحاولات الضغط للإفراج عن مسجونين في قضايا التفجيرات. كانت الكويت يومها تعيش ارتدادات الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، فيما أصبحت المطارات والطائرات والمنشآت المدنيّة أدوات ضغط تتجاوز حدود المواجهة العسكريّة.
ثم جاءت قضيّة “خلية العبدليّ” عام 2015، بما كشفته الأحكام من ارتباطات بإيران و”الحزب” وتخزين أسلحة وثياب عسكرية لعشرة ألاف عنصر وتلقّي تدريبات. الجديد في القضيّة الحاليّة أنّ المتّهم الرئيسيّ المحكوم عليه بالإعدام، وهو الشيخ حسين المعتوق، الذي يوصف بأنّه كان ممثّل المرشد الإيرانيّ في الكويت، سبق أن أُدين في قضيّة التستّر على أعضاء تلك الخليّة، قبل أن يشملها عفو أميريّ عام 2021. أمّا المتّهمان الآخران المحكوم عليهما بالإعدام، وهما حسن حاجيه (غير كويتيّ) وعبد الرضا دهقاني (إيرانيّ)، فيُشير تقرير الاتّهام إلى صدور أحكام نهائيّة سابقة بحقهما في قضيّة “خليّة العبدليّ” نفسها. هذه الصلات لا تجعل القضيّتين ملفّاً واحداً، لكنّها تُظهر عودة بعض الأشخاص والارتباطات إلى قلب قضيّة أمنيّة بعد سنوات.
اللافت أنّ الحكم يرجع بفترة الوقائع المنسوبة إلى المجموعة حتّى عام 2017، من دون أن يعني ذلك أنّ التخطيط للاغتيال بدأ قبل تسع سنوات. وهو تمييز ضروريّ لفهم ما يكشفه الملفّ: تاريخ أقدم للارتباطات، ومخطّط اغتيال ظهر في ظرف حرب محدّد.
ما بعد الحرب
ستصل الحرب الأميركيّة – الإيرانيّة، أيّاً تكن نتائجها، إلى نهاية في وقت ما. لكنّ إيران ستبقى، بحكم الجغرافيا، جاراً لدول الخليج العربيّ، وستبقى الحاجة إلى إدارة العلاقة معها قائمة. غير أنّ العودة إلى العلاقات الطبيعيّة ليست مسألة حدود وسفارات فقط، بل تتطلّب حدّاً أدنى من الثقة بأنّ خلافات الدول لا تُدار بالخلايا والتفجيرات والاغتيالات.
هنا تضع الوقائع الكويتيّة سؤالاً صعباً أمام أيّ محاولة لفتح صفحة جديدة مع طهران. فبعد أكثر من 4 عقود، تعود إلى ملفّات القضاء والأمن الأساليب ذاتها التي عرفتها الكويت في الثمانينيّات، وإن اختلفت الظروف والأشخاص. الجغرافيا تجعل التعايش ضرورة، لكن هذه العقليّة التي تعكسها هذه الوقائع لاتفتح الباب، ولو بالحدّ الأدنى، مع النظام الإيرانيّ الحاليّ؟
الكويت: “الحزب” خطّط لاغتيال وزير الدّاخليّة!

تغيّرت الحروب والقيادات، لكنّ الأساليب التي عرفتها الكويت في الثمانينيّات تعود إلى الواجهة: خلايا سرّيّة، وتوجيهات من الخارج، وتخطيط لتفجيرات واغتيالات. فبعد أكثر من أربعة عقود على العمليّات التي ارتبطت بإيران و”الحزب” اللبنانيّ في زمن الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، تكشف قضيّة أمنيّة جديدة عن مخطّط لاغتيال أحد أبرز رموز الدولة في أعقاب مقتل المرشد الإيرانيّ عليّ خامنئيّ مع اندلاع الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران. ما كان يُعرف في آذار الماضي عن خلايا تستهدف أمن الكويت، بات الآن أكثر وضوحاً: محاولة لنقل المواجهة إلى الداخل، بأدوات تُذكّر بفصل قديم لم يُغلق تماماً.
يوم الإثنين الماضي قضت محكمة جنايات أمن الدولة في الكويت بالإعدام لثلاثة متّهمين، والحبس لثمانية آخرين لمدّة خمس سنوات، في قضيّة التخطيط لاغتيال النائب الأوّل لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخليّة الشيخ فهد يوسف الصباح. الحكم، الذي لم يكن إلا مجرّد نهاية أولى لمسار قضائيّ، فَتَحَ نافذة على ما ظلّ غامضاً منذ آذار الماضي، حين كانت الكويت تُعلن تباعاً إحباط مخطّطات أمنيّة مرتبطة بـ”الحزب” وإيران.
الانتقام للمرشد
التفصيل الأكثر دلالة ورد في الحيثيّات وتقرير الاتّهام: المتّهمون تخابروا مع إيران ومع “الحزب الذي يعمل لمصلحتها”، للقيام بأعمال عدائيّة ضدّ الكويت “في أعقاب مقتل المرشد الأعلى” الإيرانيّ عليّ خامنئي. وفي هذا الربط الزمنيّ تكمن خصوصيّة القضيّة. فالمرشد قُتل في 28 شباط مع بدء الضربات الأميركيّة – الإسرائيليّة، وبعدها بفترة كانت الأجهزة الأمنيّة الكويتيّة تكشف خلايا تخطّط لأعمال تخريب واغتيالات. وهو ما يضع مخطّط الاغتيال في سياق ردّ انتقاميّ محتمل، يشمل أيضاً أعمال تخريب وزعزعة للاستقرار.
لم يكن الحديث عن تهديد عامّ أو رغبة مُبهمة في زعزعة الاستقرار. فقد أظهرت التحقيقات الهدف: وزير الداخليّة، بوصفه أيضاً النائب الأوّل لرئيس مجلس الوزراء. وبحسب التحرّيات، تولّى 3 متّهمين موجودين خارج الكويت توجيه 7 آخرين إلى التخطيط للعمليّة، فعَقَدَ هؤلاء اجتماعات لتحديد كيفيّة التنفيذ وتقاسم الأدوار. وتضمّنت التهم “الشروع في استخدام المفرقعات وجلبها”، لتنفيذ الاغتيال وإشاعة الذعر. هكذا بدا المخطَّط انتقالاً من الارتباط التنظيميّ إلى التحضير لعمل يستهدف مباشرة رأس المؤسّسة الأمنيّة.
اختارت المحكمة، في حيثيّات حكمها، الإضاءة على المعنى السياديّ لما جرى، مؤكّدة أنّ أمن الوطن حقّ للمجتمع كلّه، وأنّ سيادة الدولة لا تقبل “أن تُنازعها فيها إرادة أجنبيّة”، أو أن تتحوّل رموز السلطة إلى أهداف لمخطّطات تُدار من الخارج. والعبارة هنا تتجاوز الجريمة المُحدّدة إلى مشكلة أوسع: محاولة فرض منطق الصراع الإقليميّ على دولة أخرى بواسطة أدوات أمنيّة محليّة.
خلايا بأدوار مختلفة
في آذار الماضي، أعلنت الكويت تباعاً تفكيك 3 خلايا مرتبطة بـ”الحزب”. الأولى اتُّهمت بالتخطيط لنشر الفوضى والإخلال بالنظام العامّ، والثانية بجمع إحداثيّات منشآت حيويّة وتمريرها إلى جهات خارجيّة، والثالثة بالتخطيط لاغتيال رموز وقيادات في الدولة. وأشارت البيانات الأمنيّة إلى تدريبات خارج البلاد على الأسلحة والمُسيّرات والمراقبة، وإلى مضبوطات شملت معدّات اتّصال وأسلحة. لا تكفي هذه الوقائع وحدها لإثبات أنّ الخلايا الثلاث كانت تتلقّى أمراً عمليّاتيّاً واحداً، لكنّها تُظهر تعدّد أشكال التهديد في الأسابيع الأولى للحرب، من التخريب إلى جمع المعلومات وصولاً إلى الاغتيال.
ليس هذا النوع من النشاط جديداً على الكويت. ففي 1983، شهدت البلاد تفجيرات متزامنة استهدفت سفارات ومنشآت حيويّة، وارتبطت بتنظيمات موالية لإيران، بينها مجموعات قريبة من “الحزب” في بدايات نشأته و”صباه”. وفي 1984 ثمّ 1988، تعرّضت طائرتان كويتيّتان للاختطاف في عمليّتَين ارتبطتا بمحاولات الضغط للإفراج عن مسجونين في قضايا التفجيرات. كانت الكويت يومها تعيش ارتدادات الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، فيما أصبحت المطارات والطائرات والمنشآت المدنيّة أدوات ضغط تتجاوز حدود المواجهة العسكريّة.
ثم جاءت قضيّة “خلية العبدليّ” عام 2015، بما كشفته الأحكام من ارتباطات بإيران و”الحزب” وتخزين أسلحة وثياب عسكرية لعشرة ألاف عنصر وتلقّي تدريبات. الجديد في القضيّة الحاليّة أنّ المتّهم الرئيسيّ المحكوم عليه بالإعدام، وهو الشيخ حسين المعتوق، الذي يوصف بأنّه كان ممثّل المرشد الإيرانيّ في الكويت، سبق أن أُدين في قضيّة التستّر على أعضاء تلك الخليّة، قبل أن يشملها عفو أميريّ عام 2021. أمّا المتّهمان الآخران المحكوم عليهما بالإعدام، وهما حسن حاجيه (غير كويتيّ) وعبد الرضا دهقاني (إيرانيّ)، فيُشير تقرير الاتّهام إلى صدور أحكام نهائيّة سابقة بحقهما في قضيّة “خليّة العبدليّ” نفسها. هذه الصلات لا تجعل القضيّتين ملفّاً واحداً، لكنّها تُظهر عودة بعض الأشخاص والارتباطات إلى قلب قضيّة أمنيّة بعد سنوات.
اللافت أنّ الحكم يرجع بفترة الوقائع المنسوبة إلى المجموعة حتّى عام 2017، من دون أن يعني ذلك أنّ التخطيط للاغتيال بدأ قبل تسع سنوات. وهو تمييز ضروريّ لفهم ما يكشفه الملفّ: تاريخ أقدم للارتباطات، ومخطّط اغتيال ظهر في ظرف حرب محدّد.
ما بعد الحرب
ستصل الحرب الأميركيّة – الإيرانيّة، أيّاً تكن نتائجها، إلى نهاية في وقت ما. لكنّ إيران ستبقى، بحكم الجغرافيا، جاراً لدول الخليج العربيّ، وستبقى الحاجة إلى إدارة العلاقة معها قائمة. غير أنّ العودة إلى العلاقات الطبيعيّة ليست مسألة حدود وسفارات فقط، بل تتطلّب حدّاً أدنى من الثقة بأنّ خلافات الدول لا تُدار بالخلايا والتفجيرات والاغتيالات.
هنا تضع الوقائع الكويتيّة سؤالاً صعباً أمام أيّ محاولة لفتح صفحة جديدة مع طهران. فبعد أكثر من 4 عقود، تعود إلى ملفّات القضاء والأمن الأساليب ذاتها التي عرفتها الكويت في الثمانينيّات، وإن اختلفت الظروف والأشخاص. الجغرافيا تجعل التعايش ضرورة، لكن هذه العقليّة التي تعكسها هذه الوقائع لاتفتح الباب، ولو بالحدّ الأدنى، مع النظام الإيرانيّ الحاليّ؟










