المنطقة تقترب من حافة “الانفجار الكبير”… ولبنان قد يدفع الفاتورة الباهظة

ما بين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، وبغض النظر عن نتائجها، وبين الانتخابات الأميركية النصفية، تكثر التحذيرات من عودة الحرب إلى الشرق الأوسط، وتتزايد التكهنات بشأن مواجهة جديدة قد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، في ظل احتدام الصراع الإقليمي وتداخل الحسابات الأميركية والإيرانية والإسرائيلية. وبين من يتحدث عن حرب باتت وشيكة، ومن يراهن على أن الدبلوماسية ستنجح في احتواء التصعيد، يبقى السؤال الأهم: ماذا لو فشلت محاولات التهدئة، وآخرها الاجتماع الرباعي في طهران، وقرر الأطراف المعنيون الانتقال من سياسة الضغط والتهديد إلى المواجهة المفتوحة؟
والمشكلة هنا، أن لبنان لم يستعد بعد قدرته على النهوض من الحرب السابقة، فيما يجد نفسه أمام احتمال حرب جديدة. فالجنوب لا يزال يواجه آثار الدمار والنزوح، والاقتصاد لم يستعد عافيته، وإعادة الإعمار تصطدم بتحديات مالية وسياسية، فيما لا تزال الدولة تسعى إلى تثبيت سلطتها وبسط قرارها الأمني على كامل أراضيها. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي مواجهة واسعة لن تكون مجرد جولة عسكرية إضافية، بل تهديدًا لما تبقى من قدرة اللبنانيين على الصمود.
والأخطر أن لبنان قد يجد نفسه مرة أخرى أمام معادلة تُرسم خارج حدوده، ثم يُطلب منه أن يتحمل نتائجها. فإذا اتسعت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، أو قررت إسرائيل توسيع عملياتها في المنطقة، فإن الجبهة اللبنانية قد تصبح إحدى ساحات تبادل الرسائل والضغوطات، سواء أراد اللبنانيون ذلك أم لم يريدوه.
وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية. فهل يستطيع لبنان أن يحمي نفسه من أن يتحول إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية، أو إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى تتجاوز قدراته وإمكاناته؟
لا تكفي الإجابة عن هذا السؤال بتكرار الدعوات إلى تجنيب لبنان الحرب. فهذه الدعوات، على أهميتها، لا تتحول إلى ضمانات ما لم تستند إلى قرار وطني واضح، ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، وتفاهم داخلي يحول دون جرّ البلاد إلى مواجهة لا تحتمل كلفتها.
كما أن الرهان على أن الآخرين سيقررون وحدهم مصير لبنان ليس سياسة مقبولة، بل هو انتظار محفوف بالمخاطر. فالدول التي تحمي نفسها لا تكتفي بمراقبة التحركات العسكرية أو قراءة التصريحات المتبادلة، بل تستعد للأسوأ، وتعمل في الوقت نفسه على منع وقوعه.
وهذا ما يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار بالغ الدقة. فالمطلوب ليس التهويل ولا نشر الذعر، وليس أيضًا التعامل مع احتمالات التصعيد وكأنها مجرد شائعات. المطلوب تقدير جدي للمخاطر، وتنسيق بين المؤسسات المعنية، وحماية الجبهة الداخلية، والاستعداد للتداعيات الإنسانية والاقتصادية والأمنية لأي تصعيد محتمل.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الاستعداد عن السؤال الأساسي المتعلق بقرار الحرب والسلم. فكلما اقتربت المنطقة من مواجهة واسعة، ازدادت الحاجة إلى أن يكون القرار المتصل بمصير اللبنانيين قرارًا وطنيًا مسؤولًا، تحكمه مصلحة لبنان وقدرة شعبه على الاحتمال، لا حسابات المحاور أو رهانات القوى الإقليمية.
فليس من المنطقي أن يطالب اللبنانيون بإعادة بناء بلدهم، ثم يجدوا أنفسهم أمام حرب جديدة قبل أن تلتئم جراح الحرب السابقة. وليس من المقبول أن يبقى مستقبل الجنوب وسلامة سكانه واستقرار البلاد كلها رهينة مسارات لا يملك المواطنون أي قدرة على التأثير فيها.
ومع ذلك، فإن الحديث عن حرب وشيكة لا يعني أن اندلاعها أصبح حتميًا. فالمسارات الدبلوماسية لا تزال قادرة، متى توافرت الإرادة السياسية، على فتح أبواب التسوية وخفض التصعيد. لكن الحكمة تقتضي ألّا تتحول إمكانية التسوية إلى مبرر لإهمال الاستعداد، كما لا يجوز أن يتحول الخوف من الحرب إلى ذريعة لشلّ الدولة.
لبنان يحتاج اليوم إلى أكثر من بيانات تطمئن المواطنين. يحتاج إلى موقف وطني يحميه من الانجرار إلى المواجهات، وإلى مؤسسات تعمل وفق أولويات واضحة، وإلى تفاهم داخلي يضع أمن اللبنانيين فوق أي اعتبار آخر.
فالخطر ليس فقط أن تشتعل المنطقة من جديد، بل أن يجد لبنان نفسه في قلب النار من دون أن يكون قد حسم كيف يحمي شعبه، أو كيف يمنع تحويل أرضه إلى ساحة لحرب الآخرين.
قد تنجح الدبلوماسية في تجنيب المنطقة مواجهة واسعة، وقد تفشل. لكن ما لا يجوز أن يبقى معلقًا هو حق اللبنانيين في دولة تحميهم، وقرار وطني يصون مصالحهم، وخطة تمنع أن يكونوا أول من يدفع الثمن وآخر من يعرف لماذا اندلعت الحرب.
فالمنطقة قد تكون على حافة النار، لكن لبنان لا يستطيع أن يبقى على حافة القرار.
المنطقة تقترب من حافة “الانفجار الكبير”… ولبنان قد يدفع الفاتورة الباهظة

ما بين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، وبغض النظر عن نتائجها، وبين الانتخابات الأميركية النصفية، تكثر التحذيرات من عودة الحرب إلى الشرق الأوسط، وتتزايد التكهنات بشأن مواجهة جديدة قد تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، في ظل احتدام الصراع الإقليمي وتداخل الحسابات الأميركية والإيرانية والإسرائيلية. وبين من يتحدث عن حرب باتت وشيكة، ومن يراهن على أن الدبلوماسية ستنجح في احتواء التصعيد، يبقى السؤال الأهم: ماذا لو فشلت محاولات التهدئة، وآخرها الاجتماع الرباعي في طهران، وقرر الأطراف المعنيون الانتقال من سياسة الضغط والتهديد إلى المواجهة المفتوحة؟
والمشكلة هنا، أن لبنان لم يستعد بعد قدرته على النهوض من الحرب السابقة، فيما يجد نفسه أمام احتمال حرب جديدة. فالجنوب لا يزال يواجه آثار الدمار والنزوح، والاقتصاد لم يستعد عافيته، وإعادة الإعمار تصطدم بتحديات مالية وسياسية، فيما لا تزال الدولة تسعى إلى تثبيت سلطتها وبسط قرارها الأمني على كامل أراضيها. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي مواجهة واسعة لن تكون مجرد جولة عسكرية إضافية، بل تهديدًا لما تبقى من قدرة اللبنانيين على الصمود.
والأخطر أن لبنان قد يجد نفسه مرة أخرى أمام معادلة تُرسم خارج حدوده، ثم يُطلب منه أن يتحمل نتائجها. فإذا اتسعت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، أو قررت إسرائيل توسيع عملياتها في المنطقة، فإن الجبهة اللبنانية قد تصبح إحدى ساحات تبادل الرسائل والضغوطات، سواء أراد اللبنانيون ذلك أم لم يريدوه.
وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية. فهل يستطيع لبنان أن يحمي نفسه من أن يتحول إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية، أو إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى تتجاوز قدراته وإمكاناته؟
لا تكفي الإجابة عن هذا السؤال بتكرار الدعوات إلى تجنيب لبنان الحرب. فهذه الدعوات، على أهميتها، لا تتحول إلى ضمانات ما لم تستند إلى قرار وطني واضح، ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، وتفاهم داخلي يحول دون جرّ البلاد إلى مواجهة لا تحتمل كلفتها.
كما أن الرهان على أن الآخرين سيقررون وحدهم مصير لبنان ليس سياسة مقبولة، بل هو انتظار محفوف بالمخاطر. فالدول التي تحمي نفسها لا تكتفي بمراقبة التحركات العسكرية أو قراءة التصريحات المتبادلة، بل تستعد للأسوأ، وتعمل في الوقت نفسه على منع وقوعه.
وهذا ما يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار بالغ الدقة. فالمطلوب ليس التهويل ولا نشر الذعر، وليس أيضًا التعامل مع احتمالات التصعيد وكأنها مجرد شائعات. المطلوب تقدير جدي للمخاطر، وتنسيق بين المؤسسات المعنية، وحماية الجبهة الداخلية، والاستعداد للتداعيات الإنسانية والاقتصادية والأمنية لأي تصعيد محتمل.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الاستعداد عن السؤال الأساسي المتعلق بقرار الحرب والسلم. فكلما اقتربت المنطقة من مواجهة واسعة، ازدادت الحاجة إلى أن يكون القرار المتصل بمصير اللبنانيين قرارًا وطنيًا مسؤولًا، تحكمه مصلحة لبنان وقدرة شعبه على الاحتمال، لا حسابات المحاور أو رهانات القوى الإقليمية.
فليس من المنطقي أن يطالب اللبنانيون بإعادة بناء بلدهم، ثم يجدوا أنفسهم أمام حرب جديدة قبل أن تلتئم جراح الحرب السابقة. وليس من المقبول أن يبقى مستقبل الجنوب وسلامة سكانه واستقرار البلاد كلها رهينة مسارات لا يملك المواطنون أي قدرة على التأثير فيها.
ومع ذلك، فإن الحديث عن حرب وشيكة لا يعني أن اندلاعها أصبح حتميًا. فالمسارات الدبلوماسية لا تزال قادرة، متى توافرت الإرادة السياسية، على فتح أبواب التسوية وخفض التصعيد. لكن الحكمة تقتضي ألّا تتحول إمكانية التسوية إلى مبرر لإهمال الاستعداد، كما لا يجوز أن يتحول الخوف من الحرب إلى ذريعة لشلّ الدولة.
لبنان يحتاج اليوم إلى أكثر من بيانات تطمئن المواطنين. يحتاج إلى موقف وطني يحميه من الانجرار إلى المواجهات، وإلى مؤسسات تعمل وفق أولويات واضحة، وإلى تفاهم داخلي يضع أمن اللبنانيين فوق أي اعتبار آخر.
فالخطر ليس فقط أن تشتعل المنطقة من جديد، بل أن يجد لبنان نفسه في قلب النار من دون أن يكون قد حسم كيف يحمي شعبه، أو كيف يمنع تحويل أرضه إلى ساحة لحرب الآخرين.
قد تنجح الدبلوماسية في تجنيب المنطقة مواجهة واسعة، وقد تفشل. لكن ما لا يجوز أن يبقى معلقًا هو حق اللبنانيين في دولة تحميهم، وقرار وطني يصون مصالحهم، وخطة تمنع أن يكونوا أول من يدفع الثمن وآخر من يعرف لماذا اندلعت الحرب.
فالمنطقة قد تكون على حافة النار، لكن لبنان لا يستطيع أن يبقى على حافة القرار.










