رهان الأغبياء على انتخابات إسرائيل!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
29 تشرين الأول 2026

إنقاذ ما تبقّى من لبنان لا يكون بتتبّع نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل بامتلاك الشجاعة السياسية لتبديل النهج اللبناني الداخلي القائم على المماطلة والإرباك، أي الانتقال من موقف “المنتظر اليائس” إلى موقع “المُبادر السياسي” من خلال إرساء قرار أمني وسياسي موحّد يحصر السلاح والقرار العسكري بالدولة.

 

ثمّة غباء واستغباء يميّزان المقاربة السياسية اللبنانية لحدث الانتخابات في إسرائيل. هناك رهان على أن يأتي المخرج لملف نزع السلاح من جانب إسرائيل، أي أن تأتي حكومة متساهلة في موضوع السلاح وتوافق على تنفيذ وقف للنار وانسحابات من الجنوب. وهذا المنطق يتوخّى الهرب من مواجهة الحقيقة، بدلًا من تغيير النهج اللبناني العقيم، الذي شلّ قدرة الدولة على أداء دورها، نتيجة إبقاء القرار الرسمي سجين حسابات “حزب الله”.

إنّه غباء واستغباء لأنّ العودة إلى المفاصل التاريخية للصراع تثبت أنّ الخيارات الأمنية الإسرائيلية لا يُقررها رئيس حكومة بمفرده ولا تُصاغ في أروقة الأحزاب المتنافسة أثناء الحملات الانتخابية، بل تحكمها عقيدة أمنية واستراتيجية ثابتة صيغت أسُسها منذ عهد دايفيد بن غوريون، وهي تقوم على الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، وقد ترسّخت عبر العقود. ولذلك، تتبدّل الوجوه والأحزاب في السلطة هناك، لكن الاستراتيجية تجاه الشرق الأوسط ولبنان تظلّ مسارًا متّصلًا ومؤسّسيًا. وثمّة وقائع تاريخية يجدر الاستناد إليها في هذا الشأن.

1 – في العام 1982، أطلق “الليكود” اليميني بزعامة مناحيم بيغن مشروع اجتياح لبنان، بهدف إنهاء الوجود المسلّح الفلسطيني. وعندما جاءت حكومات “العمل” و”الائتلاف الوطني” لاحقًا بقيادة إسحاق رابين وشمعون بيريز، لم تتراجع إسرائيل عن عمقها الأمني، بل ثبّتت ما سُمّي بـ”الحزام الأمني” في الجنوب لسنوات طويلة، وجاء ذلك بناءً على توصيات المؤسّسة العسكرية والأمنية لا التوجّهات الحزبية.

2 – بين العامين 1993 و1996، خاض إسحاق رابين، من حزب العمل، عملية “تصفية الحساب”، وتلاه شمعون بيريز في عملية “عناقيد الغضب” بعد 3 سنوات، وهما ينتميان إلى تيار اليسار والوسط، وقد اعتمدا الاستراتيجية العسكرية ذاتها في لبنان، لفرض معادلة الردع.

3 – خاض إيهود أولمرت ، من حزب كاديما الوسطي حرب تموز 2006، وفي عهده أُعلنت “عقيدة الضاحية” للردع والتدمير الشامل، وكان رئيس أركانه آنذاك غادي آيزنكوت أحد الأركان الأساسية في صياغتها وتنفيذها. أي إنّ الحرب لم تكن خيارًا يمينيًا متطرّفًا بل عقيدة رسمية أقرّها الوسط واليسار العسكري.

4 – في ما يتعلق بملف إيران النووي وتوسّعها الإقليمي، تعاقبت على حكم إسرائيل أحزاب العمل والليكود وكاديما وحكومات تغيير ائتلافية (بينيت – لابيد)، ولم يتغيّر شيء من الاستراتيجية العليا القاضية بمنع أي قوة إقليمية من منافسة التفوّق العسكري الإسرائيلي، ومن ضمن ذلك توسيع نطاق العمليات الاستباقية في سوريا ولبنان.

لذلك، تؤكّد المعطيات أنّ الآتي بعد الانتخابات الإسرائيلية سيكون عسيرًا وقاسيًا على الجنوب ولبنان ككلّ، بغضّ النظر عن هوية مَن يجلس في مكتب رئيس الوزراء في إسرائيل. فالإجماع السياسي والعسكري هناك بات أكثر راديكاليةً بعد تحوّلات الساحة الإقليمية، ما يعني أنّ حسابات الشريط الأمني لم تعد مجرد أوراق انتخابية لنتنياهو، بل خطة عمل معتمدة لدى هيئة الأركان والمؤسّسة الأمنية بكامل مكوّناتها.

وإنقاذ ما تبقّى من لبنان لا يكون بتتبّع نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل بامتلاك الشجاعة السياسية لتبديل النهج اللبناني الداخلي القائم على المماطلة والإرباك، أي الانتقال من موقف “المنتظر اليائس” إلى موقع “المُبادر السياسي” من خلال إرساء قرار أمني وسياسي موحّد يحصر السلاح والقرار العسكري بالدولة، وتفعيل انتشار الجيش اللبناني بالتعاون مع مظلّة دولية جادة وفاعلة تمنع السيناريوهات الصّادمة في الجنوب والضاحية.

ومن دون هذا التغيير الجذري في آليّة إدارة الدولة اللبنانية لأزماتها، سيكتشف لبنان مع كل انتخابات إسرائيلية أنّ الرهان عليها لتغيير النهج عبثي، وأنّ إضاعة الوقت لا تقدم أي خدمة للبنان، لكنّها تزيد الأكلاف إلى حدود خطيرة.

رهان الأغبياء على انتخابات إسرائيل!

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
29 تشرين الأول 2026

إنقاذ ما تبقّى من لبنان لا يكون بتتبّع نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل بامتلاك الشجاعة السياسية لتبديل النهج اللبناني الداخلي القائم على المماطلة والإرباك، أي الانتقال من موقف “المنتظر اليائس” إلى موقع “المُبادر السياسي” من خلال إرساء قرار أمني وسياسي موحّد يحصر السلاح والقرار العسكري بالدولة.

 

ثمّة غباء واستغباء يميّزان المقاربة السياسية اللبنانية لحدث الانتخابات في إسرائيل. هناك رهان على أن يأتي المخرج لملف نزع السلاح من جانب إسرائيل، أي أن تأتي حكومة متساهلة في موضوع السلاح وتوافق على تنفيذ وقف للنار وانسحابات من الجنوب. وهذا المنطق يتوخّى الهرب من مواجهة الحقيقة، بدلًا من تغيير النهج اللبناني العقيم، الذي شلّ قدرة الدولة على أداء دورها، نتيجة إبقاء القرار الرسمي سجين حسابات “حزب الله”.

إنّه غباء واستغباء لأنّ العودة إلى المفاصل التاريخية للصراع تثبت أنّ الخيارات الأمنية الإسرائيلية لا يُقررها رئيس حكومة بمفرده ولا تُصاغ في أروقة الأحزاب المتنافسة أثناء الحملات الانتخابية، بل تحكمها عقيدة أمنية واستراتيجية ثابتة صيغت أسُسها منذ عهد دايفيد بن غوريون، وهي تقوم على الردع والإنذار المبكر والحسم السريع، وقد ترسّخت عبر العقود. ولذلك، تتبدّل الوجوه والأحزاب في السلطة هناك، لكن الاستراتيجية تجاه الشرق الأوسط ولبنان تظلّ مسارًا متّصلًا ومؤسّسيًا. وثمّة وقائع تاريخية يجدر الاستناد إليها في هذا الشأن.

1 – في العام 1982، أطلق “الليكود” اليميني بزعامة مناحيم بيغن مشروع اجتياح لبنان، بهدف إنهاء الوجود المسلّح الفلسطيني. وعندما جاءت حكومات “العمل” و”الائتلاف الوطني” لاحقًا بقيادة إسحاق رابين وشمعون بيريز، لم تتراجع إسرائيل عن عمقها الأمني، بل ثبّتت ما سُمّي بـ”الحزام الأمني” في الجنوب لسنوات طويلة، وجاء ذلك بناءً على توصيات المؤسّسة العسكرية والأمنية لا التوجّهات الحزبية.

2 – بين العامين 1993 و1996، خاض إسحاق رابين، من حزب العمل، عملية “تصفية الحساب”، وتلاه شمعون بيريز في عملية “عناقيد الغضب” بعد 3 سنوات، وهما ينتميان إلى تيار اليسار والوسط، وقد اعتمدا الاستراتيجية العسكرية ذاتها في لبنان، لفرض معادلة الردع.

3 – خاض إيهود أولمرت ، من حزب كاديما الوسطي حرب تموز 2006، وفي عهده أُعلنت “عقيدة الضاحية” للردع والتدمير الشامل، وكان رئيس أركانه آنذاك غادي آيزنكوت أحد الأركان الأساسية في صياغتها وتنفيذها. أي إنّ الحرب لم تكن خيارًا يمينيًا متطرّفًا بل عقيدة رسمية أقرّها الوسط واليسار العسكري.

4 – في ما يتعلق بملف إيران النووي وتوسّعها الإقليمي، تعاقبت على حكم إسرائيل أحزاب العمل والليكود وكاديما وحكومات تغيير ائتلافية (بينيت – لابيد)، ولم يتغيّر شيء من الاستراتيجية العليا القاضية بمنع أي قوة إقليمية من منافسة التفوّق العسكري الإسرائيلي، ومن ضمن ذلك توسيع نطاق العمليات الاستباقية في سوريا ولبنان.

لذلك، تؤكّد المعطيات أنّ الآتي بعد الانتخابات الإسرائيلية سيكون عسيرًا وقاسيًا على الجنوب ولبنان ككلّ، بغضّ النظر عن هوية مَن يجلس في مكتب رئيس الوزراء في إسرائيل. فالإجماع السياسي والعسكري هناك بات أكثر راديكاليةً بعد تحوّلات الساحة الإقليمية، ما يعني أنّ حسابات الشريط الأمني لم تعد مجرد أوراق انتخابية لنتنياهو، بل خطة عمل معتمدة لدى هيئة الأركان والمؤسّسة الأمنية بكامل مكوّناتها.

وإنقاذ ما تبقّى من لبنان لا يكون بتتبّع نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل بامتلاك الشجاعة السياسية لتبديل النهج اللبناني الداخلي القائم على المماطلة والإرباك، أي الانتقال من موقف “المنتظر اليائس” إلى موقع “المُبادر السياسي” من خلال إرساء قرار أمني وسياسي موحّد يحصر السلاح والقرار العسكري بالدولة، وتفعيل انتشار الجيش اللبناني بالتعاون مع مظلّة دولية جادة وفاعلة تمنع السيناريوهات الصّادمة في الجنوب والضاحية.

ومن دون هذا التغيير الجذري في آليّة إدارة الدولة اللبنانية لأزماتها، سيكتشف لبنان مع كل انتخابات إسرائيلية أنّ الرهان عليها لتغيير النهج عبثي، وأنّ إضاعة الوقت لا تقدم أي خدمة للبنان، لكنّها تزيد الأكلاف إلى حدود خطيرة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار