المخاوف من تجدّد الحرب ترفع منسوب النزوح … أزمة إيجارات تلوح في الأفق

لم تعد المخاوف الأمنية في لبنان محصورة بتداعياتها المباشرة على حركة الاقتصاد والاستثمار، بل باتت تمتدّ إلى أحد أكثر القطاعات التصاقًا بالأمن الاجتماعي، وهو السكن. مع تصاعد احتمالات تجدّد الحرب واتساع رقعة الاستهدافات، تتزايد التساؤلات حول قدرة سوق الإيجارات على استيعاب موجات نزوح محتملة، في ظلّ مخاوف من تقلّص المعروض من الشقق وارتفاع بدلات الإيجار، ولا سيما في المناطق التي يُنظر إليها على أنّها أكثر أمانًا.
لا تنفصل المخاوف من اندلاع الحرب، عن واقع سكني مثقل بالأعباء، حيث تتقاطع الأضرار التي لحقت بالمباني والمساكن مع احتفاظ بعض النازحين بوحدات استأجروها سابقًا تحسّبًا لأي طارئ، وتردّد بعض المالكين في طرح عقاراتهم للإيجار بفعل الهواجس الأمنية والقانونية. ومع أي اختلال بين العرض والطلب، تصبح كلفة الوصول إلى مسكن آمن أكثر ارتفاعًا، فيما تتقلّص الخيارات المتاحة أمام العائلات ذات الدخل المحدود.
لكن، هل دخل لبنان فعلا مرحلة أزمة إيجارات جديدة، أم أنّ السوق تواجه ضغوطًا متفاوتة لا تزال بحاجة إلى قياس دقيق؟ بين مؤشرات ارتفاع بدلات الإيجار، واحتمالات تجدّد النزوح، وغياب إحصاءات حديثة عن العقود الجديدة والوحدات المتاحة، تبرز ضرورة قراءة واقع السوق بعيدًا عن التهويل، مع وضع مسؤولية الدولة في تأمين السكن الآمن واللائق في صلب أي مقاربة لمعالجة الأزمة.
في هذا السياق، تؤكد رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية أنديرا الزهيري لـ «نداء الوطن»، أن «المخاوف من تجدد الحرب قد تؤثر في قرارات المالكين والمستأجرين، وتزيد الضغوط على السوق، وإن كان تحديد حجم الأزمة الفعلية يتطلب بيانات دقيقة».
الطلب يتزايد والمخاوف تتفاقم
توضح الزهيري أن «احتمال تجدّد العمليات العسكرية قد يدفع عائلات، ولا سيما تلك التي سبق أن تعرّضت مناطقها للاستهداف والدمار، إلى البحث عن مساكن بديلة في مناطق أكثر أمانًا، تحسّبًا لأي تطور مفاجئ. إلا أن بعض النازحين الذين استأجروا شققًا خلال فترات الحرب السابقة لا يزالون يحتفظون بها، خشية فقدان ملاذ آمن في ظلّ تعذّر العودة إلى منازلهم المتضررة أو المدمّرة».
وتلفت إلى أن «هذا الواقع يحدّ من الوحدات المتاحة فعليًا للتأجير، في وقت قد يؤدي فيه ارتفاع الطلب إلى زيادة الأسعار، خصوصًا في المناطق التي تستقبل أعدادًا إضافية من العائلات. كما تبرز مشكلة المباني المتضررة والمهدّدة بالسقوط، التي قد تجبر سكانها على إخلائها والبحث عن مساكن بديلة، ما يضيف ضغطًا آخر على سوق الإيجارات».
وتحذّر الزهيري من أن «استمرار الترقّب الأمني قد يغيّر سلوك السوق حتى قبل تجدّد الحرب، إذ قد يسارع البعض إلى حجز شقق احتياطية، فيما يتريّث مالكون آخرون في تأجير عقاراتهم بسبب المخاوف الأمنية والقانونية».
الأرقام تكشف الضغوط
بحسب تقرير للبنك الدولي عن الأضرار والخسائر واحتياجات التعافي في لبنان، قُدّر المخزون السكني في البلاد عام 2024 بنحو 1.65 مليون وحدة، بلغت نسبة الوحدات المؤجّرة منها نحو 18.4 %، أي ما يعادل حسابيًا قرابة 303,600 وحدة سكنية.
غير أن هذه النسبة تعبّر عن الوحدات المؤجّرة عمومًا وفق بيانات عام 2024، ولا تمثّل عدد العقود الجديدة المبرمة خلال عام 2026، كما لا تعني أنّ جميع الوحدات السكنية متاحة لاستقبال مستأجرين جدد.
وفي مؤشر إضافي إلى الضغوط التي يشهدها القطاع، أظهرت بيانات الإيجارات الشهرية الواردة في تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ارتفاع متوسط بدل الإيجار الشهري من نحو 8.83 ملايين ليرة عام 2024 إلى نحو 10.74 ملايين ليرة عام 2025، بزيادة تقارب 18 %.
وترى الزهيري أن «هذه المؤشرات تعكس ارتفاع كلفة السكن، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد حجم الأزمة الراهنة أو ربط الزيادات مباشرة بالظروف الأمنية». لذلك، تدعو إلى «إجراء مسح رسمي يحدّد عدد الشقق الشاغرة والمعروضة فعليًا للإيجار، والعقود الجديدة، ومتوسط البدلات بحسب المناطق، والوحدات التي خرجت من السوق نتيجة الدمار أو الأضرار الإنشائية أو استمرار إشغالها».
هواجس المالكين وحقوق المستأجرين
لا يقتصر الضغط على تزايد الطلب، إذ تشير الزهيري إلى أن «الظروف الأمنية تدفع بعض المالكين إلى التريّث في تأجير عقاراتهم، خشية تعرّض المباني وسكانها والممتلكات المجاورة للخطر. وتضاف إلى هذه الهواجس المخاوف من النزاعات التعاقدية أو التعديلات التشريعية الاستثنائية التي قد تؤثر في قدرة المالك على استرداد ملكه وفقًا للقانون».
لكنّها تشدّد على «ضرورة عدم تحويل هذه المخاوف إلى أحكام مسبقة بحق النازحين أو مبرّر للتمييز ضدّهم»، مؤكدة أن «النزوح لا يجعل الإنسان مصدر خطر بحدّ ذاته». وتعتبر أن «تعزيز الثقة بين المالك والمستأجر، وضمان وضوح العقود والحقوق والالتزامات، يشكّلان عنصرين أساسيين لاستمرار حركة التأجير في ظلّ عدم الاستقرار».
وفي هذا الإطار، تحذّر من «الخلط بين الإيجارات الجديدة والإيجارات القديمة الخاضعة لتشريعات خاصة»، معتبرة أن «الضغوط الحالية على سوق السكن لا تبرّر تلقائيًا تعديلات تشريعية لا ترتبط مباشرة بمعالجة الحاجة السكنية الراهنة».
الدولة أمام مسؤولية إسكانية
في حال تجدّد الحرب واتساع النزوح، ترجّح الزهيري أن «تتزايد الضغوط على الوحدات السكنية المتاحة، بما قد يدفع بدلات الإيجار إلى الارتفاع في بعض المناطق، من دون أن يعني ذلك أنّ الزيادة حتمية على المستوى الوطني أو أنّ كل ارتفاع مبرّر اقتصاديًا».
وتؤكد أن «مواجهة الأزمة تتطلب مراقبة شفافة للأسعار والعقود، والحدّ من استغلال حاجة الناس إلى المأوى، إلى جانب وضع سياسة إسكانية متكاملة تتيح توفير مساكن آمنة ولائقة، بما يشمل البحث في مشاريع سكنية مدعومة وقروض ميسّرة وخيارات الإيجار التملّكي».
وتخلص الزهيري إلى أن «التحدي لا يقتصر على استيعاب الطلب المتزايد، بل يشمل حماية حقّ السكن وصون الملكية الخاصة في آن واحد، داعيةً إلى إدارة الملف استنادًا إلى الأرقام والقانون، بعيدًا عن التهويل والتجاذبات السياسية. فمع تصاعد المخاوف الأمنية، يبقى توفير السكن الآمن وضمان استقرار العلاقة بين المالك والمستأجر من أبرز الاختبارات التي تواجه لبنان».
المخاوف من تجدّد الحرب ترفع منسوب النزوح … أزمة إيجارات تلوح في الأفق

لم تعد المخاوف الأمنية في لبنان محصورة بتداعياتها المباشرة على حركة الاقتصاد والاستثمار، بل باتت تمتدّ إلى أحد أكثر القطاعات التصاقًا بالأمن الاجتماعي، وهو السكن. مع تصاعد احتمالات تجدّد الحرب واتساع رقعة الاستهدافات، تتزايد التساؤلات حول قدرة سوق الإيجارات على استيعاب موجات نزوح محتملة، في ظلّ مخاوف من تقلّص المعروض من الشقق وارتفاع بدلات الإيجار، ولا سيما في المناطق التي يُنظر إليها على أنّها أكثر أمانًا.
لا تنفصل المخاوف من اندلاع الحرب، عن واقع سكني مثقل بالأعباء، حيث تتقاطع الأضرار التي لحقت بالمباني والمساكن مع احتفاظ بعض النازحين بوحدات استأجروها سابقًا تحسّبًا لأي طارئ، وتردّد بعض المالكين في طرح عقاراتهم للإيجار بفعل الهواجس الأمنية والقانونية. ومع أي اختلال بين العرض والطلب، تصبح كلفة الوصول إلى مسكن آمن أكثر ارتفاعًا، فيما تتقلّص الخيارات المتاحة أمام العائلات ذات الدخل المحدود.
لكن، هل دخل لبنان فعلا مرحلة أزمة إيجارات جديدة، أم أنّ السوق تواجه ضغوطًا متفاوتة لا تزال بحاجة إلى قياس دقيق؟ بين مؤشرات ارتفاع بدلات الإيجار، واحتمالات تجدّد النزوح، وغياب إحصاءات حديثة عن العقود الجديدة والوحدات المتاحة، تبرز ضرورة قراءة واقع السوق بعيدًا عن التهويل، مع وضع مسؤولية الدولة في تأمين السكن الآمن واللائق في صلب أي مقاربة لمعالجة الأزمة.
في هذا السياق، تؤكد رئيسة الهيئة اللبنانية للعقارات، المحامية أنديرا الزهيري لـ «نداء الوطن»، أن «المخاوف من تجدد الحرب قد تؤثر في قرارات المالكين والمستأجرين، وتزيد الضغوط على السوق، وإن كان تحديد حجم الأزمة الفعلية يتطلب بيانات دقيقة».
الطلب يتزايد والمخاوف تتفاقم
توضح الزهيري أن «احتمال تجدّد العمليات العسكرية قد يدفع عائلات، ولا سيما تلك التي سبق أن تعرّضت مناطقها للاستهداف والدمار، إلى البحث عن مساكن بديلة في مناطق أكثر أمانًا، تحسّبًا لأي تطور مفاجئ. إلا أن بعض النازحين الذين استأجروا شققًا خلال فترات الحرب السابقة لا يزالون يحتفظون بها، خشية فقدان ملاذ آمن في ظلّ تعذّر العودة إلى منازلهم المتضررة أو المدمّرة».
وتلفت إلى أن «هذا الواقع يحدّ من الوحدات المتاحة فعليًا للتأجير، في وقت قد يؤدي فيه ارتفاع الطلب إلى زيادة الأسعار، خصوصًا في المناطق التي تستقبل أعدادًا إضافية من العائلات. كما تبرز مشكلة المباني المتضررة والمهدّدة بالسقوط، التي قد تجبر سكانها على إخلائها والبحث عن مساكن بديلة، ما يضيف ضغطًا آخر على سوق الإيجارات».
وتحذّر الزهيري من أن «استمرار الترقّب الأمني قد يغيّر سلوك السوق حتى قبل تجدّد الحرب، إذ قد يسارع البعض إلى حجز شقق احتياطية، فيما يتريّث مالكون آخرون في تأجير عقاراتهم بسبب المخاوف الأمنية والقانونية».
الأرقام تكشف الضغوط
بحسب تقرير للبنك الدولي عن الأضرار والخسائر واحتياجات التعافي في لبنان، قُدّر المخزون السكني في البلاد عام 2024 بنحو 1.65 مليون وحدة، بلغت نسبة الوحدات المؤجّرة منها نحو 18.4 %، أي ما يعادل حسابيًا قرابة 303,600 وحدة سكنية.
غير أن هذه النسبة تعبّر عن الوحدات المؤجّرة عمومًا وفق بيانات عام 2024، ولا تمثّل عدد العقود الجديدة المبرمة خلال عام 2026، كما لا تعني أنّ جميع الوحدات السكنية متاحة لاستقبال مستأجرين جدد.
وفي مؤشر إضافي إلى الضغوط التي يشهدها القطاع، أظهرت بيانات الإيجارات الشهرية الواردة في تقارير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ارتفاع متوسط بدل الإيجار الشهري من نحو 8.83 ملايين ليرة عام 2024 إلى نحو 10.74 ملايين ليرة عام 2025، بزيادة تقارب 18 %.
وترى الزهيري أن «هذه المؤشرات تعكس ارتفاع كلفة السكن، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد حجم الأزمة الراهنة أو ربط الزيادات مباشرة بالظروف الأمنية». لذلك، تدعو إلى «إجراء مسح رسمي يحدّد عدد الشقق الشاغرة والمعروضة فعليًا للإيجار، والعقود الجديدة، ومتوسط البدلات بحسب المناطق، والوحدات التي خرجت من السوق نتيجة الدمار أو الأضرار الإنشائية أو استمرار إشغالها».
هواجس المالكين وحقوق المستأجرين
لا يقتصر الضغط على تزايد الطلب، إذ تشير الزهيري إلى أن «الظروف الأمنية تدفع بعض المالكين إلى التريّث في تأجير عقاراتهم، خشية تعرّض المباني وسكانها والممتلكات المجاورة للخطر. وتضاف إلى هذه الهواجس المخاوف من النزاعات التعاقدية أو التعديلات التشريعية الاستثنائية التي قد تؤثر في قدرة المالك على استرداد ملكه وفقًا للقانون».
لكنّها تشدّد على «ضرورة عدم تحويل هذه المخاوف إلى أحكام مسبقة بحق النازحين أو مبرّر للتمييز ضدّهم»، مؤكدة أن «النزوح لا يجعل الإنسان مصدر خطر بحدّ ذاته». وتعتبر أن «تعزيز الثقة بين المالك والمستأجر، وضمان وضوح العقود والحقوق والالتزامات، يشكّلان عنصرين أساسيين لاستمرار حركة التأجير في ظلّ عدم الاستقرار».
وفي هذا الإطار، تحذّر من «الخلط بين الإيجارات الجديدة والإيجارات القديمة الخاضعة لتشريعات خاصة»، معتبرة أن «الضغوط الحالية على سوق السكن لا تبرّر تلقائيًا تعديلات تشريعية لا ترتبط مباشرة بمعالجة الحاجة السكنية الراهنة».
الدولة أمام مسؤولية إسكانية
في حال تجدّد الحرب واتساع النزوح، ترجّح الزهيري أن «تتزايد الضغوط على الوحدات السكنية المتاحة، بما قد يدفع بدلات الإيجار إلى الارتفاع في بعض المناطق، من دون أن يعني ذلك أنّ الزيادة حتمية على المستوى الوطني أو أنّ كل ارتفاع مبرّر اقتصاديًا».
وتؤكد أن «مواجهة الأزمة تتطلب مراقبة شفافة للأسعار والعقود، والحدّ من استغلال حاجة الناس إلى المأوى، إلى جانب وضع سياسة إسكانية متكاملة تتيح توفير مساكن آمنة ولائقة، بما يشمل البحث في مشاريع سكنية مدعومة وقروض ميسّرة وخيارات الإيجار التملّكي».
وتخلص الزهيري إلى أن «التحدي لا يقتصر على استيعاب الطلب المتزايد، بل يشمل حماية حقّ السكن وصون الملكية الخاصة في آن واحد، داعيةً إلى إدارة الملف استنادًا إلى الأرقام والقانون، بعيدًا عن التهويل والتجاذبات السياسية. فمع تصاعد المخاوف الأمنية، يبقى توفير السكن الآمن وضمان استقرار العلاقة بين المالك والمستأجر من أبرز الاختبارات التي تواجه لبنان».










