خاص – الادّعاء العسكري ممرّ نحو المجلس العدلي أم مخرج للتنفيس؟

في الأروقة السياسية والقضائية والأمنية، تحوّل الادّعاء العسكري في ملف شحنة متفجرات ضهر البيدر إلى لغز تتجاذبه قراءتان متناقضتان، بين من يرى في هذا الادّعاء المشدّد خطوة استباقية تمهّد الطريق إجبارياً لإحالة الملف إلى المجلس العدلي، ومن يقرأ فيه هندسة قضائية معقّدة لإجهاض هذه الإحالة وتنفيس الاحتقان.
وما يحصل في الواقع هو شدّ حبال بين المحورين المتناقضين، الذي يريد أحدهما ملاحقة “الحزب” وبسط سيادة الدولة، بينما يريد الآخر الاستمرار في استباحة القانون والتحكّم بالبلد على طريقته، والتخويف من حرب أهلية في حال التعرّض له.
ترتكز القراءة الأولى إلى أن الادعاء الصارم الصادر عن القاضي كلود غانم، والذي أدرج الشحنة ضمن أفعال “النيل من سلطة الدولة وتعريض الكيان للخطر”، لم يكن ليتجرأ على توصيف نشاط “حزب الله” اللوجستي بهذه القسوة، لولا حجم الضغوط الأميركية والدولية التي تمارس على أركان الحكم والمؤسسات القضائية والأمنية.
وكان وزير العدل عادل نصّار المطالب بالإحالة إلى المجلس العدلي في حاجة إلى سند قضائي متين للمضيّ في هذه القضيّة. وقد جاء الادعاء بهذه المواد الجنائية الكبرى ليمنحه السلاح القانوني القاطع، ويضع مجلس الوزراء أمام مسؤولياته. إذ كيف لدولة تدّعي السيادة أن ترفض إحالة ملف تُجمع تحقيقاتها العسكرية على أنه يستهدف وجودها وسلطتها؟
ووفق هذه الرؤية، فإن أركان الحكم استجابوا للضغوط التي مارسها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والرسائل التي تبلغها لبنان في مقر “سنتكوم” من تامبا، وكلها تؤكد أن الوضع اللبناني لم يعد يتحمل المواربة. وبالتالي، فإن هذا الادّعاء يمثّل الخطوة الأولى في مسار محتوم يلبّي المطالب الدولية بحظر شبكات التهريب التي يعتمدها “حزب الله” ومحاسبة القيادات التي تقف خلفها. وتهدف الحكومة اللبنانية من وراء ذلك إلى نزع الذريعة التي تعتمدها إسرائيل لمواصلة التوسع جنوباً.
في المقابل، تذهب القراءة الثانية، وهي الأقرب إلى سلوكيات المماطلة اللبنانية المعتادة، إلى أن الادّعاء العسكري ليس سوى تكتيك لتنفيس الضغط، جرى التوافق عليه ضمن تسوية ضمنية بين الرئاستين الأولى والثالثة والثنائي الشيعي، ويراد منها تحقيق ضربة مزدوجة: أولاً، امتصاص غضب القوى السياسية المعترضة، وفي مقدمها “القوات اللبنانية” و”الكتائب”، التي يهدد موقفها بمقاطعة الجلسات الحكومية وشلّ السلطة التنفيذية، إذ إنّ الادعاء العسكري الصارم يُظهر الدولة في مظهر حازم، ويمنح الوزراء المعترضين شجرةً ينزلون عنها للمشاركة في الجلسات ما دام “الملف قيد المتابعة القضائية الجدية”.
أمّا الهدف الثاني، فهو قطع الطريق على المجلس العدلي. فالمحكمة العسكرية تمتلك من المرونة والسريّة وحجم النفوذ السياسي ما يتيح للسلطة إبقاء الملفّ تحت السيطرة وتفادي المحاكمات العلنية الحساسة التي يتطلبها المجلس العدلي. وهذا الأمر يعطي جرعة إضافية من المورفين لتخفيف الضغط الأميركي.
في الواقع، فإنّ الخلاف حول طبيعة هذا القرار يختصر مأزق الدولة اللبنانية. فإما أن يكون الادّعاء العسكري مقدمة لمرحلة من تنفيذ القرارات المتّخذة سابقاً، وعلى رأسها حصر السلاح، وإما أن يكون تخريجة لبنانية تقليدية تستنزف ما تبقى من هيبة الدولة والمؤسسات.
لكن، ما قد يغفله مهندسو التسويات في بيروت هو أن اللعبة لم تعد تُدار محلياً. فالأميركيون الذين يرعون المفاوضات، والإسرائيليون الذين تربض آلتهم العسكرية في قلب الجنوب، يستندون إلى الأفعال الميدانية لا إلى النصوص. وإذا اتضح أن الادعاء كان مجرد مناورة لتنفيس الإحالة إلى المجلس العدلي ومسار المواجهة مع السلاح، فإن العاصفة الآتية من الجنوب، ومن واشنطن، ستتكفل بإسقاط التسوية، وربما بإسقاط واضعيها أيضاً. ولن تنفع المماطلة أو التسويف هذه المرّة.
خاص – الادّعاء العسكري ممرّ نحو المجلس العدلي أم مخرج للتنفيس؟

في الأروقة السياسية والقضائية والأمنية، تحوّل الادّعاء العسكري في ملف شحنة متفجرات ضهر البيدر إلى لغز تتجاذبه قراءتان متناقضتان، بين من يرى في هذا الادّعاء المشدّد خطوة استباقية تمهّد الطريق إجبارياً لإحالة الملف إلى المجلس العدلي، ومن يقرأ فيه هندسة قضائية معقّدة لإجهاض هذه الإحالة وتنفيس الاحتقان.
وما يحصل في الواقع هو شدّ حبال بين المحورين المتناقضين، الذي يريد أحدهما ملاحقة “الحزب” وبسط سيادة الدولة، بينما يريد الآخر الاستمرار في استباحة القانون والتحكّم بالبلد على طريقته، والتخويف من حرب أهلية في حال التعرّض له.
ترتكز القراءة الأولى إلى أن الادعاء الصارم الصادر عن القاضي كلود غانم، والذي أدرج الشحنة ضمن أفعال “النيل من سلطة الدولة وتعريض الكيان للخطر”، لم يكن ليتجرأ على توصيف نشاط “حزب الله” اللوجستي بهذه القسوة، لولا حجم الضغوط الأميركية والدولية التي تمارس على أركان الحكم والمؤسسات القضائية والأمنية.
وكان وزير العدل عادل نصّار المطالب بالإحالة إلى المجلس العدلي في حاجة إلى سند قضائي متين للمضيّ في هذه القضيّة. وقد جاء الادعاء بهذه المواد الجنائية الكبرى ليمنحه السلاح القانوني القاطع، ويضع مجلس الوزراء أمام مسؤولياته. إذ كيف لدولة تدّعي السيادة أن ترفض إحالة ملف تُجمع تحقيقاتها العسكرية على أنه يستهدف وجودها وسلطتها؟
ووفق هذه الرؤية، فإن أركان الحكم استجابوا للضغوط التي مارسها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والرسائل التي تبلغها لبنان في مقر “سنتكوم” من تامبا، وكلها تؤكد أن الوضع اللبناني لم يعد يتحمل المواربة. وبالتالي، فإن هذا الادّعاء يمثّل الخطوة الأولى في مسار محتوم يلبّي المطالب الدولية بحظر شبكات التهريب التي يعتمدها “حزب الله” ومحاسبة القيادات التي تقف خلفها. وتهدف الحكومة اللبنانية من وراء ذلك إلى نزع الذريعة التي تعتمدها إسرائيل لمواصلة التوسع جنوباً.
في المقابل، تذهب القراءة الثانية، وهي الأقرب إلى سلوكيات المماطلة اللبنانية المعتادة، إلى أن الادّعاء العسكري ليس سوى تكتيك لتنفيس الضغط، جرى التوافق عليه ضمن تسوية ضمنية بين الرئاستين الأولى والثالثة والثنائي الشيعي، ويراد منها تحقيق ضربة مزدوجة: أولاً، امتصاص غضب القوى السياسية المعترضة، وفي مقدمها “القوات اللبنانية” و”الكتائب”، التي يهدد موقفها بمقاطعة الجلسات الحكومية وشلّ السلطة التنفيذية، إذ إنّ الادعاء العسكري الصارم يُظهر الدولة في مظهر حازم، ويمنح الوزراء المعترضين شجرةً ينزلون عنها للمشاركة في الجلسات ما دام “الملف قيد المتابعة القضائية الجدية”.
أمّا الهدف الثاني، فهو قطع الطريق على المجلس العدلي. فالمحكمة العسكرية تمتلك من المرونة والسريّة وحجم النفوذ السياسي ما يتيح للسلطة إبقاء الملفّ تحت السيطرة وتفادي المحاكمات العلنية الحساسة التي يتطلبها المجلس العدلي. وهذا الأمر يعطي جرعة إضافية من المورفين لتخفيف الضغط الأميركي.
في الواقع، فإنّ الخلاف حول طبيعة هذا القرار يختصر مأزق الدولة اللبنانية. فإما أن يكون الادّعاء العسكري مقدمة لمرحلة من تنفيذ القرارات المتّخذة سابقاً، وعلى رأسها حصر السلاح، وإما أن يكون تخريجة لبنانية تقليدية تستنزف ما تبقى من هيبة الدولة والمؤسسات.
لكن، ما قد يغفله مهندسو التسويات في بيروت هو أن اللعبة لم تعد تُدار محلياً. فالأميركيون الذين يرعون المفاوضات، والإسرائيليون الذين تربض آلتهم العسكرية في قلب الجنوب، يستندون إلى الأفعال الميدانية لا إلى النصوص. وإذا اتضح أن الادعاء كان مجرد مناورة لتنفيس الإحالة إلى المجلس العدلي ومسار المواجهة مع السلاح، فإن العاصفة الآتية من الجنوب، ومن واشنطن، ستتكفل بإسقاط التسوية، وربما بإسقاط واضعيها أيضاً. ولن تنفع المماطلة أو التسويف هذه المرّة.









