الجنوب بعد “اليونيفيل”… هل يترك المجتمع الدولي لبنان أمام فراغ أمني؟

من بين الأقوال اللبنانية المأثورة للدلالة على أن الوقت يمرّ بسرعة ضوئية قول يُستعمل كثيرًا، وهو أن “الشهر خلف الباب”. وهذا المثل يقودنا إلى النظر إلى ما بعد الباب، وإلى ما يخفيه هذا الباب من مفاجآت قد لا تكون لمصلحة لبنان. فمنذ يوم أمس دخلت السلطة اللبنانية مرحلة العد التنازلي، إذ لم يبقَ أمامها سوى شهرين بالتمام والكمال لبدء انسحاب قوات الطوارئ الدولية من الجنوب. فهذا الملف لم يعد مجرد استحقاق أممي مؤجل إلى نهاية العام 2026، بل بات عنواناً لمواجهة دبلوماسية تتداخل فيها الحسابات اللبنانية والأوروبية والأميركية والإسرائيلية، وسط مخاوف متزايدة من أن تنتهي مهمة القوة الدولية قبل الاتفاق على الجهة التي ستتولى ملء الفراغ الذي قد ينشأ بعد انسحابها.
فالمعضلة تبدأ من القرار 2790 الذي اتخذه مجلس الأمن في آب 2025، والذي مدّد ولاية “اليونيفيل” حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ عملية سحب القوات تدريجياً خلال العام 2027. وهذا يعني أن التمديد مجدداً لا يمكن أن يحصل بمجرد رغبة لبنانية أو مبادرة أوروبية، بل يحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن، وإلى توافق بين القوى المؤثرة فيه، وهو ما لا تبدو ظروفه متوافرة حتى الآن.
وفي رأي أكثر من مرجع ديبلوماسي أن العقدة الأساسية تكمن في الموقف الأميركي والإسرائيلي، اللذين لا يظهران حماسة لاستمرار “اليونيفيل” أو لاستحداث قوة دولية بديلة وفق التصور الأوروبي المطروح.
فواشنطن وتل أبيب تنطلقان من مقاربة أمنية تعتبر أن الصيغة السابقة لم تحقق النتائج المطلوبة في منع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ “حزب الله” في الجنوب، فيما ترى باريس وروما أن الانسحاب من دون ترتيبات انتقالية واضحة قد يعرّض الاستقرار الهش لمزيد من المخاطر، ويضع الجيش أمام مسؤوليات تفوق إمكاناته الحالية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل المطلوب قوة دولية تراقب وتواكب الجيش، أم قوة تمتلك صلاحيات أوسع تتيح لها التعامل مع الخروقات والوقائع الأمنية على الأرض؟ فالفارق بين بعثة أوروبية للدعم والتدريب وبين قوة عسكرية متعددة الجنسيات ليس تفصيلاً تقنياً. الأولى قد تعزز قدرات الجيش، لكنها لا تشكل بالضرورة بديلاً ميدانياً عن “اليونيفيل”، فيما الثانية تحتاج إلى تفويض دولي واضح، وإلى موافقة الدول المشاركة، وإلى تفاهم سياسي حول حدود مهمتها وقواعد عملها.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن الجنوب لا يزال يعيش واقعاً أمنياً شديد الهشاشة. فالاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، والانسحاب الإسرائيلي لم يُستكمل، والجيش مطالب بتوسيع انتشاره وتثبيت سلطة الدولة، فيما لم تُحسم بعد كل الشروط التي تسمح بانتقال آمن ومستقر إلى مرحلة ما بعد “اليونيفيل”. وبالتالي، فإن إنهاء المهمة الدولية قبل استكمال هذه الترتيبات قد يفتح الباب أمام واقع ميداني جديد، لا يملك لبنان وحده القدرة على ضبط مساراته.
والأكثر إحراجاً أن المجتمع الدولي يطالب لبنان ببسط سلطته على كامل أراضيه وتعزيز دور جيشه، لكنه يتجه في الوقت نفسه إلى إنهاء مهمة القوة التي شكّلت مظلة دولية لمواكبة هذا الجيش في الجنوب، من دون أن يكون قد اتفق بعد على طبيعة الدعم الذي سيحل مكانها. وهنا تصبح مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة، إذ لا يكفي أن تطلب التمديد أو تستقبل مبادرات أوروبية، بل عليها أن تقدم تصوراً واضحاً لما تريده من القوة المقبلة، ولما تستطيع المؤسسة العسكرية تنفيذه فعلياً.
إن الرهان على فرنسا وإيطاليا وحدهما لا يكفي، كما أن انتظار تبدّل الموقف الأميركي والإسرائيلي قد يستهلك الوقت المتبقي قبل نهاية العام. المطلوب تحرك لبناني موحد، يضع حماية الاستقرار ومنع الفراغ الأمني في صدارة الأولويات، ويحول دون استخدام ملف “اليونيفيل” ورقة إضافية في الصراع الإقليمي أو في التجاذبات الداخلية.
فالمسألة لم تعد تتعلق باسم القوة التي ستخلف “اليونيفيل”، بل بطبيعة الدور الذي ستؤديه، وبالضمانات التي ستوفرها للجيش ولأهالي الجنوب، وبمدى قدرتها على منع فرض وقائع أمنية جديدة على الحدود.
فهل تنجح الدبلوماسية اللبنانية والأوروبية في انتزاع تسوية دولية تُبقي مظلة أمنية في الجنوب، أم أن “اليونيفيل” ستغادر وفق القرار الأممي، فيما يبقى لبنان ينتظر اتفاقاً لم ينجح حتى الآن في تأمينه، في الوقت الذي تتراكم فيه الأزمات على طاولة الحكومة المهدّدة بأن “ينفرط” عقدها ما لم تحسم أمرها وتقرّر أن تكون السلطة الشرعية الوحيدة على امتداد لبنان كله، بدءًا من الجنوب وانتهاء عند حدوده الشرقية والشمالية.
الجنوب بعد “اليونيفيل”… هل يترك المجتمع الدولي لبنان أمام فراغ أمني؟

من بين الأقوال اللبنانية المأثورة للدلالة على أن الوقت يمرّ بسرعة ضوئية قول يُستعمل كثيرًا، وهو أن “الشهر خلف الباب”. وهذا المثل يقودنا إلى النظر إلى ما بعد الباب، وإلى ما يخفيه هذا الباب من مفاجآت قد لا تكون لمصلحة لبنان. فمنذ يوم أمس دخلت السلطة اللبنانية مرحلة العد التنازلي، إذ لم يبقَ أمامها سوى شهرين بالتمام والكمال لبدء انسحاب قوات الطوارئ الدولية من الجنوب. فهذا الملف لم يعد مجرد استحقاق أممي مؤجل إلى نهاية العام 2026، بل بات عنواناً لمواجهة دبلوماسية تتداخل فيها الحسابات اللبنانية والأوروبية والأميركية والإسرائيلية، وسط مخاوف متزايدة من أن تنتهي مهمة القوة الدولية قبل الاتفاق على الجهة التي ستتولى ملء الفراغ الذي قد ينشأ بعد انسحابها.
فالمعضلة تبدأ من القرار 2790 الذي اتخذه مجلس الأمن في آب 2025، والذي مدّد ولاية “اليونيفيل” حتى 31 كانون الأول 2026، على أن تبدأ عملية سحب القوات تدريجياً خلال العام 2027. وهذا يعني أن التمديد مجدداً لا يمكن أن يحصل بمجرد رغبة لبنانية أو مبادرة أوروبية، بل يحتاج إلى قرار جديد من مجلس الأمن، وإلى توافق بين القوى المؤثرة فيه، وهو ما لا تبدو ظروفه متوافرة حتى الآن.
وفي رأي أكثر من مرجع ديبلوماسي أن العقدة الأساسية تكمن في الموقف الأميركي والإسرائيلي، اللذين لا يظهران حماسة لاستمرار “اليونيفيل” أو لاستحداث قوة دولية بديلة وفق التصور الأوروبي المطروح.
فواشنطن وتل أبيب تنطلقان من مقاربة أمنية تعتبر أن الصيغة السابقة لم تحقق النتائج المطلوبة في منع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ “حزب الله” في الجنوب، فيما ترى باريس وروما أن الانسحاب من دون ترتيبات انتقالية واضحة قد يعرّض الاستقرار الهش لمزيد من المخاطر، ويضع الجيش أمام مسؤوليات تفوق إمكاناته الحالية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل المطلوب قوة دولية تراقب وتواكب الجيش، أم قوة تمتلك صلاحيات أوسع تتيح لها التعامل مع الخروقات والوقائع الأمنية على الأرض؟ فالفارق بين بعثة أوروبية للدعم والتدريب وبين قوة عسكرية متعددة الجنسيات ليس تفصيلاً تقنياً. الأولى قد تعزز قدرات الجيش، لكنها لا تشكل بالضرورة بديلاً ميدانياً عن “اليونيفيل”، فيما الثانية تحتاج إلى تفويض دولي واضح، وإلى موافقة الدول المشاركة، وإلى تفاهم سياسي حول حدود مهمتها وقواعد عملها.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن الجنوب لا يزال يعيش واقعاً أمنياً شديد الهشاشة. فالاعتداءات الإسرائيلية مستمرة، والانسحاب الإسرائيلي لم يُستكمل، والجيش مطالب بتوسيع انتشاره وتثبيت سلطة الدولة، فيما لم تُحسم بعد كل الشروط التي تسمح بانتقال آمن ومستقر إلى مرحلة ما بعد “اليونيفيل”. وبالتالي، فإن إنهاء المهمة الدولية قبل استكمال هذه الترتيبات قد يفتح الباب أمام واقع ميداني جديد، لا يملك لبنان وحده القدرة على ضبط مساراته.
والأكثر إحراجاً أن المجتمع الدولي يطالب لبنان ببسط سلطته على كامل أراضيه وتعزيز دور جيشه، لكنه يتجه في الوقت نفسه إلى إنهاء مهمة القوة التي شكّلت مظلة دولية لمواكبة هذا الجيش في الجنوب، من دون أن يكون قد اتفق بعد على طبيعة الدعم الذي سيحل مكانها. وهنا تصبح مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة، إذ لا يكفي أن تطلب التمديد أو تستقبل مبادرات أوروبية، بل عليها أن تقدم تصوراً واضحاً لما تريده من القوة المقبلة، ولما تستطيع المؤسسة العسكرية تنفيذه فعلياً.
إن الرهان على فرنسا وإيطاليا وحدهما لا يكفي، كما أن انتظار تبدّل الموقف الأميركي والإسرائيلي قد يستهلك الوقت المتبقي قبل نهاية العام. المطلوب تحرك لبناني موحد، يضع حماية الاستقرار ومنع الفراغ الأمني في صدارة الأولويات، ويحول دون استخدام ملف “اليونيفيل” ورقة إضافية في الصراع الإقليمي أو في التجاذبات الداخلية.
فالمسألة لم تعد تتعلق باسم القوة التي ستخلف “اليونيفيل”، بل بطبيعة الدور الذي ستؤديه، وبالضمانات التي ستوفرها للجيش ولأهالي الجنوب، وبمدى قدرتها على منع فرض وقائع أمنية جديدة على الحدود.
فهل تنجح الدبلوماسية اللبنانية والأوروبية في انتزاع تسوية دولية تُبقي مظلة أمنية في الجنوب، أم أن “اليونيفيل” ستغادر وفق القرار الأممي، فيما يبقى لبنان ينتظر اتفاقاً لم ينجح حتى الآن في تأمينه، في الوقت الذي تتراكم فيه الأزمات على طاولة الحكومة المهدّدة بأن “ينفرط” عقدها ما لم تحسم أمرها وتقرّر أن تكون السلطة الشرعية الوحيدة على امتداد لبنان كله، بدءًا من الجنوب وانتهاء عند حدوده الشرقية والشمالية.









