حين يصبح مستقبل لبنان رهينة صناديق الآخرين

من المفارقات المقلقة في المشهد اللبناني أن اللبنانيين باتوا ينتظرون كل شيء، إلا أن يقرروا بأنفسهم. ينتظرون الانتخابات الإسرائيلية ليتبينوا أي اتجاه ستسلكه السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، وينتظرون الانتخابات النصفية الأميركية لمعرفة ما إذا كانت موازين القوى داخل الكونغرس ستؤثر في مقاربة واشنطن للملف اللبناني. وبين هذا الانتظار وذاك، يستمر الوقت في استهلاك ما تبقى من هامش القرار اللبناني، فيما الآخرون لا ينتظرون أحداً، بل يرسمون سياساتهم ويتخذون قراراتهم وفق مصالحهم وحساباتهم الخاصة.
ينتظر اللبنانيون الانتخابات الإسرائيلية وكأن هوية رئيس الحكومة المقبل هي التي ستحدد وحدها مستقبل العلاقة مع لبنان، وحدود التصعيد أو التهدئة، وشروط الانسحاب الإسرائيلي، ومصير الترتيبات الأمنية والسياسية على الحدود الجنوبية. لكن إسرائيل، سواء بقي بنيامين نتنياهو في موقعه أو انتقلت رئاسة الحكومة إلى شخصية أخرى، لا تبني استراتيجيتها على ما ينتظره اللبنانيون أو يتمنونه. إنها تتعامل مع لبنان من زاوية مصالحها الأمنية والاستراتيجية، وتحدد أولوياتها وفق حساباتها الداخلية والإقليمية، لا وفق حاجات الدولة اللبنانية أو تطلعاتها.
ولا يعني ذلك أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية بلا أهمية، أو أن وصول شخصية مثل غادي أيزنكوت، إذا ما أتيحت له فرصة تولي رئاسة الحكومة، سيترك بالضرورة المشهد على حاله. لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن تبدّل الأشخاص يعني تلقائياً تبدّل السياسات والثوابت. فالدولة الإسرائيلية، بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية، تملك رؤية تتجاوز الأشخاص، وإن كانت أساليب التنفيذ ودرجة التشدد تختلف باختلاف القيادة والظروف.
أما في واشنطن، فثمة انتظار لبناني آخر لا يقل إشكالية. فالأنظار تتجه إلى الانتخابات النصفية الأميركية، وكأن نتائجها ستحدد مصير السياسة الأميركية تجاه لبنان، أو ستفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للملف اللبناني. والحقيقة أن تغيير الأكثرية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ لا يعني بالضرورة تغييراً في الثوابت الاستراتيجية للولايات المتحدة. فواشنطن، سواء بقي الجمهوريون مسيطرين أو استعاد الديمقراطيون الأكثرية، ستواصل وضع مصالحها القومية في مقدمة حساباتها، وسيبقى أمن إسرائيل ومصالحها عنصراً محورياً في سياستها الشرق أوسطية.
قد تتغير اللغة السياسية، وقد تتبدل الأولويات التكتيكية، وقد تختلف أدوات الضغط والتفاوض بين إدارة وأخرى أو بين أكثرية وأخرى داخل الكونغرس، لكن من السذاجة الاعتقاد بأن انتخابات منتصف الولاية ستدفع الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة سياستها في المنطقة انطلاقاً من المصلحة اللبنانية وحدها. فالدول الكبرى لا تدير علاقاتها وفق ما ينتظره الآخرون منها، بل وفق ما تراه مناسباً لمصالحها.
وهنا تبرز المشكلة اللبنانية الحقيقية. فبدلاً من أن ينطلق لبنان من استراتيجية وطنية واضحة، تحدد ما يريده من إسرائيل، وما ينتظره من الولايات المتحدة، وما يستطيع تقديمه في المقابل، نجده يراقب صناديق الاقتراع في الخارج، ويعلّق استحقاقاته على نتائجها. وكأن المطلوب من الآخرين أن يقرروا أولاً، حتى يتمكن اللبنانيون من تحديد موقفهم لاحقاً.
لكن ماذا لو أدّت نتائج الانتخابات الإسرائيلية إلى غير ما تشتهيه بيروت؟ وماذا لو احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس؟ وماذا لو وصل إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية من هو أكثر تشدداً في مقاربة الملف اللبناني؟ هل يملك لبنان خطة بديلة؟ وهل اتفق اللبنانيون أصلاً على ما يريدونه من المرحلة المقبلة، وعلى حدود التنازلات الممكنة، وعلى الشروط التي لا يمكن تجاوزها؟
إن أخطر ما في هذا الانتظار أنه يخفي عجزاً داخلياً عن إنتاج القرار، ويحوّل التطورات الخارجية إلى شماعة لتعليق المسؤوليات. فلبنان لا يحتاج إلى انتظار رئيس حكومة إسرائيلي جديد لكي يحدد موقفه من سيادته وأمنه، ولا إلى انتظار أكثرية أميركية جديدة لكي يقرر كيف يريد أن يستعيد قراره الوطني ومؤسساته وسلطته على كامل أراضيه.
المطلوب ليس تجاهل المتغيرات الخارجية، بل الاستعداد لها. فالدبلوماسية الناجحة لا تنتظر أن يقرر الآخرون مصيرها، بل تدخل إلى التفاوض وهي تعرف ما تريد، وما تملك، وما تستطيع أن تفرضه أو تدافع عنه. والدولة القادرة لا تكتفي بقراءة التحولات الإقليمية والدولية، بل تبني خياراتها على أساس مصالحها، وتستثمر تلك التحولات لتعزيز موقعها، لا لتبرير عجزها.
لبنان اليوم أمام امتحان يتجاوز الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. إنه أمام امتحان القدرة على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع صاحب القرار، ومن سياسة الانتظار إلى سياسة المبادرة. فالانتخابات في الخارج قد تغيّر الأشخاص والوجوه والأولويات، لكنها لن تغيّر حقيقة أن كل دولة تتحرك وفق مصالحها، وأن أحداً لن يتولى رسم مستقبل لبنان نيابة عن اللبنانيين.
فالآخرون يرسمون سياساتهم، فيما لبنان لا يزال ينتظر نتائج صناديق اقتراعهم. وهذه ليست سياسة خارجية، بل اعتراف مؤلم بفقدان المبادرة والقرار.
حين يصبح مستقبل لبنان رهينة صناديق الآخرين

من المفارقات المقلقة في المشهد اللبناني أن اللبنانيين باتوا ينتظرون كل شيء، إلا أن يقرروا بأنفسهم. ينتظرون الانتخابات الإسرائيلية ليتبينوا أي اتجاه ستسلكه السياسة الإسرائيلية تجاه لبنان، وينتظرون الانتخابات النصفية الأميركية لمعرفة ما إذا كانت موازين القوى داخل الكونغرس ستؤثر في مقاربة واشنطن للملف اللبناني. وبين هذا الانتظار وذاك، يستمر الوقت في استهلاك ما تبقى من هامش القرار اللبناني، فيما الآخرون لا ينتظرون أحداً، بل يرسمون سياساتهم ويتخذون قراراتهم وفق مصالحهم وحساباتهم الخاصة.
ينتظر اللبنانيون الانتخابات الإسرائيلية وكأن هوية رئيس الحكومة المقبل هي التي ستحدد وحدها مستقبل العلاقة مع لبنان، وحدود التصعيد أو التهدئة، وشروط الانسحاب الإسرائيلي، ومصير الترتيبات الأمنية والسياسية على الحدود الجنوبية. لكن إسرائيل، سواء بقي بنيامين نتنياهو في موقعه أو انتقلت رئاسة الحكومة إلى شخصية أخرى، لا تبني استراتيجيتها على ما ينتظره اللبنانيون أو يتمنونه. إنها تتعامل مع لبنان من زاوية مصالحها الأمنية والاستراتيجية، وتحدد أولوياتها وفق حساباتها الداخلية والإقليمية، لا وفق حاجات الدولة اللبنانية أو تطلعاتها.
ولا يعني ذلك أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية بلا أهمية، أو أن وصول شخصية مثل غادي أيزنكوت، إذا ما أتيحت له فرصة تولي رئاسة الحكومة، سيترك بالضرورة المشهد على حاله. لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن تبدّل الأشخاص يعني تلقائياً تبدّل السياسات والثوابت. فالدولة الإسرائيلية، بمؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية، تملك رؤية تتجاوز الأشخاص، وإن كانت أساليب التنفيذ ودرجة التشدد تختلف باختلاف القيادة والظروف.
أما في واشنطن، فثمة انتظار لبناني آخر لا يقل إشكالية. فالأنظار تتجه إلى الانتخابات النصفية الأميركية، وكأن نتائجها ستحدد مصير السياسة الأميركية تجاه لبنان، أو ستفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للملف اللبناني. والحقيقة أن تغيير الأكثرية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ لا يعني بالضرورة تغييراً في الثوابت الاستراتيجية للولايات المتحدة. فواشنطن، سواء بقي الجمهوريون مسيطرين أو استعاد الديمقراطيون الأكثرية، ستواصل وضع مصالحها القومية في مقدمة حساباتها، وسيبقى أمن إسرائيل ومصالحها عنصراً محورياً في سياستها الشرق أوسطية.
قد تتغير اللغة السياسية، وقد تتبدل الأولويات التكتيكية، وقد تختلف أدوات الضغط والتفاوض بين إدارة وأخرى أو بين أكثرية وأخرى داخل الكونغرس، لكن من السذاجة الاعتقاد بأن انتخابات منتصف الولاية ستدفع الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة سياستها في المنطقة انطلاقاً من المصلحة اللبنانية وحدها. فالدول الكبرى لا تدير علاقاتها وفق ما ينتظره الآخرون منها، بل وفق ما تراه مناسباً لمصالحها.
وهنا تبرز المشكلة اللبنانية الحقيقية. فبدلاً من أن ينطلق لبنان من استراتيجية وطنية واضحة، تحدد ما يريده من إسرائيل، وما ينتظره من الولايات المتحدة، وما يستطيع تقديمه في المقابل، نجده يراقب صناديق الاقتراع في الخارج، ويعلّق استحقاقاته على نتائجها. وكأن المطلوب من الآخرين أن يقرروا أولاً، حتى يتمكن اللبنانيون من تحديد موقفهم لاحقاً.
لكن ماذا لو أدّت نتائج الانتخابات الإسرائيلية إلى غير ما تشتهيه بيروت؟ وماذا لو احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس؟ وماذا لو وصل إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية من هو أكثر تشدداً في مقاربة الملف اللبناني؟ هل يملك لبنان خطة بديلة؟ وهل اتفق اللبنانيون أصلاً على ما يريدونه من المرحلة المقبلة، وعلى حدود التنازلات الممكنة، وعلى الشروط التي لا يمكن تجاوزها؟
إن أخطر ما في هذا الانتظار أنه يخفي عجزاً داخلياً عن إنتاج القرار، ويحوّل التطورات الخارجية إلى شماعة لتعليق المسؤوليات. فلبنان لا يحتاج إلى انتظار رئيس حكومة إسرائيلي جديد لكي يحدد موقفه من سيادته وأمنه، ولا إلى انتظار أكثرية أميركية جديدة لكي يقرر كيف يريد أن يستعيد قراره الوطني ومؤسساته وسلطته على كامل أراضيه.
المطلوب ليس تجاهل المتغيرات الخارجية، بل الاستعداد لها. فالدبلوماسية الناجحة لا تنتظر أن يقرر الآخرون مصيرها، بل تدخل إلى التفاوض وهي تعرف ما تريد، وما تملك، وما تستطيع أن تفرضه أو تدافع عنه. والدولة القادرة لا تكتفي بقراءة التحولات الإقليمية والدولية، بل تبني خياراتها على أساس مصالحها، وتستثمر تلك التحولات لتعزيز موقعها، لا لتبرير عجزها.
لبنان اليوم أمام امتحان يتجاوز الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. إنه أمام امتحان القدرة على الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع صاحب القرار، ومن سياسة الانتظار إلى سياسة المبادرة. فالانتخابات في الخارج قد تغيّر الأشخاص والوجوه والأولويات، لكنها لن تغيّر حقيقة أن كل دولة تتحرك وفق مصالحها، وأن أحداً لن يتولى رسم مستقبل لبنان نيابة عن اللبنانيين.
فالآخرون يرسمون سياساتهم، فيما لبنان لا يزال ينتظر نتائج صناديق اقتراعهم. وهذه ليست سياسة خارجية، بل اعتراف مؤلم بفقدان المبادرة والقرار.








