الحرب قد تتأجّل… لكن من يضمن ألّا تقع؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
4 تشرين الثاني 2026

“الحرب ستقع”. “الحرب لن تقع”.

بين هذين الاحتمالين المتناقضين، تعيش المنطقة، ولبنان في قلبها، على وقع الأنباء المتضاربة والتسريبات المتناقلة والتحليلات التي تتأرجح بين التهويل والتهدئة. فكل يوم يحمل رواية جديدة، وكل تصريح يفتح باباً أمام احتمال، فيما تبدو الصورة الإقليمية وكأنها معلّقة بين قرار بالمواجهة ومحاولات متواصلة لمنع الانزلاق إليها. وكأن الجميع ينتظر ساعة الصفر، لكن أحداً لا يملك حتى الآن القدرة على الجزم بما ستؤول إليه الأمور.

غير أن الخطأ في مقاربة المشهد يكمن في التعامل مع تأجيل الحرب وكأنه دليل على تراجع احتمالاتها. فالتجارب القريبة والبعيدة تُظهر أن الحروب لا تبدأ دائماً عندما تبلغ التهديدات ذروتها، كما أنها لا تُمنع بالضرورة عندما تتراجع حدة التصريحات. وقد تكون فترات الهدوء الظاهري جزءاً من إدارة الصراع، أو فرصة أمام الأطراف المعنية لإعادة ترتيب أوراقها، أو اختباراً لمدى استعداد الخصم لتحمّل الضغوط.

من هنا، لا يكفي أن تتكاثر التسريبات التي تتحدث عن وساطات واتصالات ومساعٍ دبلوماسية للقول إن الحرب أصبحت بعيدة. فالدبلوماسية قد تنجح في فتح نافذة للتهدئة، لكنها تحتاج إلى أرضية سياسية وأمنية تسمح بتحويلها إلى تفاهمات قابلة للحياة. أما إذا بقيت أسباب المواجهة قائمة، وبقيت الملفات الأساسية من دون حلول، فإن وقف التصعيد قد لا يكون سوى هدنة مؤقتة، لا أكثر.

والأهم أن حسابات الحرب لا تُبنى فقط على ما تعلنه الأطراف، بل أيضاً على ما تريده وما تخشاه وما تعتقد أنها تستطيع تحقيقه. فهناك فرق بين الرغبة في الحرب والاستعداد لها، وبين التلويح بها واتخاذ قرار خوضها. وقد تكون بعض الأطراف معنية برفع مستوى التهديد لتحسين شروط التفاوض، فيما ترى أطراف أخرى أن إبقاء احتمال المواجهة قائماً يشكل وسيلة ضغط لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية نفسها.

لكن هذه الحسابات، مهما بدت دقيقة في غرف القرار، لا تضمن دائماً السيطرة على مسار الأحداث. فحادث أمني، أو عملية عسكرية تتجاوز التوقعات، أو خطأ في تقدير رد الفعل، قد يفتح الباب أمام تصعيد لا يكون أي من الأطراف قد قرر الذهاب إليه. وفي منطقة تتداخل فيها الجبهات والمصالح والارتباطات الإقليمية، لا يمكن التعامل مع كل حادث باعتباره واقعة معزولة عن السياق الأوسع.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بمدى إدراك الأطراف المعنية أن كلفة الحرب المقبلة قد تكون أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة. فالمنطقة لا تحتاج بكل تأكيد إلى المزيد من الحروب، بل إلى تسويات تضمن الأمن والاستقرار وتحفظ سيادة الدول. ولا يمكن أن يكون الاستقرار الحقيقي مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، فيما تبقى أسباب الصراع كامنة وقابلة للاشتعال في أي لحظة. المطلوب معالجة جذور الأزمات، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها، وإيجاد ترتيبات واضحة تمنع تحويل الدول والشعوب إلى رهائن في صراعات تتجاوز مصالحها الوطنية.

أما لبنان، فهو أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد انتظار ما إذا كانت الحرب ستقع أم لن تقع. فهو لا يملك ترف الدخول في مواجهة جديدة، ولا قدرة اقتصادية أو اجتماعية على تحمّل جولة إضافية من الدمار والنزوح وتعطيل المؤسسات. ومع ذلك، يبقى معرضاً لأن يجد نفسه في قلب أي تصعيد إقليمي، سواء نتيجة قرار يتخذه طرف داخلي، أو نتيجة تطورات تتجاوز حدود قدرته على التأثير فيها.
وهنا تكمن المعضلة

اللبنانية الحقيقية. فالدولة التي يفترض أن تكون المرجعية الوحيدة في قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تكتفي بمراقبة ما يجري، أو أن تنتظر نتائج الاتصالات الخارجية لتعرف مصيرها. كما لا يجوز أن يبقى اللبنانيون أسرى تصريحات متناقضة، يتنقلون يومياً بين الاطمئنان والقلق، من دون أن يعرفوا ما إذا كانت هناك خطة وطنية واضحة لحماية البلاد من تداعيات أي مواجهة محتملة.

إن حماية لبنان لا تبدأ عند اندلاع الحرب، بل قبل ذلك بكثير. تبدأ بامتلاك قرار وطني واضح، وبإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الدستورية، وبترسيخ حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وتعزيز قدرة الجيش اللبناني على بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية. كما تبدأ بإبعاد البلاد عن منطق استخدام ساحتها لتصفية الحسابات الإقليمية، أياً تكن الجهات التي تقف وراء هذه الحسابات أو المبررات التي تُساق لتبريرها.

ولا يعني ذلك تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو التقليل من خطورة الاحتلال والتهديدات التي يتعرض لها لبنان. فالدولة مطالبة بالدفاع عن سيادتها وأرضها وشعبها، وبالعمل على وقف الاعتداءات وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، لكنها مطالبة أيضاً بأن تكون هي صاحبة القرار في كيفية حماية هذه السيادة، وألا يتحول الدفاع عن لبنان إلى عنوان تتنازع عليه قرارات متعددة ومراجع مختلفة.

وبين من يجزم بأن الحرب آتية، ومن يؤكد أنها لن تقع، يبقى اللبنانيون أسرى الانتظار. لكن ما لا يجوز أن يبقى معلقاً هو مصير وطن لا يحتمل مغامرة جديدة، ولا يملك ترف أن يراهن على أن الآخرين سيقررون نيابة عنه متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.

الحرب قد تتأجّل… لكن من يضمن ألّا تقع؟

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
4 تشرين الثاني 2026

“الحرب ستقع”. “الحرب لن تقع”.

بين هذين الاحتمالين المتناقضين، تعيش المنطقة، ولبنان في قلبها، على وقع الأنباء المتضاربة والتسريبات المتناقلة والتحليلات التي تتأرجح بين التهويل والتهدئة. فكل يوم يحمل رواية جديدة، وكل تصريح يفتح باباً أمام احتمال، فيما تبدو الصورة الإقليمية وكأنها معلّقة بين قرار بالمواجهة ومحاولات متواصلة لمنع الانزلاق إليها. وكأن الجميع ينتظر ساعة الصفر، لكن أحداً لا يملك حتى الآن القدرة على الجزم بما ستؤول إليه الأمور.

غير أن الخطأ في مقاربة المشهد يكمن في التعامل مع تأجيل الحرب وكأنه دليل على تراجع احتمالاتها. فالتجارب القريبة والبعيدة تُظهر أن الحروب لا تبدأ دائماً عندما تبلغ التهديدات ذروتها، كما أنها لا تُمنع بالضرورة عندما تتراجع حدة التصريحات. وقد تكون فترات الهدوء الظاهري جزءاً من إدارة الصراع، أو فرصة أمام الأطراف المعنية لإعادة ترتيب أوراقها، أو اختباراً لمدى استعداد الخصم لتحمّل الضغوط.

من هنا، لا يكفي أن تتكاثر التسريبات التي تتحدث عن وساطات واتصالات ومساعٍ دبلوماسية للقول إن الحرب أصبحت بعيدة. فالدبلوماسية قد تنجح في فتح نافذة للتهدئة، لكنها تحتاج إلى أرضية سياسية وأمنية تسمح بتحويلها إلى تفاهمات قابلة للحياة. أما إذا بقيت أسباب المواجهة قائمة، وبقيت الملفات الأساسية من دون حلول، فإن وقف التصعيد قد لا يكون سوى هدنة مؤقتة، لا أكثر.

والأهم أن حسابات الحرب لا تُبنى فقط على ما تعلنه الأطراف، بل أيضاً على ما تريده وما تخشاه وما تعتقد أنها تستطيع تحقيقه. فهناك فرق بين الرغبة في الحرب والاستعداد لها، وبين التلويح بها واتخاذ قرار خوضها. وقد تكون بعض الأطراف معنية برفع مستوى التهديد لتحسين شروط التفاوض، فيما ترى أطراف أخرى أن إبقاء احتمال المواجهة قائماً يشكل وسيلة ضغط لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية نفسها.

لكن هذه الحسابات، مهما بدت دقيقة في غرف القرار، لا تضمن دائماً السيطرة على مسار الأحداث. فحادث أمني، أو عملية عسكرية تتجاوز التوقعات، أو خطأ في تقدير رد الفعل، قد يفتح الباب أمام تصعيد لا يكون أي من الأطراف قد قرر الذهاب إليه. وفي منطقة تتداخل فيها الجبهات والمصالح والارتباطات الإقليمية، لا يمكن التعامل مع كل حادث باعتباره واقعة معزولة عن السياق الأوسع.

وفي هذا السياق، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً يتعلق بمدى إدراك الأطراف المعنية أن كلفة الحرب المقبلة قد تكون أكبر بكثير من أي مكاسب محتملة. فالمنطقة لا تحتاج بكل تأكيد إلى المزيد من الحروب، بل إلى تسويات تضمن الأمن والاستقرار وتحفظ سيادة الدول. ولا يمكن أن يكون الاستقرار الحقيقي مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، فيما تبقى أسباب الصراع كامنة وقابلة للاشتعال في أي لحظة. المطلوب معالجة جذور الأزمات، لا الاكتفاء بإدارة نتائجها، وإيجاد ترتيبات واضحة تمنع تحويل الدول والشعوب إلى رهائن في صراعات تتجاوز مصالحها الوطنية.

أما لبنان، فهو أمام معادلة أكثر تعقيداً من مجرد انتظار ما إذا كانت الحرب ستقع أم لن تقع. فهو لا يملك ترف الدخول في مواجهة جديدة، ولا قدرة اقتصادية أو اجتماعية على تحمّل جولة إضافية من الدمار والنزوح وتعطيل المؤسسات. ومع ذلك، يبقى معرضاً لأن يجد نفسه في قلب أي تصعيد إقليمي، سواء نتيجة قرار يتخذه طرف داخلي، أو نتيجة تطورات تتجاوز حدود قدرته على التأثير فيها.
وهنا تكمن المعضلة

اللبنانية الحقيقية. فالدولة التي يفترض أن تكون المرجعية الوحيدة في قرار الحرب والسلم لا تستطيع أن تكتفي بمراقبة ما يجري، أو أن تنتظر نتائج الاتصالات الخارجية لتعرف مصيرها. كما لا يجوز أن يبقى اللبنانيون أسرى تصريحات متناقضة، يتنقلون يومياً بين الاطمئنان والقلق، من دون أن يعرفوا ما إذا كانت هناك خطة وطنية واضحة لحماية البلاد من تداعيات أي مواجهة محتملة.

إن حماية لبنان لا تبدأ عند اندلاع الحرب، بل قبل ذلك بكثير. تبدأ بامتلاك قرار وطني واضح، وبإعادة الاعتبار إلى المؤسسات الدستورية، وبترسيخ حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وتعزيز قدرة الجيش اللبناني على بسط سلطته على كامل الأراضي اللبنانية. كما تبدأ بإبعاد البلاد عن منطق استخدام ساحتها لتصفية الحسابات الإقليمية، أياً تكن الجهات التي تقف وراء هذه الحسابات أو المبررات التي تُساق لتبريرها.

ولا يعني ذلك تجاهل الاعتداءات الإسرائيلية أو التقليل من خطورة الاحتلال والتهديدات التي يتعرض لها لبنان. فالدولة مطالبة بالدفاع عن سيادتها وأرضها وشعبها، وبالعمل على وقف الاعتداءات وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، لكنها مطالبة أيضاً بأن تكون هي صاحبة القرار في كيفية حماية هذه السيادة، وألا يتحول الدفاع عن لبنان إلى عنوان تتنازع عليه قرارات متعددة ومراجع مختلفة.

وبين من يجزم بأن الحرب آتية، ومن يؤكد أنها لن تقع، يبقى اللبنانيون أسرى الانتظار. لكن ما لا يجوز أن يبقى معلقاً هو مصير وطن لا يحتمل مغامرة جديدة، ولا يملك ترف أن يراهن على أن الآخرين سيقررون نيابة عنه متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار