إيران تتحدّى وإسرائيل تتوعّد: لبنان ورقةٌ.. على فوهة مدفع

يقف لبنان مجدداً على شفير أخطر أطوار “لعبة الروليت الروسية”. فهل ينجح أهل الحكم في تحييد البلد، أم تصيب الرصاصة رأس لبنان، في أي لحظة تُقرر فيها طهران إطلاق المواجهة الإقليمية الشاملة، خصوصاً بعدما أعلن أمس قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اسماعيل قاآني، أن فصائل المقاومة بدأت تنفيذ توجيهات المرشد مجتبى خامنئي، الذي شدد في خطابه على “وحدة الساحات من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن”. وهو بذلك أضفي الغطاء العقائدي المباشر على تورط الساحة اللبنانية في الحرب.
وهكذا، تستجمع إسرائيل كامل ذرائعها. فبين الانكشاف القضائي اللبناني لشبكات المتفجرات في الداخل، والاتهامات السورية المتصاعدة بشأن خلايا حزب الله التي استهدفت مصفاة حمص، وصولاً إلى التصريح اليمني الرسمي لمجلس القيادة الرئاسي حول مشاركة خبراء الحزب عسكرياً مع جماعة “أنصار الله”، تكتمل عناصر المحاصرة.
وأمام هذا الانكشاف، يقود رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام حركة استنفار سياسي وديبلوماسي استباقية. ومن بعبدا، وجه سلام رسالة شديدة اللهجة رداً على كلام خامنئي، محذراً من “جرّ لبنان إلى مغامرات عبثية جديدة خدمة لمصالح خارجية”، ومؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية. ودان سلام صراحة أي تدخل لمجموعات لبنانية في الشؤون الداخلية للدول العربية، وخاصة الأنشطة العسكرية في اليمن. وتوج هذا الموقف باتصال هاتفي أجراه الرئيس عون برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، مؤكداً رفض بيروت الصارم لعمليات التدريب والتسليح التي ينفذها الحزب هناك، ومشدداً على حماية سيادة عدن. ويأتي تحرك سلام وعون الاستباقي تحت سيف الإنذار الذي وجهه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والذي حذر فيه من أن تورط حزب الله مجدداً ستكون كلفته تدميرية على لبنان.
في المقابل، يجد حزب الله نفسه في موضع الإرباك السياسي. فهو سارع إلى إصدار بيان قاطع ينفي فيه وجود خبراء تصفهم النيابة اليمنية بإدارة العمليات والتسليح لجماعة الحوثي، واصفاً الاتهامات الصادرة عن عدن بـِ “العارية عن الصحة”. لكن هذا النفي يأتي فيما تزداد الشكوك الدولية حيال الأدوار اللوجستية المتشعبة للحزب في اليمن وعلى الحدود اللبنانية، وفي سوريا حيث تم الإعلان عن كشف خلية للحزب كانت تخطط لعملية تخريبية في المصفاة. ويبدو رئيس مجلس النواب نبيه بري ملتزماً جانب الصمت في هذه المرحلة. فالحزب سبق أن أعطاه ضمانات في المواجهة الإقليمية السابقة بعدم الانخراط، قبل أن يعود وينخرط في الميدان.
وتتضاعف خطورة هذه التطورات مع ترقب بيروت لنتائج الانتخابات الأميركية والتحركات الإقليمية الوشيكة، كزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي المقررة لبيروت في 18 تشرين الثاني الحالي. والمعضلة الأساسية هي أن إسرائيل لم تعد في حاجة إلى ابتكار الذرائع. فالسلوك اللوجستي والعسكري للحزب ربما يستخدم كمبرر لتنفيذ خطط التوغل البري حتى نهر الأولي، وتثبيت الحصار البحري، فيما الدولة اللبنانية، عبر مواقف عون وسلام، تحاول للمرة الأولى كسر “التعويذة” والوقوف في وجه التوريط الخارجي. غير أن الامتحان الميداني يبقى هو المحك، والإثبات هو ما قاله أمس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في القيادة الشمالية: “لن نسمح لحزب الله بإنشاء بنية تحتية إرهابية في المنطقة. وأي محاولة من جانب العدو لترسيخ وجوده، أو تعزيز قدراته، أو تهديد التجمعات السكانية في شمال إسرائيل، ستُقابل بردٍ فوري وقوي. ويظل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى لمواجهة أي تطورات على الجبهات القريبة والبعيدة، وهو على أتم الاستعداد لتوجيه ضربات لأي عدو يحاول إلحاق الضرر بنا، تماماً كما فعلنا في الماضي“.
اليمن على طاولة بعبدا
كشفت مصادر رسمية لـِ “المدن” أن الاجتماع بين عون وسلام في قصر بعبدا تناول، إلى جانب الملفات الداخلية وجدول أعمال مجلس الوزراء، التطورات الإقليمية في ضوء الانتخابات الأميركية واحتمالات انتقال المواجهة مع إيران إلى مرحلة جديدة. ووفق المصادر، وضع سلام رئيس الجمهورية في أجواء المعلومات والاتهامات المتداولة بشأن مشاركة عناصر وخبراء من حزب الله في دعم جماعة “أنصار الله” في اليمن، وما قد يترتب عليها من تداعيات على علاقات لبنان العربية.
وتشير المصادر إلى أن أهمية البحث لا تنحصر في صحة الاتهامات التي ينفيها الحزب، بل في انتقال هذا الملف إلى أعلى مستوى رسمي، بعدما باتت المخاوف تشمل ما يمكن أن ينجم عن أدوار عسكرية لبنانية خارج الحدود، لا عن احتمال فتح الجبهة الجنوبية وحدها. ولهذا جاء تحرك عون وسلام، بحسب مصادر سياسية، استباقياً، خصوصاً بعد تحذيرات روبيو من الكلفة الباهظة لأي مشاركة جديدة للحزب في الحرب.
وتستعيد المصادر تجربة المواجهة السابقة مع إيران، حين تلقّى بري تطمينات من الحزب بعدم التدخل، قبل أن تتبدل الوقائع الميدانية. ومن هنا، لا يُنظر إلى أي تعهد سياسي جديد كضمانة كافية، ما دام قرار التحرك العسكري خارج مؤسسات الدولة. ولذلك تعمّد سلام، وفق المصادر، الرد على خطاب خامنئي: فـَ “وحدة الساحات” التي تتمسك بها طهران لا يمكن أن تعني إلزام لبنان بقرار حرب لم تتخذه سلطته الدستورية.
نفي الحزب ورسالة بعبدا إلى اليمن
في المقابل، نفت العلاقات الإعلامية في حزب الله الاتهامات الصادرة عن وزير الداخلية اليمني، مؤكدة أنها “عارية عن الصحة جملة وتفصيلاً”، وأن الشعب اليمني يمتلك القدرات والخبرات اللازمة للدفاع عن بلاده من دون تدخل خارجي. ودعا الحزب إلى الحوار بين اليمنيين، حفاظاً على وحدة البلاد واستقرارها.
أما اتصال عون بالعليمي، فتجاوز تبادل المواقف الدبلوماسية إلى تثبيت فصل واضح بين سياسة الدولة اللبنانية وأي نشاط يُنسب إلى مجموعات لبنانية في الخارج. فقد شدد عون على رفض التدخل في الشؤون الداخلية لليمن أو القيام بأنشطة تمس أمنه واستقراره، من دون أن تعلن بعبدا تبنيها صحة الاتهامات الموجهة إلى الحزب. وشكر العليمي الموقف اللبناني، معرباً عن تمنياته للبنان بالأمن والاستقرار.
ولا يبدو السجال مرتبطاً باليمن وحده. فالمسألة تتصل بقدرة بيروت على حماية علاقاتها العربية في وقت تتسع فيه ساحات الصراع المرتبطة بطهران، وبمدى إمكان تحويل الموقف الرسمي الرافض للتدخل إلى سياسة ملزمة على الأرض.
زامير في الخيام: تهديدات وقدرات جديدة
ميدانياً، جاءت زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى قيادة المنطقة الشمالية والفرقة 91 لتعزز مؤشرات التأهب الإسرائيلي. ورافقه قائد المنطقة الشمالية رافي ميلو، وقائد القوات البرية نداف لوتان، وقائد الفرقة 91 يوفال غيز. وأجرى زامير تقييماً عسكرياً وجولة في الخيام، والتقى قادة الألوية العاملة في نطاق الفرقة.
وخلال الزيارة، شدد على أن الفرقة 91 تمثل خط الدفاع الأمامي عن المستوطنات المقابلة للحدود، وقال إن الجيش الإسرائيلي لن يسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته أو ترسيخ وجوده في المنطقة. كما وصف الحزب بأنه “ذراع إيرانية”، معتبراً أن انخراطه في الحرب ألحق الضرر بالدولة اللبنانية ومواطنيها. وتحدث عن استعداد القوات الإسرائيلية لتعميق عملياتها إذا اقتضت الحاجة، في رسالة تضع احتمال التصعيد البري ضمن الخيارات المعلنة.
ولم تقتصر الجولة على التهديدات. فقد اطّلع زامير على نموذج “فريق القتال الروبوتي” الذي عرضه اللواء 769 وكتيبة جمع المعلومات 869، وأوعز بتسريع دمج الوسائل الروبوتية والتكنولوجية في الوحدات المقاتلة. ويعكس هذا العرض سعي الجيش الإسرائيلي إلى توسيع استخدام الوسائل غير المأهولة في العمليات والاستطلاع وحماية قواته، بالتوازي مع استمراره في الضغط العسكري جنوباً.
الجنوب يدفع الثمن والرفض السياسي يتسع
وفي موازاة التصعيد الكلامي، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية. فقد أعلنت وزارة الصحة سقوط شهيد وجريح في غارة استهدفت دراجة نارية في قبريخا، فيما تواصل القصف على بلدات ومناطق حدودية، في ظل تعثر العودة وإعادة الإعمار.
وفي الداخل، حذر النائب وائل أبو فاعور من أن إدخال لبنان في حرب جديدة سيكون “خطيئة لا تُغتفر”، مؤكداً أن مصالح إيران ليست مصالح لبنان، وأن تحديد مصالح البلاد يعود إلى اللبنانيين عبر مؤسساتهم الدستورية. ويتقاطع موقفه مع التحذير الحكومي، من دون أن يلغي استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية أو الأثمان التي يدفعها الجنوبيون بالفعل.
في هذه الأجواء، تترقب بيروت أيضاً زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في 18 تشرين الثاني. ورغم الطابع الاقتصادي والسياسي المعلن للزيارة، فإن توقيتها يمنحها بعداً إضافياً، على خلفية موقع العراق ضمن الساحات التي تناولها خطاب خامنئي، ومساعي لبنان للإبقاء على قنواته العربية مفتوحة.
وتبقى المشكلة الأساسية في الفجوة بين الموقف الرسمي والقدرة على تنفيذه. فعون وسلام يرفضان إقحام لبنان في الحرب، وحزب الله ينفي الاتهامات اليمنية، بينما تلوّح إسرائيل بتوسيع عملياتها. لكن الحسم لا يتوقف على البيانات وحدها، بل على الجهة التي ستملك قرار التحرك العسكري عند اشتعال مواجهة إقليمية جديدة.
إيران تتحدّى وإسرائيل تتوعّد: لبنان ورقةٌ.. على فوهة مدفع

يقف لبنان مجدداً على شفير أخطر أطوار “لعبة الروليت الروسية”. فهل ينجح أهل الحكم في تحييد البلد، أم تصيب الرصاصة رأس لبنان، في أي لحظة تُقرر فيها طهران إطلاق المواجهة الإقليمية الشاملة، خصوصاً بعدما أعلن أمس قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، اسماعيل قاآني، أن فصائل المقاومة بدأت تنفيذ توجيهات المرشد مجتبى خامنئي، الذي شدد في خطابه على “وحدة الساحات من فلسطين ولبنان إلى العراق واليمن”. وهو بذلك أضفي الغطاء العقائدي المباشر على تورط الساحة اللبنانية في الحرب.
وهكذا، تستجمع إسرائيل كامل ذرائعها. فبين الانكشاف القضائي اللبناني لشبكات المتفجرات في الداخل، والاتهامات السورية المتصاعدة بشأن خلايا حزب الله التي استهدفت مصفاة حمص، وصولاً إلى التصريح اليمني الرسمي لمجلس القيادة الرئاسي حول مشاركة خبراء الحزب عسكرياً مع جماعة “أنصار الله”، تكتمل عناصر المحاصرة.
وأمام هذا الانكشاف، يقود رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام حركة استنفار سياسي وديبلوماسي استباقية. ومن بعبدا، وجه سلام رسالة شديدة اللهجة رداً على كلام خامنئي، محذراً من “جرّ لبنان إلى مغامرات عبثية جديدة خدمة لمصالح خارجية”، ومؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية. ودان سلام صراحة أي تدخل لمجموعات لبنانية في الشؤون الداخلية للدول العربية، وخاصة الأنشطة العسكرية في اليمن. وتوج هذا الموقف باتصال هاتفي أجراه الرئيس عون برئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، مؤكداً رفض بيروت الصارم لعمليات التدريب والتسليح التي ينفذها الحزب هناك، ومشدداً على حماية سيادة عدن. ويأتي تحرك سلام وعون الاستباقي تحت سيف الإنذار الذي وجهه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والذي حذر فيه من أن تورط حزب الله مجدداً ستكون كلفته تدميرية على لبنان.
في المقابل، يجد حزب الله نفسه في موضع الإرباك السياسي. فهو سارع إلى إصدار بيان قاطع ينفي فيه وجود خبراء تصفهم النيابة اليمنية بإدارة العمليات والتسليح لجماعة الحوثي، واصفاً الاتهامات الصادرة عن عدن بـِ “العارية عن الصحة”. لكن هذا النفي يأتي فيما تزداد الشكوك الدولية حيال الأدوار اللوجستية المتشعبة للحزب في اليمن وعلى الحدود اللبنانية، وفي سوريا حيث تم الإعلان عن كشف خلية للحزب كانت تخطط لعملية تخريبية في المصفاة. ويبدو رئيس مجلس النواب نبيه بري ملتزماً جانب الصمت في هذه المرحلة. فالحزب سبق أن أعطاه ضمانات في المواجهة الإقليمية السابقة بعدم الانخراط، قبل أن يعود وينخرط في الميدان.
وتتضاعف خطورة هذه التطورات مع ترقب بيروت لنتائج الانتخابات الأميركية والتحركات الإقليمية الوشيكة، كزيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي المقررة لبيروت في 18 تشرين الثاني الحالي. والمعضلة الأساسية هي أن إسرائيل لم تعد في حاجة إلى ابتكار الذرائع. فالسلوك اللوجستي والعسكري للحزب ربما يستخدم كمبرر لتنفيذ خطط التوغل البري حتى نهر الأولي، وتثبيت الحصار البحري، فيما الدولة اللبنانية، عبر مواقف عون وسلام، تحاول للمرة الأولى كسر “التعويذة” والوقوف في وجه التوريط الخارجي. غير أن الامتحان الميداني يبقى هو المحك، والإثبات هو ما قاله أمس رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في القيادة الشمالية: “لن نسمح لحزب الله بإنشاء بنية تحتية إرهابية في المنطقة. وأي محاولة من جانب العدو لترسيخ وجوده، أو تعزيز قدراته، أو تهديد التجمعات السكانية في شمال إسرائيل، ستُقابل بردٍ فوري وقوي. ويظل الجيش الإسرائيلي في حالة تأهب قصوى لمواجهة أي تطورات على الجبهات القريبة والبعيدة، وهو على أتم الاستعداد لتوجيه ضربات لأي عدو يحاول إلحاق الضرر بنا، تماماً كما فعلنا في الماضي“.
اليمن على طاولة بعبدا
كشفت مصادر رسمية لـِ “المدن” أن الاجتماع بين عون وسلام في قصر بعبدا تناول، إلى جانب الملفات الداخلية وجدول أعمال مجلس الوزراء، التطورات الإقليمية في ضوء الانتخابات الأميركية واحتمالات انتقال المواجهة مع إيران إلى مرحلة جديدة. ووفق المصادر، وضع سلام رئيس الجمهورية في أجواء المعلومات والاتهامات المتداولة بشأن مشاركة عناصر وخبراء من حزب الله في دعم جماعة “أنصار الله” في اليمن، وما قد يترتب عليها من تداعيات على علاقات لبنان العربية.
وتشير المصادر إلى أن أهمية البحث لا تنحصر في صحة الاتهامات التي ينفيها الحزب، بل في انتقال هذا الملف إلى أعلى مستوى رسمي، بعدما باتت المخاوف تشمل ما يمكن أن ينجم عن أدوار عسكرية لبنانية خارج الحدود، لا عن احتمال فتح الجبهة الجنوبية وحدها. ولهذا جاء تحرك عون وسلام، بحسب مصادر سياسية، استباقياً، خصوصاً بعد تحذيرات روبيو من الكلفة الباهظة لأي مشاركة جديدة للحزب في الحرب.
وتستعيد المصادر تجربة المواجهة السابقة مع إيران، حين تلقّى بري تطمينات من الحزب بعدم التدخل، قبل أن تتبدل الوقائع الميدانية. ومن هنا، لا يُنظر إلى أي تعهد سياسي جديد كضمانة كافية، ما دام قرار التحرك العسكري خارج مؤسسات الدولة. ولذلك تعمّد سلام، وفق المصادر، الرد على خطاب خامنئي: فـَ “وحدة الساحات” التي تتمسك بها طهران لا يمكن أن تعني إلزام لبنان بقرار حرب لم تتخذه سلطته الدستورية.
نفي الحزب ورسالة بعبدا إلى اليمن
في المقابل، نفت العلاقات الإعلامية في حزب الله الاتهامات الصادرة عن وزير الداخلية اليمني، مؤكدة أنها “عارية عن الصحة جملة وتفصيلاً”، وأن الشعب اليمني يمتلك القدرات والخبرات اللازمة للدفاع عن بلاده من دون تدخل خارجي. ودعا الحزب إلى الحوار بين اليمنيين، حفاظاً على وحدة البلاد واستقرارها.
أما اتصال عون بالعليمي، فتجاوز تبادل المواقف الدبلوماسية إلى تثبيت فصل واضح بين سياسة الدولة اللبنانية وأي نشاط يُنسب إلى مجموعات لبنانية في الخارج. فقد شدد عون على رفض التدخل في الشؤون الداخلية لليمن أو القيام بأنشطة تمس أمنه واستقراره، من دون أن تعلن بعبدا تبنيها صحة الاتهامات الموجهة إلى الحزب. وشكر العليمي الموقف اللبناني، معرباً عن تمنياته للبنان بالأمن والاستقرار.
ولا يبدو السجال مرتبطاً باليمن وحده. فالمسألة تتصل بقدرة بيروت على حماية علاقاتها العربية في وقت تتسع فيه ساحات الصراع المرتبطة بطهران، وبمدى إمكان تحويل الموقف الرسمي الرافض للتدخل إلى سياسة ملزمة على الأرض.
زامير في الخيام: تهديدات وقدرات جديدة
ميدانياً، جاءت زيارة رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى قيادة المنطقة الشمالية والفرقة 91 لتعزز مؤشرات التأهب الإسرائيلي. ورافقه قائد المنطقة الشمالية رافي ميلو، وقائد القوات البرية نداف لوتان، وقائد الفرقة 91 يوفال غيز. وأجرى زامير تقييماً عسكرياً وجولة في الخيام، والتقى قادة الألوية العاملة في نطاق الفرقة.
وخلال الزيارة، شدد على أن الفرقة 91 تمثل خط الدفاع الأمامي عن المستوطنات المقابلة للحدود، وقال إن الجيش الإسرائيلي لن يسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته أو ترسيخ وجوده في المنطقة. كما وصف الحزب بأنه “ذراع إيرانية”، معتبراً أن انخراطه في الحرب ألحق الضرر بالدولة اللبنانية ومواطنيها. وتحدث عن استعداد القوات الإسرائيلية لتعميق عملياتها إذا اقتضت الحاجة، في رسالة تضع احتمال التصعيد البري ضمن الخيارات المعلنة.
ولم تقتصر الجولة على التهديدات. فقد اطّلع زامير على نموذج “فريق القتال الروبوتي” الذي عرضه اللواء 769 وكتيبة جمع المعلومات 869، وأوعز بتسريع دمج الوسائل الروبوتية والتكنولوجية في الوحدات المقاتلة. ويعكس هذا العرض سعي الجيش الإسرائيلي إلى توسيع استخدام الوسائل غير المأهولة في العمليات والاستطلاع وحماية قواته، بالتوازي مع استمراره في الضغط العسكري جنوباً.
الجنوب يدفع الثمن والرفض السياسي يتسع
وفي موازاة التصعيد الكلامي، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية. فقد أعلنت وزارة الصحة سقوط شهيد وجريح في غارة استهدفت دراجة نارية في قبريخا، فيما تواصل القصف على بلدات ومناطق حدودية، في ظل تعثر العودة وإعادة الإعمار.
وفي الداخل، حذر النائب وائل أبو فاعور من أن إدخال لبنان في حرب جديدة سيكون “خطيئة لا تُغتفر”، مؤكداً أن مصالح إيران ليست مصالح لبنان، وأن تحديد مصالح البلاد يعود إلى اللبنانيين عبر مؤسساتهم الدستورية. ويتقاطع موقفه مع التحذير الحكومي، من دون أن يلغي استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية أو الأثمان التي يدفعها الجنوبيون بالفعل.
في هذه الأجواء، تترقب بيروت أيضاً زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في 18 تشرين الثاني. ورغم الطابع الاقتصادي والسياسي المعلن للزيارة، فإن توقيتها يمنحها بعداً إضافياً، على خلفية موقع العراق ضمن الساحات التي تناولها خطاب خامنئي، ومساعي لبنان للإبقاء على قنواته العربية مفتوحة.
وتبقى المشكلة الأساسية في الفجوة بين الموقف الرسمي والقدرة على تنفيذه. فعون وسلام يرفضان إقحام لبنان في الحرب، وحزب الله ينفي الاتهامات اليمنية، بينما تلوّح إسرائيل بتوسيع عملياتها. لكن الحسم لا يتوقف على البيانات وحدها، بل على الجهة التي ستملك قرار التحرك العسكري عند اشتعال مواجهة إقليمية جديدة.








