الكهرباء والنفط سلّة قطرية… ماذا عن العقد اللبنانية؟

الكاتب: كلير شكر | المصدر: اساس ميديا
6 تشرين الثاني 2026

ما سرّ الحماسة القطرية لرعاية مشروع إنقاذ لبنان من العتمة، والدخول بقوة إلى قطاع الكهرباء الذي استنزف خزينة الدولة طوال عقود، واستعصى على محاولات الإصلاح؟ أين تكمن السياسة في هذا الانخراط الهادف إلى تعزيز دور الدوحة من خلال شبكة طاقوية تربط دول الإقليم؟ وأين تكمن العوامل التقنية الاستثمارية المساعدة، والمعرقلة؟ الأهم من ذلك، هل لبنان جاهز لمواكبة المشروع الرباعيّ؟

 

غاب وزير الطاقة جو الصدّي عن جلسة مجلس الوزراء التي كانت مخصصة للكهرباء، ليتوجّه إلى قطر في إطار النقاشات التي تحصل بين الجانبين حول مشروع الاستثمار في مجال الطاقة. اذ تفيد المعلومات بأنّ هذه النقاشات لا تزال في إطارها التقني، ولم تُترجم بعد إلى أوراق أو اتفاقات جاهزة للتوقيع. ما يعني أنّ المشروع لا يزال في بداياته ويتطلب جهوداً تحضيرية كبيرة من الجانب اللبناني قبل الانتقال إلى مرحلة صياغة الاتفاقات.

هذا مع العلم أنّ أولى الخطوات المنتظرة في هذا السياق تتمثّل في توقيع إعلان نوايا بين الدولتين، تمهيداً لإبرام “اتفاق من دولة إلى دولة” بينهما يتيح إطلاق المشاريع المزمع تنفيذها على مرحلتين: مرحلة انتقالية تقوم على استجرار الكهرباء، وقد تكون الأسرع تنفيذاً، تليها مرحلة إنشاء معامل لإنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجدّدة، ومن ثمّ الطاقة التقليدية (تحتاج إلى سنتين أو أكثر).

لا تنظر قطر إلى الاستثمار في الطاقة باعتباره فرصة تجارية، بل بوصفه أداة استراتيجية لتعزيز حضورها في المنطقة، في لحظة إقليمية مفصلية تشهد إعادة ترتيب موازين القوى والنفوذ، ولا سيما في سوريا ولبنان. فالجهة التي تساهم في تأمين الكهرباء والغاز وتطوير البنية التحتية للطاقة تتحول، حكماً، إلى شريك أساسي في أحد أكثر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. ومن شأن ذلك أن يمنح الدوحة حضوراً مستداماً في القرار الاقتصادي، ويعزز وزنها السياسي في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.

لكن المبادرة القطرية، وهي ليست الأولى من نوعها، وإن كانت هذه المرة أكثر عملية، لا تستند إلى الاعتبارات السياسية وحدها، بل تحضر خلفها أيضاً اعتبارات تقنية واستثمارية تتصل بالدور الذي اضطلعت به قطر في مشاريع إعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري. فقد دخلت شركة UCC Holding  القطرية، على رأس ائتلاف دولي لتنفيذ مشاريع واسعة لإنتاج الكهرباء في سوريا، بعدما وُقّعت اتفاقات امتياز لإنشاء وتشغيل ثمانية معامل بقدرة إجمالية تبلغ خمسة آلاف ميغاواط. وقد وفّر هذا الانخراط للشركة موقعاً محورياً في مشاريع الطاقة السورية، وفتح أمامها إمكان توسيع نشاطها إلى لبنان، مستفيدة من الترابط الجغرافي والتقني بين البلدين، ولا سيما شبكات نقل الكهرباء وخط الغاز العربي.

أربعة مسارات

يقوم المشروع القطري المقترح للنهوض بقطاع الكهرباء في لبنان على أربعة مسارات متكاملة، لا تقتصر على إنشاء معامل جديدة لإنتاج الطاقة، بل تشمل أيضاً استجرار الكهرباء من الخارج، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وإنشاء البنية التحتية اللازمة لاستيراد الغاز الطبيعي وإعادة تغويزه (مصطلح علمي وتقني يعني تحويل المادة الصلبة أو السائلة إلى حالة غازية). ويهدف المشروع إلى معالجة أزمة الكهرباء من خلال تنويع مصادر الإنتاج وخفض كلفته وتأمين استدامة التغذية.

ـ المسار الأول: بناء معملين لإنتاج الكهرباء في الزهراني ودير عمار. ويقضي بإنشاء معملين جديدين يعملان على الغاز الطبيعي وفق نظام الدورة المركبة، بقدرة إنتاجية تبلغ 825 ميغاواط لكل معمل، أي ما مجموعه 1650 ميغاواط. ويُفترض أن يشكّل المعملان الركيزة الأساسية للإنتاج المحلي، بما يسمح برفع قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين التغذية.

ـ المسار الثاني: استجرار الكهرباء من الخارج. ويقوم على الاستفادة من الربط الكهربائي مع دول الجوار، سواء عبر سوريا أو من خلال الأردن وتركيا، بحسب الإمكانات الفنية والاتفاقات التي يمكن التوصل إليها. ويتيح هذا المسار تأمين كميات إضافية من الكهرباء خلال المرحلة الانتقالية، ريثما تُنجز مشاريع الإنتاج المحلي. ويتضمن المقترح المعلن استيراد 300 ميغاواط من سوريا في المرحلة الأولى.

ـ المسار الثالث: إنشاء معامل للطاقة المتجددة. ويشمل الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مع استهداف إنتاج 800 ميغاواط من الطاقة الشمسية و440 ميغاواط من الرياح، إضافة إلى إنشاء أنظمة لتخزين الكهرباء بالبطاريات، بما يتيح تنويع مصادر الطاقة وتخفيف الاعتماد على الوقود المستورد.

ـ المسار الرابع: التغويز. وهو أحد المكونات الأساسية للمشروع، ويقضي بإنشاء بنية تحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادته إلى حالته الغازية، تمهيداً لاستخدامه في معامل الإنتاج. ويتضمن المقترح وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغويز، إلى جانب الاستفادة من خط الغاز العربي عبر سوريا، واتفاقاً لتوريد الغاز القطري لمدة عشرين عاماً.

عقبات أساسية

تصطدم الحماسة القطرية للاستثمار في قطاع الكهرباء اللبناني بثلاث عقبات أساسية:

1-  عقبة “مافيوية” بامتياز، تتمثل في شبكات مصالح أصحاب المولدات الخاصة الذين باتوا يمسكون بجزء واسع من السوق، ويتمتع بحمايات سياسية. ولا تقل خطورة عنها مصالح مستوردي الفيول والمازوت، حيث تتقاطع الأرباح والنفوذ السياسي، وسط اتهامات بأن هذا القطاع تحوّل إلى “صندوق أسود” لتمويل جهات متعددة.

2-  عقبة مالية، إذ إن لبنان، بوصفه دولة متعثرة عن سداد ديونها السيادية (Defaulted State)، قد يعجز عن توفير الضمانات التي يطلبها المستثمرون، سواء لاسترداد أموالهم أو لضمان تسديد مستحقاتهم على مدى سنوات.

3-  عقبة تنفيذية وتقنية، وتتعلق بالهدر الفني وغير الفني، والتعديات على الشبكة، وضعف الجباية. ولذلك، فإن زيادة الإنتاج لن تكون مجدية من دون إعادة تأهيل شبكات النقل والتوزيع، وتحسين التحصيل، وإصلاح إدارة القطاع، بما يطمئن المستثمرين إلى أن أموالهم لن تُرمى مجدداً في القعر اللبناني.

الأهم أن قطر لن تقدّم استثمارات مجانية، بل تسعى إلى رعاية اتفاقات يتولى القطاع الخاص تنفيذها وتمويلها، وفق حسابات تجارية واضحة. وبالتالي، فإن الحماسة السياسية القطرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها تجاوز هذه العقبات.

الكهرباء والنفط سلّة قطرية… ماذا عن العقد اللبنانية؟

الكاتب: كلير شكر | المصدر: اساس ميديا
6 تشرين الثاني 2026

ما سرّ الحماسة القطرية لرعاية مشروع إنقاذ لبنان من العتمة، والدخول بقوة إلى قطاع الكهرباء الذي استنزف خزينة الدولة طوال عقود، واستعصى على محاولات الإصلاح؟ أين تكمن السياسة في هذا الانخراط الهادف إلى تعزيز دور الدوحة من خلال شبكة طاقوية تربط دول الإقليم؟ وأين تكمن العوامل التقنية الاستثمارية المساعدة، والمعرقلة؟ الأهم من ذلك، هل لبنان جاهز لمواكبة المشروع الرباعيّ؟

 

غاب وزير الطاقة جو الصدّي عن جلسة مجلس الوزراء التي كانت مخصصة للكهرباء، ليتوجّه إلى قطر في إطار النقاشات التي تحصل بين الجانبين حول مشروع الاستثمار في مجال الطاقة. اذ تفيد المعلومات بأنّ هذه النقاشات لا تزال في إطارها التقني، ولم تُترجم بعد إلى أوراق أو اتفاقات جاهزة للتوقيع. ما يعني أنّ المشروع لا يزال في بداياته ويتطلب جهوداً تحضيرية كبيرة من الجانب اللبناني قبل الانتقال إلى مرحلة صياغة الاتفاقات.

هذا مع العلم أنّ أولى الخطوات المنتظرة في هذا السياق تتمثّل في توقيع إعلان نوايا بين الدولتين، تمهيداً لإبرام “اتفاق من دولة إلى دولة” بينهما يتيح إطلاق المشاريع المزمع تنفيذها على مرحلتين: مرحلة انتقالية تقوم على استجرار الكهرباء، وقد تكون الأسرع تنفيذاً، تليها مرحلة إنشاء معامل لإنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجدّدة، ومن ثمّ الطاقة التقليدية (تحتاج إلى سنتين أو أكثر).

لا تنظر قطر إلى الاستثمار في الطاقة باعتباره فرصة تجارية، بل بوصفه أداة استراتيجية لتعزيز حضورها في المنطقة، في لحظة إقليمية مفصلية تشهد إعادة ترتيب موازين القوى والنفوذ، ولا سيما في سوريا ولبنان. فالجهة التي تساهم في تأمين الكهرباء والغاز وتطوير البنية التحتية للطاقة تتحول، حكماً، إلى شريك أساسي في أحد أكثر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. ومن شأن ذلك أن يمنح الدوحة حضوراً مستداماً في القرار الاقتصادي، ويعزز وزنها السياسي في أي ترتيبات إقليمية مقبلة.

لكن المبادرة القطرية، وهي ليست الأولى من نوعها، وإن كانت هذه المرة أكثر عملية، لا تستند إلى الاعتبارات السياسية وحدها، بل تحضر خلفها أيضاً اعتبارات تقنية واستثمارية تتصل بالدور الذي اضطلعت به قطر في مشاريع إعادة تأهيل قطاع الطاقة السوري. فقد دخلت شركة UCC Holding  القطرية، على رأس ائتلاف دولي لتنفيذ مشاريع واسعة لإنتاج الكهرباء في سوريا، بعدما وُقّعت اتفاقات امتياز لإنشاء وتشغيل ثمانية معامل بقدرة إجمالية تبلغ خمسة آلاف ميغاواط. وقد وفّر هذا الانخراط للشركة موقعاً محورياً في مشاريع الطاقة السورية، وفتح أمامها إمكان توسيع نشاطها إلى لبنان، مستفيدة من الترابط الجغرافي والتقني بين البلدين، ولا سيما شبكات نقل الكهرباء وخط الغاز العربي.

أربعة مسارات

يقوم المشروع القطري المقترح للنهوض بقطاع الكهرباء في لبنان على أربعة مسارات متكاملة، لا تقتصر على إنشاء معامل جديدة لإنتاج الطاقة، بل تشمل أيضاً استجرار الكهرباء من الخارج، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وإنشاء البنية التحتية اللازمة لاستيراد الغاز الطبيعي وإعادة تغويزه (مصطلح علمي وتقني يعني تحويل المادة الصلبة أو السائلة إلى حالة غازية). ويهدف المشروع إلى معالجة أزمة الكهرباء من خلال تنويع مصادر الإنتاج وخفض كلفته وتأمين استدامة التغذية.

ـ المسار الأول: بناء معملين لإنتاج الكهرباء في الزهراني ودير عمار. ويقضي بإنشاء معملين جديدين يعملان على الغاز الطبيعي وفق نظام الدورة المركبة، بقدرة إنتاجية تبلغ 825 ميغاواط لكل معمل، أي ما مجموعه 1650 ميغاواط. ويُفترض أن يشكّل المعملان الركيزة الأساسية للإنتاج المحلي، بما يسمح برفع قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على تأمين التغذية.

ـ المسار الثاني: استجرار الكهرباء من الخارج. ويقوم على الاستفادة من الربط الكهربائي مع دول الجوار، سواء عبر سوريا أو من خلال الأردن وتركيا، بحسب الإمكانات الفنية والاتفاقات التي يمكن التوصل إليها. ويتيح هذا المسار تأمين كميات إضافية من الكهرباء خلال المرحلة الانتقالية، ريثما تُنجز مشاريع الإنتاج المحلي. ويتضمن المقترح المعلن استيراد 300 ميغاواط من سوريا في المرحلة الأولى.

ـ المسار الثالث: إنشاء معامل للطاقة المتجددة. ويشمل الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مع استهداف إنتاج 800 ميغاواط من الطاقة الشمسية و440 ميغاواط من الرياح، إضافة إلى إنشاء أنظمة لتخزين الكهرباء بالبطاريات، بما يتيح تنويع مصادر الطاقة وتخفيف الاعتماد على الوقود المستورد.

ـ المسار الرابع: التغويز. وهو أحد المكونات الأساسية للمشروع، ويقضي بإنشاء بنية تحتية لاستقبال الغاز الطبيعي المسال وإعادته إلى حالته الغازية، تمهيداً لاستخدامه في معامل الإنتاج. ويتضمن المقترح وحدة عائمة للتخزين وإعادة التغويز، إلى جانب الاستفادة من خط الغاز العربي عبر سوريا، واتفاقاً لتوريد الغاز القطري لمدة عشرين عاماً.

عقبات أساسية

تصطدم الحماسة القطرية للاستثمار في قطاع الكهرباء اللبناني بثلاث عقبات أساسية:

1-  عقبة “مافيوية” بامتياز، تتمثل في شبكات مصالح أصحاب المولدات الخاصة الذين باتوا يمسكون بجزء واسع من السوق، ويتمتع بحمايات سياسية. ولا تقل خطورة عنها مصالح مستوردي الفيول والمازوت، حيث تتقاطع الأرباح والنفوذ السياسي، وسط اتهامات بأن هذا القطاع تحوّل إلى “صندوق أسود” لتمويل جهات متعددة.

2-  عقبة مالية، إذ إن لبنان، بوصفه دولة متعثرة عن سداد ديونها السيادية (Defaulted State)، قد يعجز عن توفير الضمانات التي يطلبها المستثمرون، سواء لاسترداد أموالهم أو لضمان تسديد مستحقاتهم على مدى سنوات.

3-  عقبة تنفيذية وتقنية، وتتعلق بالهدر الفني وغير الفني، والتعديات على الشبكة، وضعف الجباية. ولذلك، فإن زيادة الإنتاج لن تكون مجدية من دون إعادة تأهيل شبكات النقل والتوزيع، وتحسين التحصيل، وإصلاح إدارة القطاع، بما يطمئن المستثمرين إلى أن أموالهم لن تُرمى مجدداً في القعر اللبناني.

الأهم أن قطر لن تقدّم استثمارات مجانية، بل تسعى إلى رعاية اتفاقات يتولى القطاع الخاص تنفيذها وتمويلها، وفق حسابات تجارية واضحة. وبالتالي، فإن الحماسة السياسية القطرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها تجاوز هذه العقبات.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار