لا انعكاسات لنتائج الانتخابات الأميركية على لبنان

لا ينبغي للبنان أن يقرأ الانتخابات الأميركية باعتبارها حدثًا سياسيًا سيُعيد تشكيل واقعه، ولا أن يبالغ في تقدير انعكاساتها المباشرة على استقراره وتوازناته. فالسياسة الخارجية الأميركية تتمتّع بدرجة عالية من الاستمرارية، والتغيّرات الداخلية الأميركية لا تتحوّل بالضرورة إلى تحوّلات خارجية موازية. وما قد يتغيّر هو الأسلوب والأدوات ومستوى الانخراط، لا المصالح الاستراتيجية بالضرورة.
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
لماذا لا تعني نتائج صناديق الاقتراع في واشنطن تغييرًا في المعادلات اللبنانية؟
ليس كل ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية ينعكس بالضرورة على بقية دول العالم، وليس كل تحوّل سياسي تشهده واشنطن كفيلًا بإحداث تحوّلات مماثلة في العواصم الأخرى. ولبنان، على الرغم من ارتباطه الوثيق بالتطوّرات الإقليمية والدولية، ليس استثناءً من هذه القاعدة. لذلك، فإنّ التعامل مع نتائج الانتخابات الأميركية، أيًّا تكن طبيعتها، باعتبارها محطةً مفصليةً ستُعيد رسم المشهد السياسي اللبناني أو ستقلب موازين القوى فيه، ينطوي على قدر كبير من المبالغة، ويعكس في جانبٍ منه قراءة سياسية تنطلق من تضخيم الدور الأميركي أكثر ممّا تنطلق من فهم طبيعة المصالح والاستراتيجيات التي تحكم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
إنّ الإشكالية الأساسية في مقاربة نتائج الانتخابات الأميركية تكمن في الاعتقاد بأن تبدّل الأكثرية السياسية أو تغيّر هوية الفائزين سيؤدّي حكمًا إلى تبدّل السياسة الأميركية تجاه لبنان والمنطقة. وهذا الاعتقاد يتجاهل حقيقةً أساسيّةً، وهي أن السياسة الخارجية الأميركية ليست مجرّد انعكاس مباشر لمزاج الناخب الأميركي، ولا هي قرار شخصي يتخذه الرئيس بمعزل عن المؤسّسات ومراكز التأثير ومصالح الدولة العميقة بالمعنى المؤسساتي والاستراتيجي للكلمة.
فالولايات المتحدة دولة مؤسّسات، وتخضع سياستها الخارجية لمنظومة واسعة من المصالح والاعتبارات الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والعسكرية. وتشارك في صياغة هذه السياسة مؤسّسات الرئاسة ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي والكونغرس وأجهزة الاستخبارات، فضلًا عن جماعات الضغط ومراكز الأبحاث والتحالفات الدولية. ومن هنا، فإنّ انتقال السلطة من حزب إلى آخر، أو تسجيل نتائج انتخابية مخالفة للتوقّعات، لا يعني بالضرورة أنّ هذه المنظومة ستتخلّى عن ثوابتها ومصالحها لمجرّد أن الناخبين اختاروا ممثلين سياسيين مختلفين.
ولعلّ أبرز ما يؤكد هذه المقاربة أنّ التغييرات الكبرى في السياسة الخارجية الأميركية تحتاج إلى أكثر من مجرّد فوز انتخابي. فهي تتطلب توافقًا مؤسّساتيًا، وإرادة سياسية مستمرة، وقدرة على تجاوز مقاومة البيروقراطية، فضلًا عن توافر ظروف دولية وإقليمية تسمح بإعادة النظر في الخيارات الاستراتيجية.
من هنا، يُصبح من الضروري التمييز بين التغيير في الخطاب السياسي الأميركي والتغيير الفعلي في السياسات. فقد يتبدّل الخطاب، وتتغيّر لهجة المسؤولين، وتختلف الأولويات المعلنة، وقد نشهد تشدّدًا أو مرونةً في التعامل مع بعض الملفات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّ الأهداف الاستراتيجية الأساسية قد تغيّرت. فالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، بما تتضمّنه من حماية أمن إسرائيل، ومواجهة النفوذ الإيراني، وضمان أمن الممرّات والمصالح الحيوية، والحفاظ على شبكة التحالفات الإقليمية، ليست مصالح مرتبطة بحزب سياسي دون آخر، بل هي جزء من التصوّر الأميركي لدوره وموقعه في النظام الدولي.
وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، لا يبدو أنّ نتائج الانتخابات الأميركية قادرة، بحدّ ذاتها، على إحداث تحوّل تلقائي في التوازنات الداخلية. فلبنان ليس ساحةً تتحكم فيها واشنطن وحدها، ولا إنّ تركيبته السياسية والطائفية تسمح لأي قوة خارجية، مهما بلغ نفوذها، بفرض تغييرات مستدامة من دون مراعاة الحسابات الداخلية والإقليمية. فالقرار السياسي اللبناني يتأثّر بتوازنات القوى المحلية، وبطبيعة النظام الطائفي، وبمواقف القوى السياسية، وبالعلاقة مع إيران وسوريا والدول العربية، فضلًا عن تأثير التطورات الأمنية والعسكرية على الحدود الجنوبية.
وبالتّالي، فإنّ اختزال مستقبل لبنان بنتائج الانتخابات الأميركية يُشكّل تبسيطًا مفرطًا للواقع. فحتى لو جاءت النتائج مخالفةً للتوقّعات، فإنّ ذلك لا يعني أنّ القوى السياسية اللبنانية ستُعيد حساباتها بصورةٍ فوريةٍ، أو أنّ التحالفات الداخلية ستتبدّل، أو أن الملفّات العالقة ستجد طريقها إلى الحل. فهذه الملفات لها أسبابها وتعقيداتها الخاصة، ولا يمكن تجاوزها بمجرّد تبدل الأكثرية الحاكمة في الولايات المتحدة.
ولعلّ التجربة الأميركية مع لبنان تقدّم دليلًا عمليًا على استمرارية المصالح والسياسات. فمنذ سنوات طويلة، حافظت واشنطن على مجموعة من الأهداف الأساسية، أبرزها دعم مؤسّسات الدولة اللبنانية، وتعزيز قدرات الجيش، والحدّ من نفوذ حزب الله، وممارسة الضغوط المالية والسياسية على الجهات التي تعتبرها واشنطن مرتبطة بالنفوذ الإيراني. وقد استمرّت هذه التوجهات عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية مُتعاقبة، وإن اختلفت الوسائل ومستويات الضغط واللغة المستخدمة في التعبير عنها.
كذلك، فإنّ المساعدات الأميركية للجيش اللبناني، والعقوبات المرتبطة بلبنان، والموقف من حزب الله، ودعم مؤسّسات الدولة، كلّها ملفات تحكمها اعتبارات تتجاوز الانتماء الحزبي للرئيس الأميركي. فهذه السياسات ترتبط بتصوّر واشنطن لمصالحها الأمنية في المنطقة، وبطبيعة علاقتها بإسرائيل، وبمقاربتها للنفوذ الإيراني. ومن الصعب تصوّر أن تتخلّى إدارة أميركية جديدة عن هذه الثوابت لمجرّد أنها وصلت إلى السلطة في أعقاب انتخابات حملت مفاجآت سياسية.
ولا يعني ذلك أنّ نتائج الانتخابات الأميركية لا قيمة لها إطلاقًا بالنسبة إلى لبنان، أو أنّ هوية الإدارة الجديدة لا يمكن أن تُحدث أي فارق. فمن الطبيعي أن تختلف الأولويات، وأن تتغيّر آليات التواصل الدبلوماسي، وأن تتفاوت مستويات الانخراط الأميركي في الملفات اللبنانية. كما يمكن أن نشهد اختلافًا في حجم المساعدات، أو طبيعة العقوبات، أو أسلوب التعامل مع القوى السياسية اللبنانية، أو مستوى الضغط من أجل تنفيذ إصلاحات معينة. لكن هذه الاختلافات تبقى في معظم الأحيان ضمن إطار إدارة السياسة القائمة، ولا ترقى تلقائيًا إلى مستوى إعادة تأسيسها.
والأهم أن تأثير الانتخابات الأميركية في لبنان يبقى مرتبطًا بالتطوّرات التي تليها، لا بالنتائج الانتخابية وحدها. فالموقف الأميركي الفعلي يتحدّد من خلال القرارات التنفيذية، والتعيينات الدبلوماسية، والموازنات، والتشريعات، والمفاوضات، وطبيعة التطورات الإقليمية. أمّا التعويل على مجرّد فوز هذا الحزب أو خسارة ذاك، فهو رهان على احتمالات لم تتحوّل بعد إلى سياسات ملموسة.
وفي المقابل، لا يجوز إغفال أنّ لبنان نفسه يمتلك عوامل داخلية تحدّ من قدرة الخارج على إحداث تغيير مباشر وسريع. فالأزمة اللبنانية ليست أزمة قرار أميركي، بل هي أزمة نظام سياسي، وعجز مؤسّساتي، وانعدام ثقة بين المكوّنات السياسية، وارتباطات إقليمية متشابكة، فضلًا عن غياب التوافق الوطني حول عددٍ من القضايا الاستراتيجية. وهذه المشكلات لا يمكن أن تعالجها انتخابات في الولايات المتحدة، مهما كانت نتائجها، ولا يمكن أن تختفي بمجرّد انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى.
من هنا، فإنّ الرّهان على أن نتائج الانتخابات الأميركية ستفتح تلقائيًا مرحلةً سياسيةً جديدةً في لبنان، أو ستؤدّي إلى تبدّل في مواقف القوى الداخلية، أو ستمنح فريقًا سياسيًا أفضليةً على حساب فريق آخر، هو رهان غير واقعي ما لم تدعمه مؤشرات عملية واضحة. فالقوى اللبنانية ليست مجرّد أدوات تنتظر الإشارات الأميركية كي تحدّد خياراتها، بل هي أطراف لها حساباتها ومصالحها وارتباطاتها، وتتحرّك وفق معادلات تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
في المُحصلة، لا ينبغي للبنان أن يقرأ الانتخابات الأميركية باعتبارها حدثًا سياسيًا سيُعيد تشكيل واقعه، ولا أن يبالغ في تقدير انعكاساتها المباشرة على استقراره وتوازناته. فالسياسة الخارجية الأميركية تتمتّع بدرجة عالية من الاستمرارية، والتغيّرات الداخلية الأميركية لا تتحوّل بالضرورة إلى تحوّلات خارجية موازية. وما قد يتغيّر هو الأسلوب والأدوات ومستوى الانخراط، لا المصالح الاستراتيجية بالضرورة.
إنّ لبنان، الذي اعتاد أن يربط استحقاقاته الداخلية بما يجري في العواصم الخارجية، يحتاج اليوم إلى مقاربةٍ أكثر واقعية واستقلالية. فمصيره لا يُحسم في صناديق الاقتراع الأميركية، ولا تتحدّد خياراته بمجرّد تغير الأكثرية في الكونغرس أو هوية الرئيس. وما لم تتغيّر المعادلات اللبنانية نفسها، وتتوافر إرادة داخلية حقيقية لمعالجة الأزمات، فإنّ نتائج الانتخابات الأميركية ستبقى حدثًا خارجيًا قد يستدعي المتابعة والتحليل، لكنّه لن يكون بحدّ ذاته عاملًا حاسمًا في تغيير السياسة اللبنانية.
فالانتخابات الأميركية قد تغيّر شاغلي مراكز القرار في واشنطن، لكنّها لا تعني بالضرورة تغيير قواعد اللعبة في بيروت. وليس كل تحوّل في أميركا تحوّلًا في لبنان، كما أنّ اختلاف النتائج عن التوقّعات لا يعني أن الواقع اللبناني بات أمام مرحلة سياسية مختلفة.
لا انعكاسات لنتائج الانتخابات الأميركية على لبنان

لا ينبغي للبنان أن يقرأ الانتخابات الأميركية باعتبارها حدثًا سياسيًا سيُعيد تشكيل واقعه، ولا أن يبالغ في تقدير انعكاساتها المباشرة على استقراره وتوازناته. فالسياسة الخارجية الأميركية تتمتّع بدرجة عالية من الاستمرارية، والتغيّرات الداخلية الأميركية لا تتحوّل بالضرورة إلى تحوّلات خارجية موازية. وما قد يتغيّر هو الأسلوب والأدوات ومستوى الانخراط، لا المصالح الاستراتيجية بالضرورة.
كتب جان الفغالي لـ”هنا لبنان”:
لماذا لا تعني نتائج صناديق الاقتراع في واشنطن تغييرًا في المعادلات اللبنانية؟
ليس كل ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية ينعكس بالضرورة على بقية دول العالم، وليس كل تحوّل سياسي تشهده واشنطن كفيلًا بإحداث تحوّلات مماثلة في العواصم الأخرى. ولبنان، على الرغم من ارتباطه الوثيق بالتطوّرات الإقليمية والدولية، ليس استثناءً من هذه القاعدة. لذلك، فإنّ التعامل مع نتائج الانتخابات الأميركية، أيًّا تكن طبيعتها، باعتبارها محطةً مفصليةً ستُعيد رسم المشهد السياسي اللبناني أو ستقلب موازين القوى فيه، ينطوي على قدر كبير من المبالغة، ويعكس في جانبٍ منه قراءة سياسية تنطلق من تضخيم الدور الأميركي أكثر ممّا تنطلق من فهم طبيعة المصالح والاستراتيجيات التي تحكم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
إنّ الإشكالية الأساسية في مقاربة نتائج الانتخابات الأميركية تكمن في الاعتقاد بأن تبدّل الأكثرية السياسية أو تغيّر هوية الفائزين سيؤدّي حكمًا إلى تبدّل السياسة الأميركية تجاه لبنان والمنطقة. وهذا الاعتقاد يتجاهل حقيقةً أساسيّةً، وهي أن السياسة الخارجية الأميركية ليست مجرّد انعكاس مباشر لمزاج الناخب الأميركي، ولا هي قرار شخصي يتخذه الرئيس بمعزل عن المؤسّسات ومراكز التأثير ومصالح الدولة العميقة بالمعنى المؤسساتي والاستراتيجي للكلمة.
فالولايات المتحدة دولة مؤسّسات، وتخضع سياستها الخارجية لمنظومة واسعة من المصالح والاعتبارات الاستراتيجية والأمنية والاقتصادية والعسكرية. وتشارك في صياغة هذه السياسة مؤسّسات الرئاسة ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي والكونغرس وأجهزة الاستخبارات، فضلًا عن جماعات الضغط ومراكز الأبحاث والتحالفات الدولية. ومن هنا، فإنّ انتقال السلطة من حزب إلى آخر، أو تسجيل نتائج انتخابية مخالفة للتوقّعات، لا يعني بالضرورة أنّ هذه المنظومة ستتخلّى عن ثوابتها ومصالحها لمجرّد أن الناخبين اختاروا ممثلين سياسيين مختلفين.
ولعلّ أبرز ما يؤكد هذه المقاربة أنّ التغييرات الكبرى في السياسة الخارجية الأميركية تحتاج إلى أكثر من مجرّد فوز انتخابي. فهي تتطلب توافقًا مؤسّساتيًا، وإرادة سياسية مستمرة، وقدرة على تجاوز مقاومة البيروقراطية، فضلًا عن توافر ظروف دولية وإقليمية تسمح بإعادة النظر في الخيارات الاستراتيجية.
من هنا، يُصبح من الضروري التمييز بين التغيير في الخطاب السياسي الأميركي والتغيير الفعلي في السياسات. فقد يتبدّل الخطاب، وتتغيّر لهجة المسؤولين، وتختلف الأولويات المعلنة، وقد نشهد تشدّدًا أو مرونةً في التعامل مع بعض الملفات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنّ الأهداف الاستراتيجية الأساسية قد تغيّرت. فالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، بما تتضمّنه من حماية أمن إسرائيل، ومواجهة النفوذ الإيراني، وضمان أمن الممرّات والمصالح الحيوية، والحفاظ على شبكة التحالفات الإقليمية، ليست مصالح مرتبطة بحزب سياسي دون آخر، بل هي جزء من التصوّر الأميركي لدوره وموقعه في النظام الدولي.
وفي الحالة اللبنانية تحديدًا، لا يبدو أنّ نتائج الانتخابات الأميركية قادرة، بحدّ ذاتها، على إحداث تحوّل تلقائي في التوازنات الداخلية. فلبنان ليس ساحةً تتحكم فيها واشنطن وحدها، ولا إنّ تركيبته السياسية والطائفية تسمح لأي قوة خارجية، مهما بلغ نفوذها، بفرض تغييرات مستدامة من دون مراعاة الحسابات الداخلية والإقليمية. فالقرار السياسي اللبناني يتأثّر بتوازنات القوى المحلية، وبطبيعة النظام الطائفي، وبمواقف القوى السياسية، وبالعلاقة مع إيران وسوريا والدول العربية، فضلًا عن تأثير التطورات الأمنية والعسكرية على الحدود الجنوبية.
وبالتّالي، فإنّ اختزال مستقبل لبنان بنتائج الانتخابات الأميركية يُشكّل تبسيطًا مفرطًا للواقع. فحتى لو جاءت النتائج مخالفةً للتوقّعات، فإنّ ذلك لا يعني أنّ القوى السياسية اللبنانية ستُعيد حساباتها بصورةٍ فوريةٍ، أو أنّ التحالفات الداخلية ستتبدّل، أو أن الملفّات العالقة ستجد طريقها إلى الحل. فهذه الملفات لها أسبابها وتعقيداتها الخاصة، ولا يمكن تجاوزها بمجرّد تبدل الأكثرية الحاكمة في الولايات المتحدة.
ولعلّ التجربة الأميركية مع لبنان تقدّم دليلًا عمليًا على استمرارية المصالح والسياسات. فمنذ سنوات طويلة، حافظت واشنطن على مجموعة من الأهداف الأساسية، أبرزها دعم مؤسّسات الدولة اللبنانية، وتعزيز قدرات الجيش، والحدّ من نفوذ حزب الله، وممارسة الضغوط المالية والسياسية على الجهات التي تعتبرها واشنطن مرتبطة بالنفوذ الإيراني. وقد استمرّت هذه التوجهات عبر إدارات ديمقراطية وجمهورية مُتعاقبة، وإن اختلفت الوسائل ومستويات الضغط واللغة المستخدمة في التعبير عنها.
كذلك، فإنّ المساعدات الأميركية للجيش اللبناني، والعقوبات المرتبطة بلبنان، والموقف من حزب الله، ودعم مؤسّسات الدولة، كلّها ملفات تحكمها اعتبارات تتجاوز الانتماء الحزبي للرئيس الأميركي. فهذه السياسات ترتبط بتصوّر واشنطن لمصالحها الأمنية في المنطقة، وبطبيعة علاقتها بإسرائيل، وبمقاربتها للنفوذ الإيراني. ومن الصعب تصوّر أن تتخلّى إدارة أميركية جديدة عن هذه الثوابت لمجرّد أنها وصلت إلى السلطة في أعقاب انتخابات حملت مفاجآت سياسية.
ولا يعني ذلك أنّ نتائج الانتخابات الأميركية لا قيمة لها إطلاقًا بالنسبة إلى لبنان، أو أنّ هوية الإدارة الجديدة لا يمكن أن تُحدث أي فارق. فمن الطبيعي أن تختلف الأولويات، وأن تتغيّر آليات التواصل الدبلوماسي، وأن تتفاوت مستويات الانخراط الأميركي في الملفات اللبنانية. كما يمكن أن نشهد اختلافًا في حجم المساعدات، أو طبيعة العقوبات، أو أسلوب التعامل مع القوى السياسية اللبنانية، أو مستوى الضغط من أجل تنفيذ إصلاحات معينة. لكن هذه الاختلافات تبقى في معظم الأحيان ضمن إطار إدارة السياسة القائمة، ولا ترقى تلقائيًا إلى مستوى إعادة تأسيسها.
والأهم أن تأثير الانتخابات الأميركية في لبنان يبقى مرتبطًا بالتطوّرات التي تليها، لا بالنتائج الانتخابية وحدها. فالموقف الأميركي الفعلي يتحدّد من خلال القرارات التنفيذية، والتعيينات الدبلوماسية، والموازنات، والتشريعات، والمفاوضات، وطبيعة التطورات الإقليمية. أمّا التعويل على مجرّد فوز هذا الحزب أو خسارة ذاك، فهو رهان على احتمالات لم تتحوّل بعد إلى سياسات ملموسة.
وفي المقابل، لا يجوز إغفال أنّ لبنان نفسه يمتلك عوامل داخلية تحدّ من قدرة الخارج على إحداث تغيير مباشر وسريع. فالأزمة اللبنانية ليست أزمة قرار أميركي، بل هي أزمة نظام سياسي، وعجز مؤسّساتي، وانعدام ثقة بين المكوّنات السياسية، وارتباطات إقليمية متشابكة، فضلًا عن غياب التوافق الوطني حول عددٍ من القضايا الاستراتيجية. وهذه المشكلات لا يمكن أن تعالجها انتخابات في الولايات المتحدة، مهما كانت نتائجها، ولا يمكن أن تختفي بمجرّد انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى.
من هنا، فإنّ الرّهان على أن نتائج الانتخابات الأميركية ستفتح تلقائيًا مرحلةً سياسيةً جديدةً في لبنان، أو ستؤدّي إلى تبدّل في مواقف القوى الداخلية، أو ستمنح فريقًا سياسيًا أفضليةً على حساب فريق آخر، هو رهان غير واقعي ما لم تدعمه مؤشرات عملية واضحة. فالقوى اللبنانية ليست مجرّد أدوات تنتظر الإشارات الأميركية كي تحدّد خياراتها، بل هي أطراف لها حساباتها ومصالحها وارتباطاتها، وتتحرّك وفق معادلات تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية والدولية.
في المُحصلة، لا ينبغي للبنان أن يقرأ الانتخابات الأميركية باعتبارها حدثًا سياسيًا سيُعيد تشكيل واقعه، ولا أن يبالغ في تقدير انعكاساتها المباشرة على استقراره وتوازناته. فالسياسة الخارجية الأميركية تتمتّع بدرجة عالية من الاستمرارية، والتغيّرات الداخلية الأميركية لا تتحوّل بالضرورة إلى تحوّلات خارجية موازية. وما قد يتغيّر هو الأسلوب والأدوات ومستوى الانخراط، لا المصالح الاستراتيجية بالضرورة.
إنّ لبنان، الذي اعتاد أن يربط استحقاقاته الداخلية بما يجري في العواصم الخارجية، يحتاج اليوم إلى مقاربةٍ أكثر واقعية واستقلالية. فمصيره لا يُحسم في صناديق الاقتراع الأميركية، ولا تتحدّد خياراته بمجرّد تغير الأكثرية في الكونغرس أو هوية الرئيس. وما لم تتغيّر المعادلات اللبنانية نفسها، وتتوافر إرادة داخلية حقيقية لمعالجة الأزمات، فإنّ نتائج الانتخابات الأميركية ستبقى حدثًا خارجيًا قد يستدعي المتابعة والتحليل، لكنّه لن يكون بحدّ ذاته عاملًا حاسمًا في تغيير السياسة اللبنانية.
فالانتخابات الأميركية قد تغيّر شاغلي مراكز القرار في واشنطن، لكنّها لا تعني بالضرورة تغيير قواعد اللعبة في بيروت. وليس كل تحوّل في أميركا تحوّلًا في لبنان، كما أنّ اختلاف النتائج عن التوقّعات لا يعني أن الواقع اللبناني بات أمام مرحلة سياسية مختلفة.










