هل يسمسر فرنجيّة على مرافق الدولة لانتخابه رئيسًا؟

الكاتب: علي نور الدين | المصدر: المدن
3 نيسان 2023

عاد المرشّح الرئاسي سليمان فرنجيّة من باريس، من دون أن ترشح الكثير من المعطيات عن ما جرى من مداولات ومفاوضات في أروقة الإليزيه. المعروف حتّى اللحظة، هو أنّ فرنجيّة عرض أمام الفرنسيين ما يمكن إعطاؤه من ضمانات سياسيّة، ترتبط بتشكيلات حكومات عهده، لتليين موقف الرياض تجاه سيناريوهات انتخابه رئيسًا . والمعروف أيضًا، أن باريس لم تفلح سابقًا بتسويق فكرة المقايضة بين الرئاستين الأولى والثالثة، أمام السعوديين، ما يؤكّد أن ما يجري هو استكمال لتفاوض يجريه الإليزيه منذ فترة بصمت وعلى نار هادئة .

كل هذا المشهد، يفرض السؤال عن أهداف الاندفاعة الفرنسيّة في هذا الملف، على هامش طرح إسم سليمان فرنجيّة. وبصورة أدق وأوضح: على ماذا يسمسر المرشّح الرئاسي سليمان فرنجيّة في باريس، لينال في المقابل هذا الجهد الفرنسي الناعم؟

فاللبنانيون، على ما يبدو، سلّموا بتطبيع الطبقة السياسيّة لفكرة المرشّح الشبح. أي المرشّح الذي يُطرح إسمه من دون أن يُعرف برنامجه للحكم أو الحل الاقتصادي، بل ومن دون أن يملك خبرة أو مؤهّلات تسمح له بالتعامل مع الملفّات الماليّة والنقديّة الداهمة (تمامًا كحال سليمان بيك). لكنّ البحث عن الصفقات والمتاجرات بمصالح اللبنانيين في الخارج، قد يكون ضروريًا لمعرفة أي عهد ينتظرنا، في حال فاز هذا المرشّح الرئاسي أو ذاك.

الاهتمام الفرنسي بالمرافق العامّة اللبنانيّة
لا يحتاج المراقب إلى كثير من الجهد ليرى الاهتمام الفرنسي بالاستثمار على الساحة اللبنانيّة. وهنا، نحن لا نتحدّث عن خلق الفرص الاستثماريّة المرتبطة بالقطاعات المنتجة، كما تفعل الشركات الفرنسيّة في قطاع السيّارات في المغرب مثلًا. بل نتحدّث عن ما هو أبسط بكثير: استثمار المرافق العامّة وأصول الدولة، بعدما جعلها الانهيار فريسة تُباع بالثمن البخس. والثمن البخس، هو ما تحصّله الدولة في العادة عندما تلزّم استثمار مرافقها بعقود احتكاريّة، بعد مزايدات شكليّة، يطغى عليها مبدأ العارض الوحيد والنتائج المعروفة سلفًا.

على هذا النحو، حصّلت CMA CGM الفرنسيّة عقد استثمار محطّة الحاويات في مرفأ بيروت خلال العام الماضي، بمزايدة شكليّة وبعرض شبه وحيد، بعدما لم يتقدّم إلى هذه المزايدة سوى شركة واحدة أخرى وبعرض “وهمي”. وبذلك، تكون الشركة قد وضعت يدها على محطّة الحاويات في أكبر مرافئ البلد، بعدما تمكنت قبلها من شراء جميع حصص الشركة المشغّلة لمحطّة الحاويات في مرفأ طرابلس.

وهذا النجاح الباهر، في الاستيلاء على أهم نقاط الشحن البحري في لبنان، كان تتويجًا لاهتمام الرئيس الفرنسي شخصيًا بأمر هذه الشركة بالذات، بعدما رافقه رئيسها رودولف سعادة في جولته التي تلت انفجار المرفأ مباشرة، قبل أن يربح عقد استثمار محطة حاويات بيروت. هنا، تظهر أولى خيوط الربط ما بين السياسة الخارجيّة الفرنسيّة، ومملكة المرافق العامّة اللبنانيّة.

ثم تشاء الأقدار أن يفوز رودولف سعادة يوم الخميس الماضي، وبإسم شركة أخرى تُدعى كولي بريف، بعقد استثمار قطاع البريد اللبناني لربع قرن من الزمن . وفي تلك الصفقة، ورث سعادة مملكة الليبان بوست، التي هيمنت على القطاع لربع قرن أيضًا، وبسبع تمديدات لعقدها من دون أي مزايدة معلنة أو دفتر شروط جديد.

ثم تأخذ الأمور أبعاد أخرى، حين نعرف أن آل سعادة هم شركاء الرئيس ميقاتي “السابقين” (مع الكثير من علامات الاستفهام حول عبارة “السابقين”) في عقد تشغيل محطة حاويات مرفأ طرابلس. وأن آل سعادة، ورثوا مملكة البريد وخدماته، من شركة الليبان بوست، التي امتلك فيها ميقاتي حصصًا مباشرة فيها، قبل أن يخرج من المساهمة المباشرة، ويبقى شريكًا بأشكال أخرى مستترة. ولا يحتاج المرء ليذكّر بأن الليبان بوست ليست مجرّد شركة بريد عاديّة، بل هي محتكر عشرات خدمات تخليص المعاملات، لصالح القطاع العام. وهذه الخدمات بالتحديد كانت -لربع قرن- الدجاجة التي تبيض ذهبًا للشركة، من دون أن يكون للدولة أي حصّة في هذه الإيرادات لكونها ليست “خدمات بريديّة تقليديّة”.

إذًا، يجلس ميقاتي في حضن الفرنسيين. هو الطفل الثاني للمبادرة الفرنسيّة، بعدما أجهضت عقدة وزارة الماليّة طفلها الأوّل، مصطفى أديب، المحسوب على ميقاتي نفسه. ورغم كل أدائه المهادن للنخبة الماليّة المحليّة، تستمر الإدارة الفرنسيّة بتحييده عن سهامها، حين تتحدّث عن أداء الطبقة السياسيّة في لبنان. هو الشريك التاريخي لرؤوس الأموال الفرنسيّة، داخل وخارج لبنان. هنا بالذات، يظهر مجددًا الارتباط بين المصالح الماليّة والأدوار السياسيّة الفرنسيّة بشكل أوضح.

لكن، ماذا يملك فرنجيّة ليقدّمه للفرنسيين في المقابل؟

الطموحات الفرنسيّة: الدوائر العقاريّة والنافعة والمطار والكهرباء
لا تقف طموحات الشركات الفرنسيّة على المرافئ والبريد، على أهميّتهما. قبل أشهر، رصد كثيرون اهتمام شركات فرنسيّة عدّة باستثمار دوائر المساحة والسجل العقاري الرسميّة، ووفق عقود “شراكة بين القطاعين العام والخاص”، وبما يسمح بتطوير داتا الإدارات وربطها بمكاتب كتّاب العدل في جميع المناطق. ونوعيّة الأفكار نفسها، جرى طرحها بالنسبة إلى دوائر النافعة، التي تلي دوائر السجل العقاريّة أهميّة، من حيث العائدات والرسوم التي تسمح بتحصيلها. وفي الوقت الراهن، ثمّة من يربط ما يجري في هذه الدوائر بالتحديد، من إقفال وإضرابات وفوضى، بهذا الطموح المزمن.

الطموحات الفرنسيّة نفسها تم رصدها في الكثير من القطاعات العامّة الأخرى: من المطار ودوائره ومرافقه إلى الكهرباء، وصولًا إلى مؤسسات المياه وغيرها. وفي كل هذه الطموحات، الكلمة المفتاح هي “الشراكة بين القطاعين العام والخاص”. والحديث عن الطموحات الفرنسيّة في كل هذه القطاعات ليس مجرّد تكهّنات فارغة، بل يستند إلى زيارات لوفود استثماريّة فرنسيّة ونقاشات جرت مع سياسيين مؤثّرين في المشهد اللبناني.

تدرك باريس نوعيّة موازين القوى الموجودة على الساحة اللبنانيّة، وهي صاحبة خبرة تاريخيّة في مواءمة مصالحها الاستراتيجيّة مع الواقع السياسي الموجود على الساحة اللبنانيّة. ما يملكه سليمان فرنجيّة، هو تحديدًا هذه القدرة على المزج بين المصالح الفرنسيّة وتأثيرها الدولي، ومعسكره السياسي محليًا. وما يسمسر عليه سليمان فرنجيّة، ليس سوى المرافق العامّة والفرص الاستثماريّة فيها، المعروضة بالثمن البخس في ظلّ الانهيار.

الصندوق السيادي وإطفاء خسائر المصارف
كل هذا الكلام، يعيدنا للموضوع الأساس: توزيع الخسائر، والصندوق السيادي لاستثمار أصول الدولة وإطفاء خسائر المصارف، وإجماع القوى السياسيّة على هذه الجريمة التاريخيّة المنتظرة. أمّا أهم ما في الموضوع، فهو قدرة هذه القوى على استخدام ما يمكن استخدامه من خلال هذا الصندوق، لمقايضة العواصم الأجنبيّة، واستقدام دعمها وغطائها الدولي .

كل ما سبق ذكره، لا يعني مخاصمة فكرة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولا يعني مناوءة فكرة استقدام الاستثمار الأجنبي، وتأمين البيئة الحاضنة له. كل هذه الأدوات الاقتصاديّة، يفترض أن تكون جزءًا من عوامل الحل المنتظر، الذي يمهّد للانتظام المالي ومسار التعافي الاقتصادي.

الإشكاليّة اليوم هي مكان آخر: عرض هذه العقود الاستثماريّة، بأثمان رخيصة جدًا وبصفقات مشبوهة، مقابل تعويم المنظومة السياسيّة المحليّة، من دون أن يكون استثمار المرافق العامّة مبنيًا على مسارات تنافسيّة وشفّافة تحقق المصلحة للمقيمين في لبنان. كما وعرض هذه العقود الاستثماريّة، لاستخدام عائداتها في رسملة المصارف وتعويمها، بدل أن تموّل العائدات مشاريع الدولة في شبكات الحماية الاجتماعيّة وبناء البنية التحتيّة وتأمين بيئة حاضنة للنهوض الاقتصادي. هذا ما نخشاه اليوم.

هل يسمسر فرنجيّة على مرافق الدولة لانتخابه رئيسًا؟

الكاتب: علي نور الدين | المصدر: المدن
3 نيسان 2023

عاد المرشّح الرئاسي سليمان فرنجيّة من باريس، من دون أن ترشح الكثير من المعطيات عن ما جرى من مداولات ومفاوضات في أروقة الإليزيه. المعروف حتّى اللحظة، هو أنّ فرنجيّة عرض أمام الفرنسيين ما يمكن إعطاؤه من ضمانات سياسيّة، ترتبط بتشكيلات حكومات عهده، لتليين موقف الرياض تجاه سيناريوهات انتخابه رئيسًا . والمعروف أيضًا، أن باريس لم تفلح سابقًا بتسويق فكرة المقايضة بين الرئاستين الأولى والثالثة، أمام السعوديين، ما يؤكّد أن ما يجري هو استكمال لتفاوض يجريه الإليزيه منذ فترة بصمت وعلى نار هادئة .

كل هذا المشهد، يفرض السؤال عن أهداف الاندفاعة الفرنسيّة في هذا الملف، على هامش طرح إسم سليمان فرنجيّة. وبصورة أدق وأوضح: على ماذا يسمسر المرشّح الرئاسي سليمان فرنجيّة في باريس، لينال في المقابل هذا الجهد الفرنسي الناعم؟

فاللبنانيون، على ما يبدو، سلّموا بتطبيع الطبقة السياسيّة لفكرة المرشّح الشبح. أي المرشّح الذي يُطرح إسمه من دون أن يُعرف برنامجه للحكم أو الحل الاقتصادي، بل ومن دون أن يملك خبرة أو مؤهّلات تسمح له بالتعامل مع الملفّات الماليّة والنقديّة الداهمة (تمامًا كحال سليمان بيك). لكنّ البحث عن الصفقات والمتاجرات بمصالح اللبنانيين في الخارج، قد يكون ضروريًا لمعرفة أي عهد ينتظرنا، في حال فاز هذا المرشّح الرئاسي أو ذاك.

الاهتمام الفرنسي بالمرافق العامّة اللبنانيّة
لا يحتاج المراقب إلى كثير من الجهد ليرى الاهتمام الفرنسي بالاستثمار على الساحة اللبنانيّة. وهنا، نحن لا نتحدّث عن خلق الفرص الاستثماريّة المرتبطة بالقطاعات المنتجة، كما تفعل الشركات الفرنسيّة في قطاع السيّارات في المغرب مثلًا. بل نتحدّث عن ما هو أبسط بكثير: استثمار المرافق العامّة وأصول الدولة، بعدما جعلها الانهيار فريسة تُباع بالثمن البخس. والثمن البخس، هو ما تحصّله الدولة في العادة عندما تلزّم استثمار مرافقها بعقود احتكاريّة، بعد مزايدات شكليّة، يطغى عليها مبدأ العارض الوحيد والنتائج المعروفة سلفًا.

على هذا النحو، حصّلت CMA CGM الفرنسيّة عقد استثمار محطّة الحاويات في مرفأ بيروت خلال العام الماضي، بمزايدة شكليّة وبعرض شبه وحيد، بعدما لم يتقدّم إلى هذه المزايدة سوى شركة واحدة أخرى وبعرض “وهمي”. وبذلك، تكون الشركة قد وضعت يدها على محطّة الحاويات في أكبر مرافئ البلد، بعدما تمكنت قبلها من شراء جميع حصص الشركة المشغّلة لمحطّة الحاويات في مرفأ طرابلس.

وهذا النجاح الباهر، في الاستيلاء على أهم نقاط الشحن البحري في لبنان، كان تتويجًا لاهتمام الرئيس الفرنسي شخصيًا بأمر هذه الشركة بالذات، بعدما رافقه رئيسها رودولف سعادة في جولته التي تلت انفجار المرفأ مباشرة، قبل أن يربح عقد استثمار محطة حاويات بيروت. هنا، تظهر أولى خيوط الربط ما بين السياسة الخارجيّة الفرنسيّة، ومملكة المرافق العامّة اللبنانيّة.

ثم تشاء الأقدار أن يفوز رودولف سعادة يوم الخميس الماضي، وبإسم شركة أخرى تُدعى كولي بريف، بعقد استثمار قطاع البريد اللبناني لربع قرن من الزمن . وفي تلك الصفقة، ورث سعادة مملكة الليبان بوست، التي هيمنت على القطاع لربع قرن أيضًا، وبسبع تمديدات لعقدها من دون أي مزايدة معلنة أو دفتر شروط جديد.

ثم تأخذ الأمور أبعاد أخرى، حين نعرف أن آل سعادة هم شركاء الرئيس ميقاتي “السابقين” (مع الكثير من علامات الاستفهام حول عبارة “السابقين”) في عقد تشغيل محطة حاويات مرفأ طرابلس. وأن آل سعادة، ورثوا مملكة البريد وخدماته، من شركة الليبان بوست، التي امتلك فيها ميقاتي حصصًا مباشرة فيها، قبل أن يخرج من المساهمة المباشرة، ويبقى شريكًا بأشكال أخرى مستترة. ولا يحتاج المرء ليذكّر بأن الليبان بوست ليست مجرّد شركة بريد عاديّة، بل هي محتكر عشرات خدمات تخليص المعاملات، لصالح القطاع العام. وهذه الخدمات بالتحديد كانت -لربع قرن- الدجاجة التي تبيض ذهبًا للشركة، من دون أن يكون للدولة أي حصّة في هذه الإيرادات لكونها ليست “خدمات بريديّة تقليديّة”.

إذًا، يجلس ميقاتي في حضن الفرنسيين. هو الطفل الثاني للمبادرة الفرنسيّة، بعدما أجهضت عقدة وزارة الماليّة طفلها الأوّل، مصطفى أديب، المحسوب على ميقاتي نفسه. ورغم كل أدائه المهادن للنخبة الماليّة المحليّة، تستمر الإدارة الفرنسيّة بتحييده عن سهامها، حين تتحدّث عن أداء الطبقة السياسيّة في لبنان. هو الشريك التاريخي لرؤوس الأموال الفرنسيّة، داخل وخارج لبنان. هنا بالذات، يظهر مجددًا الارتباط بين المصالح الماليّة والأدوار السياسيّة الفرنسيّة بشكل أوضح.

لكن، ماذا يملك فرنجيّة ليقدّمه للفرنسيين في المقابل؟

الطموحات الفرنسيّة: الدوائر العقاريّة والنافعة والمطار والكهرباء
لا تقف طموحات الشركات الفرنسيّة على المرافئ والبريد، على أهميّتهما. قبل أشهر، رصد كثيرون اهتمام شركات فرنسيّة عدّة باستثمار دوائر المساحة والسجل العقاري الرسميّة، ووفق عقود “شراكة بين القطاعين العام والخاص”، وبما يسمح بتطوير داتا الإدارات وربطها بمكاتب كتّاب العدل في جميع المناطق. ونوعيّة الأفكار نفسها، جرى طرحها بالنسبة إلى دوائر النافعة، التي تلي دوائر السجل العقاريّة أهميّة، من حيث العائدات والرسوم التي تسمح بتحصيلها. وفي الوقت الراهن، ثمّة من يربط ما يجري في هذه الدوائر بالتحديد، من إقفال وإضرابات وفوضى، بهذا الطموح المزمن.

الطموحات الفرنسيّة نفسها تم رصدها في الكثير من القطاعات العامّة الأخرى: من المطار ودوائره ومرافقه إلى الكهرباء، وصولًا إلى مؤسسات المياه وغيرها. وفي كل هذه الطموحات، الكلمة المفتاح هي “الشراكة بين القطاعين العام والخاص”. والحديث عن الطموحات الفرنسيّة في كل هذه القطاعات ليس مجرّد تكهّنات فارغة، بل يستند إلى زيارات لوفود استثماريّة فرنسيّة ونقاشات جرت مع سياسيين مؤثّرين في المشهد اللبناني.

تدرك باريس نوعيّة موازين القوى الموجودة على الساحة اللبنانيّة، وهي صاحبة خبرة تاريخيّة في مواءمة مصالحها الاستراتيجيّة مع الواقع السياسي الموجود على الساحة اللبنانيّة. ما يملكه سليمان فرنجيّة، هو تحديدًا هذه القدرة على المزج بين المصالح الفرنسيّة وتأثيرها الدولي، ومعسكره السياسي محليًا. وما يسمسر عليه سليمان فرنجيّة، ليس سوى المرافق العامّة والفرص الاستثماريّة فيها، المعروضة بالثمن البخس في ظلّ الانهيار.

الصندوق السيادي وإطفاء خسائر المصارف
كل هذا الكلام، يعيدنا للموضوع الأساس: توزيع الخسائر، والصندوق السيادي لاستثمار أصول الدولة وإطفاء خسائر المصارف، وإجماع القوى السياسيّة على هذه الجريمة التاريخيّة المنتظرة. أمّا أهم ما في الموضوع، فهو قدرة هذه القوى على استخدام ما يمكن استخدامه من خلال هذا الصندوق، لمقايضة العواصم الأجنبيّة، واستقدام دعمها وغطائها الدولي .

كل ما سبق ذكره، لا يعني مخاصمة فكرة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولا يعني مناوءة فكرة استقدام الاستثمار الأجنبي، وتأمين البيئة الحاضنة له. كل هذه الأدوات الاقتصاديّة، يفترض أن تكون جزءًا من عوامل الحل المنتظر، الذي يمهّد للانتظام المالي ومسار التعافي الاقتصادي.

الإشكاليّة اليوم هي مكان آخر: عرض هذه العقود الاستثماريّة، بأثمان رخيصة جدًا وبصفقات مشبوهة، مقابل تعويم المنظومة السياسيّة المحليّة، من دون أن يكون استثمار المرافق العامّة مبنيًا على مسارات تنافسيّة وشفّافة تحقق المصلحة للمقيمين في لبنان. كما وعرض هذه العقود الاستثماريّة، لاستخدام عائداتها في رسملة المصارف وتعويمها، بدل أن تموّل العائدات مشاريع الدولة في شبكات الحماية الاجتماعيّة وبناء البنية التحتيّة وتأمين بيئة حاضنة للنهوض الاقتصادي. هذا ما نخشاه اليوم.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار