خاص- ماذا بعد حَشر الفلسطينيين في جنوب غزّة؟

معبّر جداً ومؤلم مشهد الصحافي الفلسطيني وائل الدحدوح، الذي فقد عائلته في القصف الاسرائيلي، وهو ينزح سيراً على الأقدام صوب الجنوب. وعندما سئل عن شعوره، قال إن “النزوح من الديار صعب جداً ومؤلم جداً”. هو واحد من الآلاف أمثاله الذين يتوجهون يومياً إلى جنوب غزة، بعدما استحالت الإقامة في الشمال جحيماً حقيقياً.
لا يُعرف بالتحديد عدد الفلسطينيين الذين ما زالوا في شمال القطاع وفي مدينة غزة وجوارها بعدما كانوا قد لجأوا الى المدارس والمستشفيات ظنّاً منهم أنها آمنة. ولكن، وبعد توالي القصف المدمّر للمستشفيات وسقوط آلاف الضحايا، لم يعد أيّ مكان آمناً.
وتعتمد الاستراتيجية الاسرائيلية على جعل الحياة في غزّة غير ممكنة، بما يدفع من تبقّى من السكان إلى الهرب جنوباً. فعدد القتلى من الفلسطينيين تجاوز الـ 11 ألفاً، أربعون في المئة منهم تقريباً من الأطفال. المستشفيات تنهار تباعاً، ولا وقود كافياً، ولا كهرباء. وبات الجرحى والمرضى يموتون لعدم القدرة على تقديم العلاج لهم.
ولكن، هل الجنوب آمن؟ ربما الوضع أفضل حتى الآن. ولكن ماذا سيحصل إذا أخذت اسرائيل بالضغط على السكان عسكرياً ومعيشياً بقطع الكهرباء والاتصالات وصعوبة الاستشفاء؟ ومعلوم ان سكان القطاع يعانون أصلا الفقر ونقص الخدمات والبطالة. وسيزيد هذا الأمر سوءاً مع الكثافة السكانية الهائلة في القسم الجنوبي من القطاع وعدم وجود مساكن كافية. وتحت ستار هذا الضغط، سيكون على السكان أن ينزحوا من جديد. وليس أمامهم عبر البرّ سوى الطريق إلى صحراء سيناء.
هذا المخطط الاسرائيلي ليس بجديد. فقد جرى منذ الخمسينات من القرن الماضي تداول أفكار في هذا الاتجاه. ومنها مشروع رئيس الجامعة العبرية يوشع بن آري في العام 2003 تحت عنوان “خطة تبادل أراضٍ ثلاثية”. واستند الى هذا المشروع لاحقاً مستشار الأمن القومي الاسرائيلي السابق اللواء احتياط غيورا ايلاند. وينص المشروع على أن تتنازل مصر عن 720 كيلومتراً مربعاً من أراضي سيناء لمصلحة الدولة الفلسطينية المقترحة يتم ضمّها الى غزة، على أن تحصل مصر في المقابل على أراض جنوب غرب النقب. وعندما وصل محمد مرسي الى السلطة في مصر، عرض على قادة “حماس” والرئيس الفلسطيني محمود عباس توسيع غزة عبر أراضي سيناء. ولكن عباس رفض وقال لمرسي إن اسرائيل تريد أن تلقي بغزّة في مصر.
وها هي هذه الطروحات تتجدد اليوم. فقد صدرت وثيقة عن وزارة الاستخبارات الاسرائيلية، وهي وزارة تعمل على إعداد الدراسات والتقارير وترفع اقتراحات الى السلطة السياسية. وتنص الوثيقة على ثلاثة اقتراحات لغزّة. وتعتبر أن الاقتراح الثالث هو الأفضل. ويقوم على “اخلاء السكان المدنيين إلى سيناء. وفي المرحلة الأولى تقام مدينة خيام في رحاب سيناء. ولاحقاً يتم انشاء ممر انساني لمساعدة المواطنين المدنيين الغزيين، ثم يتم بناء مدن في مناطق تؤهَّل للسكن من جديد شمال سيناء”. وتوصي الوثيقة “بإنشاء منطقة عازلة على بعد عدة كيلومترات من الحدود داخل مصر وعدم السماح بعودة السكان الى العيش او العمل بالقرب من حدود اسرائيل”. وتعتبر أن “الهجرة الكثيفة من مناطق الحرب كسوريا وافغانستان واوكرانيا هي نتيجة طبيعية ومطلوبة مقابل الأخطار الكامنة في البقاء في مناطق القتال”.
وسيكون على مصر، حسب هذا الاقتراح، “واجب يستند الى القانون الدولي بأن تمكّن السكان من العبور، وعلى اسرائيل ان تعمل على الدفع بمبادرة سياسية حتى تتجنّد دول اخرى لمساعدة السكان وتوافق على استيعابهم. وعلى المدى الطويل سيحظى هذا البديل بالشرعية وسينخرط الناس في المجتمع في تلك الدول ويحظون بالجنسية”.
ولكن مصر رفضت أي ترانسفير في اتجاه أراضيها، حرصا على عدم التفريط بالقضية الفلسطينية وأيضا لأسباب تتعلق بالأمن القومي المصري. ووضع الأردن أيضا خطاً أحمر على امكان نقل فلسطينيين من الضفة.
وعلى رغم هذا الرفض، فإنّ رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ما زال يسعى، حسب تقارير لصحيفة فاينانشال تايم، إلى إقناع القادة الأوروبيين بالضغط على مصر للقبول بالاقتراح، في الوقت الي تبدو فيه ردود الفعل الغربية على القتل الجماعي الجاري في غزّة باهتة جداً.
وإذا ما استمر القصف المدمر والحصار وقطع الموارد الحياتية، ماذا سيفعل الفلسطينيون النازحون الى جنوب القطاع، وإلى أين يهربون اذا لم تسارع الدول الكبرى فعلياً إلى وقف الحرب وإقناع الأطراف بالدخول في عملية تفاوض؟
خاص- ماذا بعد حَشر الفلسطينيين في جنوب غزّة؟

معبّر جداً ومؤلم مشهد الصحافي الفلسطيني وائل الدحدوح، الذي فقد عائلته في القصف الاسرائيلي، وهو ينزح سيراً على الأقدام صوب الجنوب. وعندما سئل عن شعوره، قال إن “النزوح من الديار صعب جداً ومؤلم جداً”. هو واحد من الآلاف أمثاله الذين يتوجهون يومياً إلى جنوب غزة، بعدما استحالت الإقامة في الشمال جحيماً حقيقياً.
لا يُعرف بالتحديد عدد الفلسطينيين الذين ما زالوا في شمال القطاع وفي مدينة غزة وجوارها بعدما كانوا قد لجأوا الى المدارس والمستشفيات ظنّاً منهم أنها آمنة. ولكن، وبعد توالي القصف المدمّر للمستشفيات وسقوط آلاف الضحايا، لم يعد أيّ مكان آمناً.
وتعتمد الاستراتيجية الاسرائيلية على جعل الحياة في غزّة غير ممكنة، بما يدفع من تبقّى من السكان إلى الهرب جنوباً. فعدد القتلى من الفلسطينيين تجاوز الـ 11 ألفاً، أربعون في المئة منهم تقريباً من الأطفال. المستشفيات تنهار تباعاً، ولا وقود كافياً، ولا كهرباء. وبات الجرحى والمرضى يموتون لعدم القدرة على تقديم العلاج لهم.
ولكن، هل الجنوب آمن؟ ربما الوضع أفضل حتى الآن. ولكن ماذا سيحصل إذا أخذت اسرائيل بالضغط على السكان عسكرياً ومعيشياً بقطع الكهرباء والاتصالات وصعوبة الاستشفاء؟ ومعلوم ان سكان القطاع يعانون أصلا الفقر ونقص الخدمات والبطالة. وسيزيد هذا الأمر سوءاً مع الكثافة السكانية الهائلة في القسم الجنوبي من القطاع وعدم وجود مساكن كافية. وتحت ستار هذا الضغط، سيكون على السكان أن ينزحوا من جديد. وليس أمامهم عبر البرّ سوى الطريق إلى صحراء سيناء.
هذا المخطط الاسرائيلي ليس بجديد. فقد جرى منذ الخمسينات من القرن الماضي تداول أفكار في هذا الاتجاه. ومنها مشروع رئيس الجامعة العبرية يوشع بن آري في العام 2003 تحت عنوان “خطة تبادل أراضٍ ثلاثية”. واستند الى هذا المشروع لاحقاً مستشار الأمن القومي الاسرائيلي السابق اللواء احتياط غيورا ايلاند. وينص المشروع على أن تتنازل مصر عن 720 كيلومتراً مربعاً من أراضي سيناء لمصلحة الدولة الفلسطينية المقترحة يتم ضمّها الى غزة، على أن تحصل مصر في المقابل على أراض جنوب غرب النقب. وعندما وصل محمد مرسي الى السلطة في مصر، عرض على قادة “حماس” والرئيس الفلسطيني محمود عباس توسيع غزة عبر أراضي سيناء. ولكن عباس رفض وقال لمرسي إن اسرائيل تريد أن تلقي بغزّة في مصر.
وها هي هذه الطروحات تتجدد اليوم. فقد صدرت وثيقة عن وزارة الاستخبارات الاسرائيلية، وهي وزارة تعمل على إعداد الدراسات والتقارير وترفع اقتراحات الى السلطة السياسية. وتنص الوثيقة على ثلاثة اقتراحات لغزّة. وتعتبر أن الاقتراح الثالث هو الأفضل. ويقوم على “اخلاء السكان المدنيين إلى سيناء. وفي المرحلة الأولى تقام مدينة خيام في رحاب سيناء. ولاحقاً يتم انشاء ممر انساني لمساعدة المواطنين المدنيين الغزيين، ثم يتم بناء مدن في مناطق تؤهَّل للسكن من جديد شمال سيناء”. وتوصي الوثيقة “بإنشاء منطقة عازلة على بعد عدة كيلومترات من الحدود داخل مصر وعدم السماح بعودة السكان الى العيش او العمل بالقرب من حدود اسرائيل”. وتعتبر أن “الهجرة الكثيفة من مناطق الحرب كسوريا وافغانستان واوكرانيا هي نتيجة طبيعية ومطلوبة مقابل الأخطار الكامنة في البقاء في مناطق القتال”.
وسيكون على مصر، حسب هذا الاقتراح، “واجب يستند الى القانون الدولي بأن تمكّن السكان من العبور، وعلى اسرائيل ان تعمل على الدفع بمبادرة سياسية حتى تتجنّد دول اخرى لمساعدة السكان وتوافق على استيعابهم. وعلى المدى الطويل سيحظى هذا البديل بالشرعية وسينخرط الناس في المجتمع في تلك الدول ويحظون بالجنسية”.
ولكن مصر رفضت أي ترانسفير في اتجاه أراضيها، حرصا على عدم التفريط بالقضية الفلسطينية وأيضا لأسباب تتعلق بالأمن القومي المصري. ووضع الأردن أيضا خطاً أحمر على امكان نقل فلسطينيين من الضفة.
وعلى رغم هذا الرفض، فإنّ رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ما زال يسعى، حسب تقارير لصحيفة فاينانشال تايم، إلى إقناع القادة الأوروبيين بالضغط على مصر للقبول بالاقتراح، في الوقت الي تبدو فيه ردود الفعل الغربية على القتل الجماعي الجاري في غزّة باهتة جداً.
وإذا ما استمر القصف المدمر والحصار وقطع الموارد الحياتية، ماذا سيفعل الفلسطينيون النازحون الى جنوب القطاع، وإلى أين يهربون اذا لم تسارع الدول الكبرى فعلياً إلى وقف الحرب وإقناع الأطراف بالدخول في عملية تفاوض؟





