آخر حروب “حزب الله”: نهاية حقبة أيضاً

هذا التموضع يُتيح لبري القدرة على أن يُشكّل الرافعة للطائفة بعد الكارثة التي استدرجها الحزب للمناطق الشيعية تحديداً وعدم إسقاط مسؤولية تدمير لبنان على الطائفة ككل
أعطى مراقبون ديبلوماسيون أهمية كبيرة للاصطفاف الذي قام به الشريك المهم في الثنائية الشيعية مع “حزب الله” مع قرار الحكومة اللبنانية حظر الجانب العسكري والأمني للحزب في جلسة مجلس الوزراء مطلع الشهر الجاري، باعتباره مؤشّراً لجملة أمور قد يكون ابرزها قراءة بري التحوّلات الاقليمية الكبيرة التي حصلت والتي ستتأتى عن الحرب الاميركية الاسرائيلية على إيران بما يُتيح له هامشاً استفاد منه لحماية الطائفة الشيعية من انعكاسات هذه التحولات الإقليمية وعدم رميها في اتون الخسارة المحدقة بايران اذا تم التسليم بالاستتباع لها وفقا للمسار الذي اخذه ونفذه الحزب.
وقد يكون انشغل الحزب بالحرب الذي فتحها ضد إسرائيل بما منعه من فتح خلاف داخلي يكشف التناقضات الداخلية ضمن الطائفة الشيعية ولكنّه قد يكون نسّق الخطوة مع بري من ضمن الأفق السياسي الذي يراه هذا الأخير لحماية مستقبل الطائفة وموقعها في لبنان. وهذا إلى حد كبير السلوك الذي اعتمده بري أقلّه في العناوين الكبيرة لانكفائه عن المشاركة في الحرب الى جانب نظام بشار الأسد في سوريا على غرار ما فعل الحزب وأدّى إلى انعكاسات مكلفة جدّاً على لبنان ولاحقاً على هذا الأخير.
ولكنّ مشاركة بري في قرار حظر الشق العسكري والأمني للحزب الذي كان مهمّاً للحكومة ووفّر غطاءً شيعيّاً لها، فُهِم أيضاً على قاعدة عزل الحزب والتضييق عليه وفقدانه أي دعم من حليف داخلي بمن فيهم الحليف في الثنائي الشيعي، فيما شكّل موقف بري بالنسبة إلى كثيرين تعويضاً عن صمت اعتمده لدى فتح الحزب حرب إسناد غزة، فيما رأى رئيس مجلس النواب أنّها ورّطت لبنان وأهدرت ما أنجزه في الجنوب خلال ما يقارب أربعين عاماً من رئاسته المجلس النيابي. وهذا التموضع يُتيح لبري القدرة على أن يُشكّل الرافعة للطائفة بعد الكارثة التي استدرجها الحزب للمناطق الشيعية تحديداً وعدم إسقاط مسؤولية تدمير لبنان على الطائفة ككل.
ومع أنّ الإجماع السياسي والطائفي إلى الإجماع الرسمي قد لا يُشكّل وحده كما أظهرت التطورات بعد حرب غزة عامل إقناع ضاغط على الحزب لتغيير وجهته، فإنّ ارتباطه بايران وإعلان انخراطه في الحرب الاخيرة ” ثأراً” للمرشد الايراني علي خامنئي سيُتيح للحرب على إيران أن تترك تداعياتها بقوّة عليه. وإيران وعلى رغم عدم اتضاح نتائج الحرب كليّاً حتى الآن، فإنّ أمامها متغيّرات كبيرة تبدأ من فقدانها قدراتها التي مكّنتها يوماً ما من مد نفوذها وهيمنتها في دول المنطقة. وامتداداتها في المنطقة وفي مقدمهم الحزب سيكون من أبرز دافعي الاثمان.
ففي نهاية الأمر، الحزب الذي أعلن مراراً أنّه يتلقّى “الدعم المعنوي والسياسي والمادي بكل أشكاله الممكنة والمتاحة من الجمهورية الإسلامية في إيران منذ العام 1982” وفق أمينه العام السابق حسن نصرالله، يُرجَّح أنّه سيفقد معظم أشكال الدعم الإيراني إن لم يكن كله في المرحلة المقبلة ارتباطاً بتداعيات الحرب على ايران والمراجعات التي ستضطر إليها. وكما كانت قوة الحزب وغطرسته مستمدّتان من قوّة إيران وغطرستها، فإنّ ضعفها وتراجعها سيؤديان إلى ضعفه وتراجعه ايضاً.
وأظهرت الأيام الأخيرة لهذه الحرب بوضوح طبيعة او حجم الاسلحة المتبقية لدى الحزب بعد حرب 2024 وكم تركت خسارة سوريا كظهير خلفي يوفّر الاسلحة للحزب من انعكاسات عليه. فعلى الصعيد الميداني، فشلت هجمات الحزب واشتباكاته البرية الدفاعية المحدودة في ردع إسرائيل أو إلحاق أي خسائر حقيقية بها فيما ألحقت هذه الاخيرة أضراراً أكبر بكثير للبنان وببيئة الحزب زادت على تلك التي عانت منها في حرب الإسناد غزة التي امتدت على عامين تقريباً. بالاضافة إلى أنّ تقليص وجود الحزب في جنوب الليطاني بفعل سيطرة الجيش اللبناني حدّ من قدرته التي بدت متواضعة جدا قياسا على امكانات شن هجمات عبر الحدود ضد إسرائيل، لأنّ هجمات حزب الله غالباً ما تعتمد على النيران المباشرة أو أنظمة النيران غير المباشرة قصيرة المدى نسبياً، مثل الصواريخ أو قذائف الهاون. فيما انه تأكيدا لمبدأ “المقاومة” سعى إلى استهداف المواقع الاسرائيلية في النقاط التي تحتلها اسرائيل في جنوب لبنان.
وليس التحدي العسكري وحده من سيواجه القدرة على إعادة تعبئته وتوفيره . فعدا عن مسؤوليته عن استدراج تدمير بيئته والبنية التحتية في لبنان ما جعله عاجزاَ عن تسخير أيّ موارد إيرانية أو خارجية لدعم بيئته أو إعادة الاعمار فهو سيواجه حكماَ تحدّياَ أكبر في المرحلة المقبلة وسيكون في حاجة الى الدولة اللبنانية التي كان حملها مسؤولية اعادة الاعمار بعد كارثة اسناد غزة .
نهاية الحقبة السابقة بالنسبة إلى الحزب يعتبر كُثر أنّها بدأت بجملة هذه المؤشرات ومؤشرات أخرى داخلية وخارجية ستكون العودة إليها متاحة بعد انتهاء الحرب ومألها والذي سيُحدّد كثيراً موقع الحزب وطبيعته في المرحلة المقبلة قياساً إلى ما سيضُطرّ لبنان إلى دفعه لإعادة مسار الاستقرار والنهوض مجدّداً.
آخر حروب “حزب الله”: نهاية حقبة أيضاً

هذا التموضع يُتيح لبري القدرة على أن يُشكّل الرافعة للطائفة بعد الكارثة التي استدرجها الحزب للمناطق الشيعية تحديداً وعدم إسقاط مسؤولية تدمير لبنان على الطائفة ككل
أعطى مراقبون ديبلوماسيون أهمية كبيرة للاصطفاف الذي قام به الشريك المهم في الثنائية الشيعية مع “حزب الله” مع قرار الحكومة اللبنانية حظر الجانب العسكري والأمني للحزب في جلسة مجلس الوزراء مطلع الشهر الجاري، باعتباره مؤشّراً لجملة أمور قد يكون ابرزها قراءة بري التحوّلات الاقليمية الكبيرة التي حصلت والتي ستتأتى عن الحرب الاميركية الاسرائيلية على إيران بما يُتيح له هامشاً استفاد منه لحماية الطائفة الشيعية من انعكاسات هذه التحولات الإقليمية وعدم رميها في اتون الخسارة المحدقة بايران اذا تم التسليم بالاستتباع لها وفقا للمسار الذي اخذه ونفذه الحزب.
وقد يكون انشغل الحزب بالحرب الذي فتحها ضد إسرائيل بما منعه من فتح خلاف داخلي يكشف التناقضات الداخلية ضمن الطائفة الشيعية ولكنّه قد يكون نسّق الخطوة مع بري من ضمن الأفق السياسي الذي يراه هذا الأخير لحماية مستقبل الطائفة وموقعها في لبنان. وهذا إلى حد كبير السلوك الذي اعتمده بري أقلّه في العناوين الكبيرة لانكفائه عن المشاركة في الحرب الى جانب نظام بشار الأسد في سوريا على غرار ما فعل الحزب وأدّى إلى انعكاسات مكلفة جدّاً على لبنان ولاحقاً على هذا الأخير.
ولكنّ مشاركة بري في قرار حظر الشق العسكري والأمني للحزب الذي كان مهمّاً للحكومة ووفّر غطاءً شيعيّاً لها، فُهِم أيضاً على قاعدة عزل الحزب والتضييق عليه وفقدانه أي دعم من حليف داخلي بمن فيهم الحليف في الثنائي الشيعي، فيما شكّل موقف بري بالنسبة إلى كثيرين تعويضاً عن صمت اعتمده لدى فتح الحزب حرب إسناد غزة، فيما رأى رئيس مجلس النواب أنّها ورّطت لبنان وأهدرت ما أنجزه في الجنوب خلال ما يقارب أربعين عاماً من رئاسته المجلس النيابي. وهذا التموضع يُتيح لبري القدرة على أن يُشكّل الرافعة للطائفة بعد الكارثة التي استدرجها الحزب للمناطق الشيعية تحديداً وعدم إسقاط مسؤولية تدمير لبنان على الطائفة ككل.
ومع أنّ الإجماع السياسي والطائفي إلى الإجماع الرسمي قد لا يُشكّل وحده كما أظهرت التطورات بعد حرب غزة عامل إقناع ضاغط على الحزب لتغيير وجهته، فإنّ ارتباطه بايران وإعلان انخراطه في الحرب الاخيرة ” ثأراً” للمرشد الايراني علي خامنئي سيُتيح للحرب على إيران أن تترك تداعياتها بقوّة عليه. وإيران وعلى رغم عدم اتضاح نتائج الحرب كليّاً حتى الآن، فإنّ أمامها متغيّرات كبيرة تبدأ من فقدانها قدراتها التي مكّنتها يوماً ما من مد نفوذها وهيمنتها في دول المنطقة. وامتداداتها في المنطقة وفي مقدمهم الحزب سيكون من أبرز دافعي الاثمان.
ففي نهاية الأمر، الحزب الذي أعلن مراراً أنّه يتلقّى “الدعم المعنوي والسياسي والمادي بكل أشكاله الممكنة والمتاحة من الجمهورية الإسلامية في إيران منذ العام 1982” وفق أمينه العام السابق حسن نصرالله، يُرجَّح أنّه سيفقد معظم أشكال الدعم الإيراني إن لم يكن كله في المرحلة المقبلة ارتباطاً بتداعيات الحرب على ايران والمراجعات التي ستضطر إليها. وكما كانت قوة الحزب وغطرسته مستمدّتان من قوّة إيران وغطرستها، فإنّ ضعفها وتراجعها سيؤديان إلى ضعفه وتراجعه ايضاً.
وأظهرت الأيام الأخيرة لهذه الحرب بوضوح طبيعة او حجم الاسلحة المتبقية لدى الحزب بعد حرب 2024 وكم تركت خسارة سوريا كظهير خلفي يوفّر الاسلحة للحزب من انعكاسات عليه. فعلى الصعيد الميداني، فشلت هجمات الحزب واشتباكاته البرية الدفاعية المحدودة في ردع إسرائيل أو إلحاق أي خسائر حقيقية بها فيما ألحقت هذه الاخيرة أضراراً أكبر بكثير للبنان وببيئة الحزب زادت على تلك التي عانت منها في حرب الإسناد غزة التي امتدت على عامين تقريباً. بالاضافة إلى أنّ تقليص وجود الحزب في جنوب الليطاني بفعل سيطرة الجيش اللبناني حدّ من قدرته التي بدت متواضعة جدا قياسا على امكانات شن هجمات عبر الحدود ضد إسرائيل، لأنّ هجمات حزب الله غالباً ما تعتمد على النيران المباشرة أو أنظمة النيران غير المباشرة قصيرة المدى نسبياً، مثل الصواريخ أو قذائف الهاون. فيما انه تأكيدا لمبدأ “المقاومة” سعى إلى استهداف المواقع الاسرائيلية في النقاط التي تحتلها اسرائيل في جنوب لبنان.
وليس التحدي العسكري وحده من سيواجه القدرة على إعادة تعبئته وتوفيره . فعدا عن مسؤوليته عن استدراج تدمير بيئته والبنية التحتية في لبنان ما جعله عاجزاَ عن تسخير أيّ موارد إيرانية أو خارجية لدعم بيئته أو إعادة الاعمار فهو سيواجه حكماَ تحدّياَ أكبر في المرحلة المقبلة وسيكون في حاجة الى الدولة اللبنانية التي كان حملها مسؤولية اعادة الاعمار بعد كارثة اسناد غزة .
نهاية الحقبة السابقة بالنسبة إلى الحزب يعتبر كُثر أنّها بدأت بجملة هذه المؤشرات ومؤشرات أخرى داخلية وخارجية ستكون العودة إليها متاحة بعد انتهاء الحرب ومألها والذي سيُحدّد كثيراً موقع الحزب وطبيعته في المرحلة المقبلة قياساً إلى ما سيضُطرّ لبنان إلى دفعه لإعادة مسار الاستقرار والنهوض مجدّداً.






