من التحرير إلى استدراج الاحتلال

الكاتب: عارف العبد | المصدر: المدن
6 آذار 2026

فعلها حزب الله، واثبت بما لا يقبل الشك والنقاش أو التأويل، وللمرة الثالثة على التوالي في غضون عشرين سنة، أنه قوة لبنانية مرتبطة ارتباطاً كلياً لا فكاك منه، بمصالح إيران والولي الفقيه، من دون أي إحساس بالمسؤولية أو تقدير، أو مراعاة للأرض التي يقف عليها ويعيش فيها، أو لمصالح سكانها الذين هم أولاده وعائلاته وأبناء طائفته وملته.

أعمى الإنتماء الأيديولوجي والمذهبي الخاص والخارج عن الاجماع، وحب السيطرة والتحكم، بصره وبصيرته. وتحول آلة مقيدة منقادة للتنفيذ والانقياد لمصالح محركه ومموله ومؤسسه ومديره في طهران أو قم، من دون أي رحمة أو شفقة أو تفكير بنتائج أفعاله، رافعاً راية ما يسمى بالمقاومة من أجل أن يبقى هو وسلاحه ونفوذه بيدقاً بيد إيران ومن يحكم ويتحكم فيها.

 أسقط حزب الله، وأطاح، بكل الرهانات السابقة، على أن يكون تعلم ولو درس واحد من تجاربه الماضية، أو تجربته المريرة الأخيرة في علاقته مع إيران، حين قُتل أمينه العام التاريخي السنة الماضية، والذي كان يُعتبر “محور المحور”، ومن العظام والمحميين والمقدرين، ومن الكبائر والمحرمات. مكثت إيران وقادتها جامدين، من دون أي رد فعل على مستوى مقتل أمينين عامين للحزب في مدى شهر واحد هما، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين. اضافة الى تدمير بلد مستقل وتشريد طائفة بأهلها واقتلاعها من أرضها وعمرانها وقراها واجتماعها المكون، والمتشكل، قبل إيران ولي الفقيه وأئمته المستجدين. 

 لم تحرك طهران ساكناً بشكل جدي، ولم تتصرف على مستوى الحدث الذي وقع، ولم تنجد اتباعها ومناصريها المخلصين شيعة لبنان المتأملين بها، الذين دفعوا الثمن الغالي والنفيس من أرزاقهم وأموالهم وأرواحهم وأولادهم وكراماتهم وجنى أعمارهم وثرواتهم المحصلة على مدى عقود من الكدح والتعب، حيث ُطردوا من قراهم وبلداتهم، وتجرعوا كأس الذل والتشرد والهوان، على طرقات مدن وقرى ومناطق لبنان، من أجل أن يبقى ويتعزز نفوذ ولي أمرهم في إيران. 

معروفة ومتداولة تلك الوقائع في ختام جولة الحوار الوطني في 14/3/ 2006 حين توجه احد المسؤولين الحضور إلى أمين عام حزب الله حسن نصرالله، بالقول: يا سيد، نحن مقبلون على موسم صيف واعد، نرجو أن تأخذوا بعين الاعتبار حاجتنا لهذا الموسم المأمول والموعود بنجاحه، والذي نعول عليه لما قد يكون له من العائدات الاقتصادية والمالية، إذ أن المؤشرات تدلنا على إقبال كثيف للسواح وأبناء البلد في الأسابيع المقبلة ونحن نحتاجه بشدة لمالية الدولة والمداخيل المنتظرة، فرد السيد نصرالله بثقة، لا أطمئنكم إلى انه لن تكون إلا عمليات “تذكيرية في مزارع شبعا” فقط اذا اضطرينا إلى ذلك، ولن تختل الموازين، اذهبوا وامضوا صيفا واعدا وزاهرا!

لكن، لم تمض بضعة أسابيع، على هذا الوعد القاطع والواضح، حتى اخترق حزب الله الخط الأزرق (12تموز 2006) خاطفا اثنين من الجنود الإسرائيليين، بحجة مبادلتهم بأسرى وعد الحزب لاسترجاعهم تحت يافطة “الوعد الصادق”. ليتبين فيما بعد أن إيران كانت في مرحلة تفاوض مع الغرب وبحاجة لإثبات وجودها وضغطها وتفوقها وقوتها. 

والوقائع، التي جرت جراء هذا التورط، معروفة على رؤوس الأشهاد، حيث دُمرت الضاحية وقرى الجنوب، وهجر أهل الجنوب إلى بيروت والمناطق ودمرت كل الجسور المبنية على الطرق والمفارق.

هذه الحرب المشؤومة، أسفرت عن صدور القرار 1701 ببنوده المعروفة، وأدت إلى انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع قوات الطوارئ الدولية ولأول مرة منذ 30 سنة بعد ان كان أُخرج منها.

هذه الحرب التي سميت بالوعد الصادق، ووُسمت بالنصر الإلهي، يومها، وتنقلت بعدها “عباية السيد” من بيت إلى بيت للتبرك منها، لم تكن ضرورية ولا لازمة، لان لبنان سبق أن حرر أرضه المحتلة عام 2000، بعد تجربة نضال ومقاومة انطلقت منذ غزو 1982 وقادتها جبهة المقاومة الوطنية، نتيجة ائتلاف جهد وتراكم خبرة أحزاب الحركة الوطنية التي تمت إزاحتها جانبا بفعل ضغط وارهاب المدعومين من إيران وسوريا.

كان قرار سوريا وإيران بالتكافل والتضامن، توزيع وتقاسم الأدوار والمهام في ساحة لبنان وتلزيم أعمال “المقاولة” في المقاومة وحصرها بحزب الله وحيدا.

حزب الله، الذي ورث وصادر ظاهرة المقاومة الوطنية اللبنانية، والتي كانت نتيجة جهد وعصارة تجربة سياسية وطنية جدية امتدت لاكثر من نصف قرن، وقع في فخ مصيدة مصالح وأطماع نظام أل الأسد، بإبقاء لبنان تحت رهن وعد تحرير مزارع شبعا، المكتشفة خرائط لبنانيتها في أدراج الأمن السياسي اللبناني البعثي اللحودي الأسدي.  

بعد تحرير العام 2000، كل ما جرى كان بمثابة افتراء على لبنان وشعبه، وبمثابة “سلبطة” على قراره الوطني وتحميله فوق ما يحتمل، من أدوار وخدمات لنظامي آل الأسد والولي الفقيه.

لم يتوقف حزب الله، أمام فداحة نتائج تجربة 2006 المدمرة، فعاد وكرر توريط لبنان، وطائفته وشعبه. في حرب الاسناد بالرغم من كل التحذيرات والمناشدات بعدم التورط وجر لبنان المحطم إلى هذا الأتون الماحق، فكانت النتيجة هزيمة مجلجلة وانسحاقاً مدوياً، نتيجة الاختراق والتفوق الإسرائيلي العسكري والأمني والتكنولوجي. 

بالرغم من كل النتائج الكارثية التي جرها حزب الله على نفسه وبلده واهله. 

انتظر تحت شعارات وتبريرات متداعية اندلاع الحرب على إيران، وخرج عن ما اسماه “الصبر الاستراتيجي”، ليطلق رشقة من الصواريخ كما اعلن في بيانه:

 “ثأراً للدم الزاكي لولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي قدس سره الشريف”.

لم يتوقف حزب الله أمام سفك الدماء الزاكي للبنانيين، ولم يلتفت لهم، بل كان همه، الثأر للدم الزاكي لولي الفقيه المغتال على أيدي إسرائيل وأميركا.

لكن هذا الفعل الذي استدرج إسرائيل المنتظرة هذه الإشارة والمبرر، للتحرك نحو القصف والقتل وتوسيع الاحتلال لمناطق ومساحات جديدة من الجنوب، أعاد مد حزب الله بما يريد من تجديد “شرعية” الحاجة إلى حركته العسكرية “المقاومة”.

في أخر خطاب له، مساء الخميس في الرابع من آذار، تناسى الشيخ نعيم قاسم بيان التعليل والتبرير لاطلاق الصواريخ التي اشعلت الفتيل، وتناسى مبرر “سفك الدماء الزاكي”، ليتراجع عن كل هذه المقاربة، ويعود الى معزوفة ما يسمى “بالمقاومة المسلحة في وجه الاحتلال” الذي عاد للتحرك بدوافع جديدة.

انها خدمات ومبررات متبادلة، بين الحزب وإسرائيل، في أن يعطي هذا، المبرر والدافع لذاك.

 الحزب، في قصفه الصواريخ خدم ويخدم إسرائيل، في تحركها وإعادة تمددها واحتلالها، وإسرائيل “المتغولة” والمتربصة باحتلالها وعدوانها الجديد، تعود وتخدم الحزب في استعادته لمنطقه ومبرره للبقاء، كما هو بخطابه الاستغلالي لجراح أهله المكلومين والمعذبين والمحتلين عن قصد مجدداً.

من التحرير إلى استدراج الاحتلال

الكاتب: عارف العبد | المصدر: المدن
6 آذار 2026

فعلها حزب الله، واثبت بما لا يقبل الشك والنقاش أو التأويل، وللمرة الثالثة على التوالي في غضون عشرين سنة، أنه قوة لبنانية مرتبطة ارتباطاً كلياً لا فكاك منه، بمصالح إيران والولي الفقيه، من دون أي إحساس بالمسؤولية أو تقدير، أو مراعاة للأرض التي يقف عليها ويعيش فيها، أو لمصالح سكانها الذين هم أولاده وعائلاته وأبناء طائفته وملته.

أعمى الإنتماء الأيديولوجي والمذهبي الخاص والخارج عن الاجماع، وحب السيطرة والتحكم، بصره وبصيرته. وتحول آلة مقيدة منقادة للتنفيذ والانقياد لمصالح محركه ومموله ومؤسسه ومديره في طهران أو قم، من دون أي رحمة أو شفقة أو تفكير بنتائج أفعاله، رافعاً راية ما يسمى بالمقاومة من أجل أن يبقى هو وسلاحه ونفوذه بيدقاً بيد إيران ومن يحكم ويتحكم فيها.

 أسقط حزب الله، وأطاح، بكل الرهانات السابقة، على أن يكون تعلم ولو درس واحد من تجاربه الماضية، أو تجربته المريرة الأخيرة في علاقته مع إيران، حين قُتل أمينه العام التاريخي السنة الماضية، والذي كان يُعتبر “محور المحور”، ومن العظام والمحميين والمقدرين، ومن الكبائر والمحرمات. مكثت إيران وقادتها جامدين، من دون أي رد فعل على مستوى مقتل أمينين عامين للحزب في مدى شهر واحد هما، حسن نصرالله وهاشم صفي الدين. اضافة الى تدمير بلد مستقل وتشريد طائفة بأهلها واقتلاعها من أرضها وعمرانها وقراها واجتماعها المكون، والمتشكل، قبل إيران ولي الفقيه وأئمته المستجدين. 

 لم تحرك طهران ساكناً بشكل جدي، ولم تتصرف على مستوى الحدث الذي وقع، ولم تنجد اتباعها ومناصريها المخلصين شيعة لبنان المتأملين بها، الذين دفعوا الثمن الغالي والنفيس من أرزاقهم وأموالهم وأرواحهم وأولادهم وكراماتهم وجنى أعمارهم وثرواتهم المحصلة على مدى عقود من الكدح والتعب، حيث ُطردوا من قراهم وبلداتهم، وتجرعوا كأس الذل والتشرد والهوان، على طرقات مدن وقرى ومناطق لبنان، من أجل أن يبقى ويتعزز نفوذ ولي أمرهم في إيران. 

معروفة ومتداولة تلك الوقائع في ختام جولة الحوار الوطني في 14/3/ 2006 حين توجه احد المسؤولين الحضور إلى أمين عام حزب الله حسن نصرالله، بالقول: يا سيد، نحن مقبلون على موسم صيف واعد، نرجو أن تأخذوا بعين الاعتبار حاجتنا لهذا الموسم المأمول والموعود بنجاحه، والذي نعول عليه لما قد يكون له من العائدات الاقتصادية والمالية، إذ أن المؤشرات تدلنا على إقبال كثيف للسواح وأبناء البلد في الأسابيع المقبلة ونحن نحتاجه بشدة لمالية الدولة والمداخيل المنتظرة، فرد السيد نصرالله بثقة، لا أطمئنكم إلى انه لن تكون إلا عمليات “تذكيرية في مزارع شبعا” فقط اذا اضطرينا إلى ذلك، ولن تختل الموازين، اذهبوا وامضوا صيفا واعدا وزاهرا!

لكن، لم تمض بضعة أسابيع، على هذا الوعد القاطع والواضح، حتى اخترق حزب الله الخط الأزرق (12تموز 2006) خاطفا اثنين من الجنود الإسرائيليين، بحجة مبادلتهم بأسرى وعد الحزب لاسترجاعهم تحت يافطة “الوعد الصادق”. ليتبين فيما بعد أن إيران كانت في مرحلة تفاوض مع الغرب وبحاجة لإثبات وجودها وضغطها وتفوقها وقوتها. 

والوقائع، التي جرت جراء هذا التورط، معروفة على رؤوس الأشهاد، حيث دُمرت الضاحية وقرى الجنوب، وهجر أهل الجنوب إلى بيروت والمناطق ودمرت كل الجسور المبنية على الطرق والمفارق.

هذه الحرب المشؤومة، أسفرت عن صدور القرار 1701 ببنوده المعروفة، وأدت إلى انتشار الجيش اللبناني على الحدود مع قوات الطوارئ الدولية ولأول مرة منذ 30 سنة بعد ان كان أُخرج منها.

هذه الحرب التي سميت بالوعد الصادق، ووُسمت بالنصر الإلهي، يومها، وتنقلت بعدها “عباية السيد” من بيت إلى بيت للتبرك منها، لم تكن ضرورية ولا لازمة، لان لبنان سبق أن حرر أرضه المحتلة عام 2000، بعد تجربة نضال ومقاومة انطلقت منذ غزو 1982 وقادتها جبهة المقاومة الوطنية، نتيجة ائتلاف جهد وتراكم خبرة أحزاب الحركة الوطنية التي تمت إزاحتها جانبا بفعل ضغط وارهاب المدعومين من إيران وسوريا.

كان قرار سوريا وإيران بالتكافل والتضامن، توزيع وتقاسم الأدوار والمهام في ساحة لبنان وتلزيم أعمال “المقاولة” في المقاومة وحصرها بحزب الله وحيدا.

حزب الله، الذي ورث وصادر ظاهرة المقاومة الوطنية اللبنانية، والتي كانت نتيجة جهد وعصارة تجربة سياسية وطنية جدية امتدت لاكثر من نصف قرن، وقع في فخ مصيدة مصالح وأطماع نظام أل الأسد، بإبقاء لبنان تحت رهن وعد تحرير مزارع شبعا، المكتشفة خرائط لبنانيتها في أدراج الأمن السياسي اللبناني البعثي اللحودي الأسدي.  

بعد تحرير العام 2000، كل ما جرى كان بمثابة افتراء على لبنان وشعبه، وبمثابة “سلبطة” على قراره الوطني وتحميله فوق ما يحتمل، من أدوار وخدمات لنظامي آل الأسد والولي الفقيه.

لم يتوقف حزب الله، أمام فداحة نتائج تجربة 2006 المدمرة، فعاد وكرر توريط لبنان، وطائفته وشعبه. في حرب الاسناد بالرغم من كل التحذيرات والمناشدات بعدم التورط وجر لبنان المحطم إلى هذا الأتون الماحق، فكانت النتيجة هزيمة مجلجلة وانسحاقاً مدوياً، نتيجة الاختراق والتفوق الإسرائيلي العسكري والأمني والتكنولوجي. 

بالرغم من كل النتائج الكارثية التي جرها حزب الله على نفسه وبلده واهله. 

انتظر تحت شعارات وتبريرات متداعية اندلاع الحرب على إيران، وخرج عن ما اسماه “الصبر الاستراتيجي”، ليطلق رشقة من الصواريخ كما اعلن في بيانه:

 “ثأراً للدم الزاكي لولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي قدس سره الشريف”.

لم يتوقف حزب الله أمام سفك الدماء الزاكي للبنانيين، ولم يلتفت لهم، بل كان همه، الثأر للدم الزاكي لولي الفقيه المغتال على أيدي إسرائيل وأميركا.

لكن هذا الفعل الذي استدرج إسرائيل المنتظرة هذه الإشارة والمبرر، للتحرك نحو القصف والقتل وتوسيع الاحتلال لمناطق ومساحات جديدة من الجنوب، أعاد مد حزب الله بما يريد من تجديد “شرعية” الحاجة إلى حركته العسكرية “المقاومة”.

في أخر خطاب له، مساء الخميس في الرابع من آذار، تناسى الشيخ نعيم قاسم بيان التعليل والتبرير لاطلاق الصواريخ التي اشعلت الفتيل، وتناسى مبرر “سفك الدماء الزاكي”، ليتراجع عن كل هذه المقاربة، ويعود الى معزوفة ما يسمى “بالمقاومة المسلحة في وجه الاحتلال” الذي عاد للتحرك بدوافع جديدة.

انها خدمات ومبررات متبادلة، بين الحزب وإسرائيل، في أن يعطي هذا، المبرر والدافع لذاك.

 الحزب، في قصفه الصواريخ خدم ويخدم إسرائيل، في تحركها وإعادة تمددها واحتلالها، وإسرائيل “المتغولة” والمتربصة باحتلالها وعدوانها الجديد، تعود وتخدم الحزب في استعادته لمنطقه ومبرره للبقاء، كما هو بخطابه الاستغلالي لجراح أهله المكلومين والمعذبين والمحتلين عن قصد مجدداً.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار