شقق للإيجار وصور نصرالله… “زكزكة” طائفيّة في شارع الحمراء!

في وطنٍ بات – بقرارٍ أحاديٍّ – مشتّتًا، ممزّقًا، بلا غدٍ، فاقدًا للأحلام، حصل إشكالٌ غير بسيط بين أولاد منطقة الحمراء والنازحين الجدد. صراخ كثير، عراك كبير، ولحظات رسمت عنوانًا إضافيًّا على المرحلة الصعبة: هل المناطق التي استقبلت النازحين بخير؟ فماذا في منطقة الحمراء اليوم؟ النازحون أهلنا؟ نعم. لكن، ماذا عن النازحين الذين أتوا ومعهم صور نصرالله؟
قبل بزوغ فجر اليوم التاسع لحربِ إسناد إيران من لبنان، شهد قلب العاصمة في بيروت، منطقة عائشة بكار المتّصلة بمنطقة الحمراء، غارةً على شقة مستأجرة حديثًا. هما منطقتان متجاورتان. وما حصل هزّ ما تبقى من حالة السّكون في المحيط. الخوف الناجم عن الشعور بالخطر يؤدّي إلى تغيير في السلوك. فلنذهب معًا إلى شارع الحمراء لاستكشاف الأرض.
شارع الحمراء رئيسي في بيروت. هناك من يسمّيه “حمرا” بلا الهمزة آخر الكلمة. سمّوه ما شئتم. الأهم الآن حاله. نتوجّه إليه من شارع الرينغ. هنا كان ثوّار لبنان يتظاهرون وكان شبّان ينزلون إليهم هاتفين “شيعة شيعة” من شوارع محاذية. ثمّة شعارات ما زالت تشي بتلك الأيام. نتابع مسارنا. برج المرّ إلى يميننا، وإلى اليسار شارع الحمراء، وعدّادٌ كان يحسب الأيام من تاريخ استشهاد الشيخ رفيق الحريري على مبنى مجاور توقّف. الزحمة شديدة. الناس محشورون في مركباتهم بشكلٍ غير عادي كي لا نقول هستيري. والكثير الكثير من الدراجات النارية تعبر يمينًا ويسارًا. نعبر جنب مسجد القنطاري، ونتسلّى بقراءة عبارات تنسينا قلق اللحظة: “في قهوة القنطاري لا الشاي اندلق ولا القهوة فارت… ويا شحّاري شو طيبة أركيلة القنطاري”. مُلصقات كثيرة جديدة تعلن عن بيوت للإيجار، ومطعم جديد قبالة جامعة هايكازيان وضع عند مدخله إعلان ببدء العمل قريبًا “coming soon” وغادر على عجل.
شارع الحمراء تغيّر كثيرًا في الآونة الأخيرة، ويتغيّر اليوم أكثر. شارع الحمراء كان ملاذًا للمثقفين والكتّاب والمفكرين. الأدباء كانوا ينتشرون في مقاهي “مودكا” و”كافيه دو باريس” و”هورس شو” و”الويمبي”… أغلقت كل هذه المقاهي ذات الذاكرة البيروتية الجميلة وفقد الشارع كثيرًا من ذاكرته الثقافية.
نتابع سيرنا. “نقزة” ظاهرة في وجوه الناس. كل ثلاثة أو أربعة شبان يتسامرون في حلقةٍ على أرصفة الشارع ولسان حالهم: تحليلات عن المرحلة المقبلة. كلّ الناس باتوا محلّلين. نمرّ قرب شارع كمال جنبلاط. نعبر أمام مصرف لبنان. نسير جنب وزارات الداخلية والسياحة والإعلام. وتأتي المفاجأة الأولى ممّا يُشبه البسطات على الأرصفة باسم جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية. ثمّة صور للسيد حسن نصرالله وأعلام صفر رُكّزت على البسطات. الجمعية مرتبطة طبعًا فكريًّا وتنظيميًّا بـ”حزب الله”. نعرف هذا. لكن، أليس في هذا تحدٍّ في هذه الظروف؟ مشاهد تزيد مشاعر الخوف عند السكان الأصليين.
نمرّ أمام كنيسة مار فرنسيس الكاثوليكية في شارع الحمراء. نرى أناسًا يتكئون إلى حيطان الكنيسة الخارجية، يشربون القهوة ويتسامرون. مارٌّ على عجل يُخبرنا: “النّازحون ملأوا الأرض”. إنهم في كلِ مكان. هؤلاء أهلنا من اللبنانيين الذين اضطرّوا إلى مغادرة بيوتهم بسبب حربٍ عبثية شُنّت باسمهم في ليلة لا قمر فيها. نتعاطف معهم. لكنّنا لا نلبث أن نشعر بالحنق من مشهدية تركيز أعلام صفراء على أعمدة مجاورة. هناك من يُصرّ على استخدام الجماعة في لعبة خارجية. هناك نازحون يردّدون: فدا السيد حسن. لكن، في المقابل، هناك من لم يعد لديهم “حيل” حتّى للكلام. هؤلاء ضحايا بحاجة ماسة إلى حماية.
شقق للإيجار. تتكرّر العبارة على ملصقات على الجدران. نسأل شبّانًا يتحلّقون أمام محطة بنزين: هل توجد شقة للإيجار في الجوار؟ يجيبون وهم يبتسمون: “يا ريت… نحن نبحث”. نتصل بالمعلنين فيُخبروننا بوجود شقة مساحتها 250 مترًا بإيجار سنوي قيمته 24 ألف دولار، والدفع سلف. نتصل بمعلنٍ آخر فيُخبرنا بوجود شقة في شارع بلس – غرفة نوم وغرفة جلوس مع مطبخ مفتوح – بأجرة شهرية 1500 دولار، والدفع ثلاثة أشهر سلف وشهر عمولة. نعم، هناك شقق لكن للميسورين. وبين هؤلاء الميسورين ثمة شكوك. نعم، اللبنانيّون باتوا يُشككون حتّى بأنفسهم بعدما بات الكلام كثيرًا عن ملاحقين يستأجرون شققًا وغرفًا في الفنادق. كلّ ما نراه يفسّر مشاعر القلق عند الجميع. النّازحون وغير النّازحين. كلّ هذا في ظلّ إصرار البعض على التعاطي بجشعٍ مع مَن هم بحاجة حقًّا إلى سقفٍ ولا “خلفيّة” له إلّا “السترة” تحت سقفٍ وأرض.
القهاوي الجديدة تبدّل روادها. أحد الجالسين مقهقهًا عاليًا يرتدي سترة كُتب عليها: ترشيحا فلسطين. يافطة للقوميين السوريين تحيي أنطون سعادة في ميلاده. قهوة – أقلّ من نجمة واحدة – باسم “دقيقة واحدة” نشرت طاولات وكراسي عتيقة على الرّصيف مقدمة الشاي العراقي. سيارات تمرّ بعكس السير، وكراتين وُضعت للتوّ تحدّد المسارات إلى غرباء ينغلون في شارع الحمراء. وعبارة موجهة إلى بني أوم (قوم) تحدّد على جدارٍ قبالة بيت ريمون إده رؤية كاتبها: “إلّا إنّ حزب الله هم الغالبون”. حديقة رينيه معوض (الصنائع) مقفلة. مبنى مشلّع منذ أيام الحرب الأهلية لم يرمّمه أصحابه لم يعد غريبًا عن مبانٍ وأحياء كثيرة في هذا الوطن. موقف للعموم. وبعده مركز الصليب الأحمر المركزي و… وصور للسيد حسن على الأعمدة الكهربائية في المحاذاة. رفقًا، أتركوا النازحين وغير النازحين “بقا” في حالهم. يكفيهم ما فيهم.
إنّنا في شارع الحمراء الذي حكى عن رقيّه الثقافي – ذات يوم – كلّ العالم. هنا، المسارح والمقاهي التاريخية التي كان يرتادها روّاد الفكر صبيحة كل يوم لشربِ قهوةٍ بطعمٍ استثنائي. الشارع تغير قبل حرب الإسناد الجديدة بكثير وبات سوق الأحد “سوق الحمرا” فيه من رموزه بدل “المودكا”. هو تغيّر منذ تقدمت الإيديولوجيا على الفكر الحرّ. وأصبحت الكلمة للسلاح لا الفكر. فلنترك شارع الحمراء في حاله. وحاله حال لبنان.
شقق للإيجار وصور نصرالله… “زكزكة” طائفيّة في شارع الحمراء!

في وطنٍ بات – بقرارٍ أحاديٍّ – مشتّتًا، ممزّقًا، بلا غدٍ، فاقدًا للأحلام، حصل إشكالٌ غير بسيط بين أولاد منطقة الحمراء والنازحين الجدد. صراخ كثير، عراك كبير، ولحظات رسمت عنوانًا إضافيًّا على المرحلة الصعبة: هل المناطق التي استقبلت النازحين بخير؟ فماذا في منطقة الحمراء اليوم؟ النازحون أهلنا؟ نعم. لكن، ماذا عن النازحين الذين أتوا ومعهم صور نصرالله؟
قبل بزوغ فجر اليوم التاسع لحربِ إسناد إيران من لبنان، شهد قلب العاصمة في بيروت، منطقة عائشة بكار المتّصلة بمنطقة الحمراء، غارةً على شقة مستأجرة حديثًا. هما منطقتان متجاورتان. وما حصل هزّ ما تبقى من حالة السّكون في المحيط. الخوف الناجم عن الشعور بالخطر يؤدّي إلى تغيير في السلوك. فلنذهب معًا إلى شارع الحمراء لاستكشاف الأرض.
شارع الحمراء رئيسي في بيروت. هناك من يسمّيه “حمرا” بلا الهمزة آخر الكلمة. سمّوه ما شئتم. الأهم الآن حاله. نتوجّه إليه من شارع الرينغ. هنا كان ثوّار لبنان يتظاهرون وكان شبّان ينزلون إليهم هاتفين “شيعة شيعة” من شوارع محاذية. ثمّة شعارات ما زالت تشي بتلك الأيام. نتابع مسارنا. برج المرّ إلى يميننا، وإلى اليسار شارع الحمراء، وعدّادٌ كان يحسب الأيام من تاريخ استشهاد الشيخ رفيق الحريري على مبنى مجاور توقّف. الزحمة شديدة. الناس محشورون في مركباتهم بشكلٍ غير عادي كي لا نقول هستيري. والكثير الكثير من الدراجات النارية تعبر يمينًا ويسارًا. نعبر جنب مسجد القنطاري، ونتسلّى بقراءة عبارات تنسينا قلق اللحظة: “في قهوة القنطاري لا الشاي اندلق ولا القهوة فارت… ويا شحّاري شو طيبة أركيلة القنطاري”. مُلصقات كثيرة جديدة تعلن عن بيوت للإيجار، ومطعم جديد قبالة جامعة هايكازيان وضع عند مدخله إعلان ببدء العمل قريبًا “coming soon” وغادر على عجل.
شارع الحمراء تغيّر كثيرًا في الآونة الأخيرة، ويتغيّر اليوم أكثر. شارع الحمراء كان ملاذًا للمثقفين والكتّاب والمفكرين. الأدباء كانوا ينتشرون في مقاهي “مودكا” و”كافيه دو باريس” و”هورس شو” و”الويمبي”… أغلقت كل هذه المقاهي ذات الذاكرة البيروتية الجميلة وفقد الشارع كثيرًا من ذاكرته الثقافية.
نتابع سيرنا. “نقزة” ظاهرة في وجوه الناس. كل ثلاثة أو أربعة شبان يتسامرون في حلقةٍ على أرصفة الشارع ولسان حالهم: تحليلات عن المرحلة المقبلة. كلّ الناس باتوا محلّلين. نمرّ قرب شارع كمال جنبلاط. نعبر أمام مصرف لبنان. نسير جنب وزارات الداخلية والسياحة والإعلام. وتأتي المفاجأة الأولى ممّا يُشبه البسطات على الأرصفة باسم جمعية الإمداد الخيرية الإسلامية. ثمّة صور للسيد حسن نصرالله وأعلام صفر رُكّزت على البسطات. الجمعية مرتبطة طبعًا فكريًّا وتنظيميًّا بـ”حزب الله”. نعرف هذا. لكن، أليس في هذا تحدٍّ في هذه الظروف؟ مشاهد تزيد مشاعر الخوف عند السكان الأصليين.
نمرّ أمام كنيسة مار فرنسيس الكاثوليكية في شارع الحمراء. نرى أناسًا يتكئون إلى حيطان الكنيسة الخارجية، يشربون القهوة ويتسامرون. مارٌّ على عجل يُخبرنا: “النّازحون ملأوا الأرض”. إنهم في كلِ مكان. هؤلاء أهلنا من اللبنانيين الذين اضطرّوا إلى مغادرة بيوتهم بسبب حربٍ عبثية شُنّت باسمهم في ليلة لا قمر فيها. نتعاطف معهم. لكنّنا لا نلبث أن نشعر بالحنق من مشهدية تركيز أعلام صفراء على أعمدة مجاورة. هناك من يُصرّ على استخدام الجماعة في لعبة خارجية. هناك نازحون يردّدون: فدا السيد حسن. لكن، في المقابل، هناك من لم يعد لديهم “حيل” حتّى للكلام. هؤلاء ضحايا بحاجة ماسة إلى حماية.
شقق للإيجار. تتكرّر العبارة على ملصقات على الجدران. نسأل شبّانًا يتحلّقون أمام محطة بنزين: هل توجد شقة للإيجار في الجوار؟ يجيبون وهم يبتسمون: “يا ريت… نحن نبحث”. نتصل بالمعلنين فيُخبروننا بوجود شقة مساحتها 250 مترًا بإيجار سنوي قيمته 24 ألف دولار، والدفع سلف. نتصل بمعلنٍ آخر فيُخبرنا بوجود شقة في شارع بلس – غرفة نوم وغرفة جلوس مع مطبخ مفتوح – بأجرة شهرية 1500 دولار، والدفع ثلاثة أشهر سلف وشهر عمولة. نعم، هناك شقق لكن للميسورين. وبين هؤلاء الميسورين ثمة شكوك. نعم، اللبنانيّون باتوا يُشككون حتّى بأنفسهم بعدما بات الكلام كثيرًا عن ملاحقين يستأجرون شققًا وغرفًا في الفنادق. كلّ ما نراه يفسّر مشاعر القلق عند الجميع. النّازحون وغير النّازحين. كلّ هذا في ظلّ إصرار البعض على التعاطي بجشعٍ مع مَن هم بحاجة حقًّا إلى سقفٍ ولا “خلفيّة” له إلّا “السترة” تحت سقفٍ وأرض.
القهاوي الجديدة تبدّل روادها. أحد الجالسين مقهقهًا عاليًا يرتدي سترة كُتب عليها: ترشيحا فلسطين. يافطة للقوميين السوريين تحيي أنطون سعادة في ميلاده. قهوة – أقلّ من نجمة واحدة – باسم “دقيقة واحدة” نشرت طاولات وكراسي عتيقة على الرّصيف مقدمة الشاي العراقي. سيارات تمرّ بعكس السير، وكراتين وُضعت للتوّ تحدّد المسارات إلى غرباء ينغلون في شارع الحمراء. وعبارة موجهة إلى بني أوم (قوم) تحدّد على جدارٍ قبالة بيت ريمون إده رؤية كاتبها: “إلّا إنّ حزب الله هم الغالبون”. حديقة رينيه معوض (الصنائع) مقفلة. مبنى مشلّع منذ أيام الحرب الأهلية لم يرمّمه أصحابه لم يعد غريبًا عن مبانٍ وأحياء كثيرة في هذا الوطن. موقف للعموم. وبعده مركز الصليب الأحمر المركزي و… وصور للسيد حسن على الأعمدة الكهربائية في المحاذاة. رفقًا، أتركوا النازحين وغير النازحين “بقا” في حالهم. يكفيهم ما فيهم.
إنّنا في شارع الحمراء الذي حكى عن رقيّه الثقافي – ذات يوم – كلّ العالم. هنا، المسارح والمقاهي التاريخية التي كان يرتادها روّاد الفكر صبيحة كل يوم لشربِ قهوةٍ بطعمٍ استثنائي. الشارع تغير قبل حرب الإسناد الجديدة بكثير وبات سوق الأحد “سوق الحمرا” فيه من رموزه بدل “المودكا”. هو تغيّر منذ تقدمت الإيديولوجيا على الفكر الحرّ. وأصبحت الكلمة للسلاح لا الفكر. فلنترك شارع الحمراء في حاله. وحاله حال لبنان.







