حكاية العلاقة الاضطرارية بين المسيحيين وإسرائيل للدفاع عن الوجود

الكاتب: نبيل يوسف | المصدر: نداء الوطن
27 آذار 2026

يكثر الحديث عن العلاقة التي نشأت بين أحزاب “الجبهة اللبنانية” وأهالي القرى الحدودية الجنوبية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى خلال مراحل الحرب اللبنانية، وتكثر الاتهامات والأقاويل.

أحاول في هذه الأسطر أن أروي ما أخبره الأستاذ جوزيف أبو خليل عن بداية العلاقة بين أحزاب وتنظيمات “الجبهة اللبنانية” خاصة “الكتائب اللبنانية” وإسرائيل، وأنا أتكلم عن أحداث مرّ عليها 50 عامًا.

يقول أبو خليل: “منذ اندلاع الحرب في 13 نيسان 1975 وحتى قبل ذلك، كان يقصد بيت الكتائب المركزي بعض الأصدقاء محاولين الهمس والإيحاء بأن إسرائيل مستعدة لمساعدتنا على الصمود، لكن هذا الأمر لم يكن واردًا في مفهوم الكتائب وكان الشيخ بيار الجميل يرفض مجرد الحديث في هذا الموضوع.

قاتلنا لمدة سنة من دون أي دعم خارجي في مواجهة أحزاب وتنظيمات لبنانية وفلسطينية مدعومة من دول عدة، ووصلنا إلى شهر آذار من العام 1976 وكاد ينتهي كل شيء: بدأت القوات الفلسطينية وحلفاؤها من التنظيمات اللبنانية معركة الحسم العسكري والهدف إسقاط بكفيا وجونيه وزغرتا وزحلة وراحت القوات الفلسطينية تستعمل أكبر المدافع التي ما كنا نستطيع الرد عليها إلا ببعض القذائف، التي كان رماتنا الماهرون يحققون من خلالها إصابات مباشرة أقلقت القوات الفلسطينية واعتقدت أن جبهتنا محصنة جدًّا.

إضافة إلى ذلك شهدت المنطقة الشرقية شبه انهيار كامل: اضطر رئيس الجمهورية لمغادرة قصر بعبدا إلى كسروان نتيجة القصف الذي تعرض له القصر، وانقطع من مناطقنا تقريبًا كل شيء من المحروقات إلى الطحين إلى الدواء، وكان جريحنا مشروع شهيد فلم يعد لدينا حتى “شاش” لمعالجته، وحتى إذا قررنا الرحيل فلا سفن وبواخر قادرة على نقل شعبنا إلى قبرص. أيضًا ما عاد هناك أي تاجر سلاح يستطيع تأمين ولو رصاصة واحدة مهما كان ثمنها، فسدت كل الأسواق العالمية أمامنا”.

يضيف: “كنت أعرف أن الوضع صعب ومأسوي، لكن لم أكن أتصور إلى هذه الدرجة، إلى أن كان مساء 27 آذار 1976 كعادتي كل ليلة بعد انتهاء عملي في صحيفة العمل، أمر للقاء الشيخ بشير الجميل في المبنى المقابل للبيت المركزي الكتائبي المعروف بمبنى “السوكوماكس” الذي كان اتخذه مقرًا لقيادته.

وصلت تلك الليلة فشاهدت كل الوجوه متجهمة ولا أحد يتحدث، والشيخ بشير الجميل واقف عند النافذة يتأمل الشارع الذي يحتشد فيه عشرات المقاتلين.

أنا في هذه الحالة لا أسأل خوفًا من أن أسمع أي خبر سيئ. تقدمت ووقفت إلى جانب الشيخ بشير، وبعد دقائق من الصمت قال لي: هل تشاهد هؤلاء الأبطال في الشارع؟ إنهم يرفضون بخجل أن يتوجهوا إلى خطوط الجبهة للتبديل، لأن ليس معهم ذخائر كافية ولم يعد لدي ذخائر أعطيهم إياها ماذا أفعل؟

صعقني ما أسمع، فإرسال مقاتلين إلى خطوط الجبهة بهذا الوضع كمن يرسلهم للانتحار. التفتُ إلى الشيخ بشير وسألته: إلى هذا الحد؟ رد: وأكثر مما تتصور لو من يواجهنا يعرف حقيقة وضع مخازن السلاح والذخائر عندنا لكان بدأ اجتياح مناطقنا على الفور.

كنت أعرف أن بعض الرفاق وبمبادرة منهم ركبوا البحر باتجاه إسرائيل طالبين المساعدة ورجعوا بوعود إيجابية، فسألت بشير: ماذا عن الاتصال باسرائيل؟

رد: “لا أعرف ولا أثق بهذه المغامرة”.

تابع أبو خليل: تركت بشير وكنت قررت القيام بعمل قبل الفجر وتوجهت على الفور إلى بكفيا وكانت الساعة قرابة 10 ليلًا موعد نوم الشيخ بيار الجميل، دخلت إلى غرفته وكنت استعديت لما سأقوله له فشرحت واقع الجبهة وامتناع المقاتلين عن التوجه إلى المتاريس الأمامية من دون ذخائر وبهذا الوضع كأننا نرسلهم إلى الموت.

سأل بصوت خافت: إلى هذا الحد؟

قلت له: وأكثر، وأكملت: أنا لا أقوم بأي عمل من دون استشارتك والآن جئت أخبرك أنا الليلة متوجّه إلى إسرائيل، لم يعد لدينا ما نخسره، مناطقنا ستسقط بين يوم وآخر، وستحدث مجازر. أنا لا ألزم الحزب بما سأقوم به فالحزب قادر أن يتبرأ مني، ولكن لا يمكن أن أشاهد الانهيار أمامي وأبقى متفرجًا.

يقول الاستاذ أبو خليل: كان جواب الشيخ بيار الجميل: هذا قرار خطير. فقلت له: أعرف ذلك ولكن أمامنا مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال والعجزة سيذبحون كما ذبح أهلنا في الدامور والجيه وعكار والبقاع. أنا ذاهب إلى اسرائيل بقرار ذاتي مني.

لم يرد الشيخ بيار الجميل وأطرق مفكرًا، فغادر جوزيف أبو خليل مجددًا إلى مبنى “السوكوماكس” وأبلغ الشيخ بشير الجميل بقراره الانطلاق فورًا طالبًا تزويده بمركب وبعض المسؤولين العسكريين القادرين على شرح الوضع العسكري والمطلوب تأمينه.

قلت له: هلق لازم إمشي إذا تأخرت يمكن بدل رأيي أو يصير علينا ضغوط ما ممكن نخلي مذبحة تصير بأهلنا إذا دخلوا إلينا هناك دامور ثانية.

من مقر الشيخ بشير الجميل، توجه أبو خليل إلى مرفأ جونية ومعه مسؤولان عسكريان أرسلهما الشيخ بشير الجميل لمرافقته، فركبوا مركبًا قاده بحّار عتيق.

يقول أبو خليل: كان الجو عاصفًا والأمواج تلعب بالمركب ومع كل موجة أشعر أن النهاية اقتربت.

بقي الموج يتلاعب بالمركب الصغير وهو يتقدم باتجاه الجنوب حتى انبلاج الفجر حين هدأ البحر قليلًا، وفجأة شاهد الركاب مركبًا ضخمًا يتقدم صوبهم فاعتقدوا أن النهاية اقتربت، وكان الاعتقاد أنه مركب فلسطيني حيث أن المعلومات المتوفرة أن لدى المنظمات الفلسطينية مراكب حربية.

وصلت السفينة الحربية إلى قرب مركب أبو خليل، فشاهدوا علم إسرائيل ثم سمعوا صوتًا بالعربية يقول: ارفع علمك.

رفع البحّار العلم اللبناني وعاد الصوت يسأل: من أنتم؟ وإلى أين وجهتكم؟

رد البحّار: جوزيف أبو خليل إلى مرفأ حيفا.

طلب الصوت من المركب التوقف، ويبدو أنه راح يجري اتصالًا، وبعد وقت ليس بالقليل طلب الصوت اللحاق به، وأبطأ سرعة مركبه.

يتابع أبو خليل: وصلنا قبالة حيفا والليل بدأ ينشر سواده فشاهدنا رفاقي وأنا المدينة وجوارها، كتلة ضوء مشعة ونحن القادمين من عتمة بيروت. وعند مدخل المرفأ طلبوا منا التوقف وصعد إلى مركبنا رجال البحرية الإسرائيلية قاموا بتفتيشه تفتيشًا دقيقًا، فيما غاص بعض الغواصين لتفتيش أسفله ثم سمح لنا بالدخول.

عند الرصيف كان ينتظرنا عدد من المسؤولين، من بينهم شخص يدعى “أبو داوود”. كان استقبالهم حارًا، فقال لي أبو داود بالعربية: أهلًا بالأستاذ جوزيف أنا أعرفك جيدًا كنا ننتظركم منذ زمن.

صعدنا في سيارات نقلتنا إلى أحد الفنادق في ضواحي حيفا، وجلست إلى جانب “أبو داوود”، الذي قال لي إنهم يعرفون كل شيء عن وضعنا وطمأنني أننا أخذنا القرار الصح ولن نندم على ما نقوم به، وحدد لنا موعدًا قبل ظهر اليوم التالي مع رئيس الوزراء اسحاق رابين.

في الفندق قلت لرفاقي إنه من حديث “أبو داوود”، يبدو أنهم على اطلاع واسع بما يجري عندنا وطلبت منهم تحضير لائحة بما نحتاج إليه من أسلحة وذخائر.

في الموعد المحدد، وصل “أبو داوود” لاصطحابنا لمقابلة رئيس الحكومة وعلى الطريق رحنا نشاهد هذا التقدم العمراني في إسرائيل من شوارع وبنايات وكأننا في أوروبا، وقال لي أبو داوود: لا تخجل من أن تطلب كل ما تحتاج إليه.

دخلنا للقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية وكان حوله عدد من مساعديه من بينهم وزير الخارجية شيمون بيريز.

كانت مصافحتهم حارة وبعد أن جلسنا بدأت كلامي: تسألون طبعًا كيف أتينا إليكم وكل أدبياتنا طوال 30 عامًا العداء لكم؟ لقد جئنا والسكين على رقابنا لم يعد لدينا ما نخسره بين يوم وآخر ستسقط مناطقنا وترتكب مجازر بحق أهلنا، ولم يعد هناك تاجر سلاح مستعد أن يبيعنا رصاصة واحدة. لدينا مقاتون أشداء ولكن ينقصنا السلاح والذخائر. ليس لدينا الآن ما نقدمه لكم بالمقابل وحتى إذا وعدناكم لن تصدقوا وعودنا، ونحن في هذه الحالة اعتبرونا شحادين وغدًا عندما يزال هذا الكابوس عنا نتحدث”.

تابعت: “لا أعرف إن كان لدينا دين عندكم؟ فعندما كان يهود وادي أبو جميل مهددين في وجودهم نحن من حميناهم ومؤكد تعرفون هذا، لقد حميناهم لأننا نعتبر أن بلدنا هو ملجأ لكل الناس. واليهود اللبنانيون جزء من الشعب اللبناني”.

رد اسحاق رابين: لا تخافوا لن تسقط مناطقكم ولا تخجلوا من طلب السلاح والذخائر، فنحن ما زلنا نطلب السلاح ما هي حاجتكم؟

هنا استلم أحد الرفاق الكلام وقدم لائحة بما نحتاجه من أسلحة وذخائر: ما كنا بحاجة إلى هذه اللائحة كان الإسرائيليون يعرفون أدق التفاصيل عن وضعنا.

فيما كان الأستاذ جوزيف أبو خليل ومن معه لا يزالون في إسرائيل وصلت أول باخرة سلاح إسرائيلية إلى قبالة مرفأ جونيه وبدأ إفراغها.

هذه كانت قصة بداية العلاقة ما بين “الجبهة اللبنانية” وإسرائيل رويتها كما أخبرها وكتبها الأستاذ جوزف أبو خليل، وفي لقاء معه بعد حوالى 30 سنة ضم مجموعة من الناشطين، عاد وشرح ما جرى يومها، وردًّا على سؤال أحدهم إن كان يعيد الكرة؟ أجاب: نعم إذا كانت نفس الظروف لقد كنا مهددين في وجودنا ولم يكن لدينا من خيار آخر.

أضاف: لقد تعاونا مع دولة إسرائيل حماية لوجودنا وعلنًا ولم نكن ولن نكون يومًا عملاء لأي دولة، فبعد انتهاء الحرب هل تم القبض على حزبي واحد من أحزاب “الجبهة اللبنانية” بتهمة التعامل مع اسرائيل؟

حكاية العلاقة الاضطرارية بين المسيحيين وإسرائيل للدفاع عن الوجود

الكاتب: نبيل يوسف | المصدر: نداء الوطن
27 آذار 2026

يكثر الحديث عن العلاقة التي نشأت بين أحزاب “الجبهة اللبنانية” وأهالي القرى الحدودية الجنوبية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى خلال مراحل الحرب اللبنانية، وتكثر الاتهامات والأقاويل.

أحاول في هذه الأسطر أن أروي ما أخبره الأستاذ جوزيف أبو خليل عن بداية العلاقة بين أحزاب وتنظيمات “الجبهة اللبنانية” خاصة “الكتائب اللبنانية” وإسرائيل، وأنا أتكلم عن أحداث مرّ عليها 50 عامًا.

يقول أبو خليل: “منذ اندلاع الحرب في 13 نيسان 1975 وحتى قبل ذلك، كان يقصد بيت الكتائب المركزي بعض الأصدقاء محاولين الهمس والإيحاء بأن إسرائيل مستعدة لمساعدتنا على الصمود، لكن هذا الأمر لم يكن واردًا في مفهوم الكتائب وكان الشيخ بيار الجميل يرفض مجرد الحديث في هذا الموضوع.

قاتلنا لمدة سنة من دون أي دعم خارجي في مواجهة أحزاب وتنظيمات لبنانية وفلسطينية مدعومة من دول عدة، ووصلنا إلى شهر آذار من العام 1976 وكاد ينتهي كل شيء: بدأت القوات الفلسطينية وحلفاؤها من التنظيمات اللبنانية معركة الحسم العسكري والهدف إسقاط بكفيا وجونيه وزغرتا وزحلة وراحت القوات الفلسطينية تستعمل أكبر المدافع التي ما كنا نستطيع الرد عليها إلا ببعض القذائف، التي كان رماتنا الماهرون يحققون من خلالها إصابات مباشرة أقلقت القوات الفلسطينية واعتقدت أن جبهتنا محصنة جدًّا.

إضافة إلى ذلك شهدت المنطقة الشرقية شبه انهيار كامل: اضطر رئيس الجمهورية لمغادرة قصر بعبدا إلى كسروان نتيجة القصف الذي تعرض له القصر، وانقطع من مناطقنا تقريبًا كل شيء من المحروقات إلى الطحين إلى الدواء، وكان جريحنا مشروع شهيد فلم يعد لدينا حتى “شاش” لمعالجته، وحتى إذا قررنا الرحيل فلا سفن وبواخر قادرة على نقل شعبنا إلى قبرص. أيضًا ما عاد هناك أي تاجر سلاح يستطيع تأمين ولو رصاصة واحدة مهما كان ثمنها، فسدت كل الأسواق العالمية أمامنا”.

يضيف: “كنت أعرف أن الوضع صعب ومأسوي، لكن لم أكن أتصور إلى هذه الدرجة، إلى أن كان مساء 27 آذار 1976 كعادتي كل ليلة بعد انتهاء عملي في صحيفة العمل، أمر للقاء الشيخ بشير الجميل في المبنى المقابل للبيت المركزي الكتائبي المعروف بمبنى “السوكوماكس” الذي كان اتخذه مقرًا لقيادته.

وصلت تلك الليلة فشاهدت كل الوجوه متجهمة ولا أحد يتحدث، والشيخ بشير الجميل واقف عند النافذة يتأمل الشارع الذي يحتشد فيه عشرات المقاتلين.

أنا في هذه الحالة لا أسأل خوفًا من أن أسمع أي خبر سيئ. تقدمت ووقفت إلى جانب الشيخ بشير، وبعد دقائق من الصمت قال لي: هل تشاهد هؤلاء الأبطال في الشارع؟ إنهم يرفضون بخجل أن يتوجهوا إلى خطوط الجبهة للتبديل، لأن ليس معهم ذخائر كافية ولم يعد لدي ذخائر أعطيهم إياها ماذا أفعل؟

صعقني ما أسمع، فإرسال مقاتلين إلى خطوط الجبهة بهذا الوضع كمن يرسلهم للانتحار. التفتُ إلى الشيخ بشير وسألته: إلى هذا الحد؟ رد: وأكثر مما تتصور لو من يواجهنا يعرف حقيقة وضع مخازن السلاح والذخائر عندنا لكان بدأ اجتياح مناطقنا على الفور.

كنت أعرف أن بعض الرفاق وبمبادرة منهم ركبوا البحر باتجاه إسرائيل طالبين المساعدة ورجعوا بوعود إيجابية، فسألت بشير: ماذا عن الاتصال باسرائيل؟

رد: “لا أعرف ولا أثق بهذه المغامرة”.

تابع أبو خليل: تركت بشير وكنت قررت القيام بعمل قبل الفجر وتوجهت على الفور إلى بكفيا وكانت الساعة قرابة 10 ليلًا موعد نوم الشيخ بيار الجميل، دخلت إلى غرفته وكنت استعديت لما سأقوله له فشرحت واقع الجبهة وامتناع المقاتلين عن التوجه إلى المتاريس الأمامية من دون ذخائر وبهذا الوضع كأننا نرسلهم إلى الموت.

سأل بصوت خافت: إلى هذا الحد؟

قلت له: وأكثر، وأكملت: أنا لا أقوم بأي عمل من دون استشارتك والآن جئت أخبرك أنا الليلة متوجّه إلى إسرائيل، لم يعد لدينا ما نخسره، مناطقنا ستسقط بين يوم وآخر، وستحدث مجازر. أنا لا ألزم الحزب بما سأقوم به فالحزب قادر أن يتبرأ مني، ولكن لا يمكن أن أشاهد الانهيار أمامي وأبقى متفرجًا.

يقول الاستاذ أبو خليل: كان جواب الشيخ بيار الجميل: هذا قرار خطير. فقلت له: أعرف ذلك ولكن أمامنا مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال والعجزة سيذبحون كما ذبح أهلنا في الدامور والجيه وعكار والبقاع. أنا ذاهب إلى اسرائيل بقرار ذاتي مني.

لم يرد الشيخ بيار الجميل وأطرق مفكرًا، فغادر جوزيف أبو خليل مجددًا إلى مبنى “السوكوماكس” وأبلغ الشيخ بشير الجميل بقراره الانطلاق فورًا طالبًا تزويده بمركب وبعض المسؤولين العسكريين القادرين على شرح الوضع العسكري والمطلوب تأمينه.

قلت له: هلق لازم إمشي إذا تأخرت يمكن بدل رأيي أو يصير علينا ضغوط ما ممكن نخلي مذبحة تصير بأهلنا إذا دخلوا إلينا هناك دامور ثانية.

من مقر الشيخ بشير الجميل، توجه أبو خليل إلى مرفأ جونية ومعه مسؤولان عسكريان أرسلهما الشيخ بشير الجميل لمرافقته، فركبوا مركبًا قاده بحّار عتيق.

يقول أبو خليل: كان الجو عاصفًا والأمواج تلعب بالمركب ومع كل موجة أشعر أن النهاية اقتربت.

بقي الموج يتلاعب بالمركب الصغير وهو يتقدم باتجاه الجنوب حتى انبلاج الفجر حين هدأ البحر قليلًا، وفجأة شاهد الركاب مركبًا ضخمًا يتقدم صوبهم فاعتقدوا أن النهاية اقتربت، وكان الاعتقاد أنه مركب فلسطيني حيث أن المعلومات المتوفرة أن لدى المنظمات الفلسطينية مراكب حربية.

وصلت السفينة الحربية إلى قرب مركب أبو خليل، فشاهدوا علم إسرائيل ثم سمعوا صوتًا بالعربية يقول: ارفع علمك.

رفع البحّار العلم اللبناني وعاد الصوت يسأل: من أنتم؟ وإلى أين وجهتكم؟

رد البحّار: جوزيف أبو خليل إلى مرفأ حيفا.

طلب الصوت من المركب التوقف، ويبدو أنه راح يجري اتصالًا، وبعد وقت ليس بالقليل طلب الصوت اللحاق به، وأبطأ سرعة مركبه.

يتابع أبو خليل: وصلنا قبالة حيفا والليل بدأ ينشر سواده فشاهدنا رفاقي وأنا المدينة وجوارها، كتلة ضوء مشعة ونحن القادمين من عتمة بيروت. وعند مدخل المرفأ طلبوا منا التوقف وصعد إلى مركبنا رجال البحرية الإسرائيلية قاموا بتفتيشه تفتيشًا دقيقًا، فيما غاص بعض الغواصين لتفتيش أسفله ثم سمح لنا بالدخول.

عند الرصيف كان ينتظرنا عدد من المسؤولين، من بينهم شخص يدعى “أبو داوود”. كان استقبالهم حارًا، فقال لي أبو داود بالعربية: أهلًا بالأستاذ جوزيف أنا أعرفك جيدًا كنا ننتظركم منذ زمن.

صعدنا في سيارات نقلتنا إلى أحد الفنادق في ضواحي حيفا، وجلست إلى جانب “أبو داوود”، الذي قال لي إنهم يعرفون كل شيء عن وضعنا وطمأنني أننا أخذنا القرار الصح ولن نندم على ما نقوم به، وحدد لنا موعدًا قبل ظهر اليوم التالي مع رئيس الوزراء اسحاق رابين.

في الفندق قلت لرفاقي إنه من حديث “أبو داوود”، يبدو أنهم على اطلاع واسع بما يجري عندنا وطلبت منهم تحضير لائحة بما نحتاج إليه من أسلحة وذخائر.

في الموعد المحدد، وصل “أبو داوود” لاصطحابنا لمقابلة رئيس الحكومة وعلى الطريق رحنا نشاهد هذا التقدم العمراني في إسرائيل من شوارع وبنايات وكأننا في أوروبا، وقال لي أبو داوود: لا تخجل من أن تطلب كل ما تحتاج إليه.

دخلنا للقاء رئيس الحكومة الإسرائيلية وكان حوله عدد من مساعديه من بينهم وزير الخارجية شيمون بيريز.

كانت مصافحتهم حارة وبعد أن جلسنا بدأت كلامي: تسألون طبعًا كيف أتينا إليكم وكل أدبياتنا طوال 30 عامًا العداء لكم؟ لقد جئنا والسكين على رقابنا لم يعد لدينا ما نخسره بين يوم وآخر ستسقط مناطقنا وترتكب مجازر بحق أهلنا، ولم يعد هناك تاجر سلاح مستعد أن يبيعنا رصاصة واحدة. لدينا مقاتون أشداء ولكن ينقصنا السلاح والذخائر. ليس لدينا الآن ما نقدمه لكم بالمقابل وحتى إذا وعدناكم لن تصدقوا وعودنا، ونحن في هذه الحالة اعتبرونا شحادين وغدًا عندما يزال هذا الكابوس عنا نتحدث”.

تابعت: “لا أعرف إن كان لدينا دين عندكم؟ فعندما كان يهود وادي أبو جميل مهددين في وجودهم نحن من حميناهم ومؤكد تعرفون هذا، لقد حميناهم لأننا نعتبر أن بلدنا هو ملجأ لكل الناس. واليهود اللبنانيون جزء من الشعب اللبناني”.

رد اسحاق رابين: لا تخافوا لن تسقط مناطقكم ولا تخجلوا من طلب السلاح والذخائر، فنحن ما زلنا نطلب السلاح ما هي حاجتكم؟

هنا استلم أحد الرفاق الكلام وقدم لائحة بما نحتاجه من أسلحة وذخائر: ما كنا بحاجة إلى هذه اللائحة كان الإسرائيليون يعرفون أدق التفاصيل عن وضعنا.

فيما كان الأستاذ جوزيف أبو خليل ومن معه لا يزالون في إسرائيل وصلت أول باخرة سلاح إسرائيلية إلى قبالة مرفأ جونيه وبدأ إفراغها.

هذه كانت قصة بداية العلاقة ما بين “الجبهة اللبنانية” وإسرائيل رويتها كما أخبرها وكتبها الأستاذ جوزف أبو خليل، وفي لقاء معه بعد حوالى 30 سنة ضم مجموعة من الناشطين، عاد وشرح ما جرى يومها، وردًّا على سؤال أحدهم إن كان يعيد الكرة؟ أجاب: نعم إذا كانت نفس الظروف لقد كنا مهددين في وجودنا ولم يكن لدينا من خيار آخر.

أضاف: لقد تعاونا مع دولة إسرائيل حماية لوجودنا وعلنًا ولم نكن ولن نكون يومًا عملاء لأي دولة، فبعد انتهاء الحرب هل تم القبض على حزبي واحد من أحزاب “الجبهة اللبنانية” بتهمة التعامل مع اسرائيل؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار