شيعة لبنان الفلسطينيون الجدد

يستطيع مئات الألوف من المواطنين الشيعة الذين فقدوا مساكنهم وأزراقهم في نحو أكثر من 10 بالمئة من مساحة لبنان أن يتأكدوا من سيل البيانات اليومية التي يصدرها “حزب الله” منذ بدء الحرب الحالية في الثاني من آذار الماضي أنهم لن يعودوا إلى ديارهم قريبًا. ونستطيع من خلال تتبع هذه البيانات والمواقف التي يطلقها قادة الحزب أن ندرك أن “حزب الله” يعد بيئته الحاضنة أنه سيخوض حرب تحرير جديدة كما فعل قبل أكثر من 40 عامًا. لذا، على المؤمنين بصوابية ما قام به الحزب قبل أكثر من شهر أن يعدّوا أنفسهم لعقود مقبلة من الصراع لا أحد يضمن أن يكون الراشدون من هؤلاء المؤمنين على قيد الحياة ليشهد انتصارًا مماثلًا كالذي حصل عام 2000 .
يتذكر الجنوبيون القدامى في المنطقة الحدودية من الجنوب عمومًا، كيف كانت أحوالهم عندما حصلت نكبة فلسطين عام 1948. ويروي بعض هؤلاء في وقت لاحق أنهم شاهدوا قوافل اللاجئين الفلسطينيين الذين كانت تعبر الحدود نحو الشمال في داخل لبنان. كانوا يقدمون ما استطاعوا من مساعدات لقوافل اللاجئين. وكان في ظن كثيرين من هؤلاء اللاجئين انهم لن يمكثوا طويلًا في لبنان لأن عودتهم لن تتأخر لديارهم وفقا لوعد من الثوار العرب الذين أتوا من خارج فلسطين ووصلوا الى عمق سواحلها على المتوسط بعد الساحل اللبناني. لكن حلم العودة لم يتحقق وقد أسهبت وثائق التاريخ في شرح الأسباب.
يكرر الناطقون باسم “حزب الله” يوميًا، ما قاله يومًا الثوار العرب عام 1948 للاجئين الفلسطينيين. ويضيفون على أسلافهم مفردات جديدة لم تكن معروفة من قبل. وأعطى الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في بيان هو الأخير من نوعه الأسبوع الأخير من آذار الماضي نموذجًا عن خطاب موجه الى النازحين الشيعة كما كان الحال مع اللاجئين الفلسطينيين قبل 78 عامًا.
قال قاسم حرفيًا في بيانه: “أما شعب المقاومة فهم الأشرف والأنبل على وجه الأرض، نزحوا كمساهمة في الجهاد وتحملوا كمضحين ومقاومين، وقدموا فلذات أكبادهم بفخر ورضى، وعانوا بعيدًا عن بيوتهم وحياتهم الطبيعية أكبر المعاناة ليصنعوا المستقبل الحر والشريف لوطنهم وأبنائهم”.
حاذر قاسم ان يعد “شعب المقاومة” النازح أن عودته الى الديار ستكون قريبة، لا بل أنه تجاهل كليًا هذا الموضوع الذي كان جزءًا أساسيا من خطاب الأمين العام السابق لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الذي كان يعد أيضًا بإعادة إعمار ما تهدم في الجنوب منذ الحرب الأولى بدءًا من 8 تشرين الأول 2023 ليصبح “أفضل مما كان”. لكن نصرالله قضى نحبه في أيلول 2024 ولم يعش لير وعده هذا قد تحقق. ولو عاش نصرالله حتى نيسان الحالي لأدرك أنه لن يكون هناك على الحدود الجنوبية من مدن وبلدات وقرى شيعية ليعاد بنائها.
مرت عقود على اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا ديارهم عام 1948 قبل أن يقتنعوا بأن حلم العودة اصبح سرابًا. وكان بعض هؤلاء من الذين بلغوا خريف العمر وهم في مخيمات اللجوء في لبنان يمضون في عرض ما تبقى لهم في فلسطين وهو كناية على مفاتيح منازلهم التي تركوها في الوطن.
لكن في المقابل، يروي التاريخ كما يروي الحاضر ان هناك من تشبث بالديار كما يفعل المسيحيون في بلدات وقرى الحافة الامامية في الجنوب.
تباهى الفلسطينيون بصلابتهم في رفض قيام الدولة العربية في نهاية النصف الأول من القرن العشرين. ويتباهى مثلهم الشيعة اليوم في رفض وجود الكيان الإسرائيلي ويدعون كما علمتهم الجمهورية الإسلامية بإزالة هذا الكيان من الوجود.
ستأتي أجيال لاحقة كي تعلم ما هو مصير هؤلاء الشيعة، وهل سيكون مختلفًا عن مصير الفلسطينيين الذين سبقوهم قبل 48 عامًا؟
يقول الحاضر لنا، كما ورد امس في “الشرق الأوسط” ان مصدرًا عسكريًا، قال لوسائل الإعلام العبرية، “إن الجيش الإسرائيلي سيعرض على المستوى السياسي في الكابنيت، خطةً لتدمير القرى اللبنانية الحدودية في جنوب لبنان تدميراً كاملاً، وإنشاء منطقة أمنية خالية من السكان، دون عودة أي لبناني إلى القرى الواقعة على ما تُطلق عليه إسرائيل مسمّى “خط التَّماس”، وقرروا استثناء 20 قرية مسيحية من هذا التهجير”.
كما يقول لنا الحاضر ما ورد تحت عنوان “الصراع الداخلي” في عدد مجلة “نيوزويك” الأميركية هذا الأسبوع :”أشارت البيانات التي شاركتها مجلة” ألما “للأبحاث والتعليم الإسرائيلية مع “نيوزويك ” إلى أن هجمات “حزب الله” عبر الحدود خلال الأسابيع الأخيرة تجاوزت متوسط وتيرة الضربات التي شنتها خلال المرحلة التي استمرت حوالي عام من الصراع الإسرائيلي اللبناني بين تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024. ووصفت ساريت زهافي، رئيسة ” ألما” وهي ضابطة استخبارات سابقة في الجيش الإسرائيلي، بأنه “خطأ تاريخي أن نتوقع من الحكومة اللبنانية نزع سلاح “حزب الله”. هذا لن يحدث، خاصة وأن قادة الجيش اللبناني، بعضهم يتعاونون مع “حزب الله”. آخرون مرتاحون جدا لـ”حزب الله”. وآخرون لديهم أسباب سياسية”. وقالت زهافي لـ”نيوزويك”: “إن على الحكومة اللبنانية التركيز على التصدي لقطاعات “حزب الله” الأخرى، بما في ذلك التدفقات النقدية والأنشطة السياسية والخدمات الاجتماعية والصحية.” أضافت زهافي: “إنهم مرعوبون من حقيقة أن يفتح لبناني النار على لبناني، مرعوبون من فكرة الحرب الأهلية، فلنترك ذلك لإسرائيل. سندافع عن شعبنا. سنفعل ما يلزم في جنوب لبنان، لأننا انتظرنا طويلًا، عشرين عامًا…. ولنعطي الحكومة اللبنانية مهامّ أخرى لوضع صورة شاملة لإضعاف “حزب الله” استراتيجيًا.” وخلصت زهافي الى القول إنها “تتفهم تلك المخاوف التي عبّر عنها المسؤولون اللبنانيون من احتمال اندلاع صراع طائفي، رغم أنها جادلت بأنه في وقت تم فيه تهجير قاعدة “حزب الله” الآن، وهناك أزمة إنسانية، سيكون من الأصعب بكثير اندلاع مثل هذا الصراع.”
وتخلص “النيوززيك” الى القول: “عند التواصل مع واشنطن للتعليق، أشار متحدث باسم البيت الأبيض إلى التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب ، الذي قال للصحفيين في منتصف آذار إنه يدعم الهجوم البري الإسرائيلي في لبنان، وقال: “انظر، ان “حزب الله” مشكلة. لقد كان مشكلة منذ وقت طويل، وليس فقط الآن . انه مشكلة كبيرة ويتم القضاء عليها بسرعة.”
ليس من حاجة بين الماضي والحاضر للقول ان شيعة لبنان اصبحوا كما كان اقرانهم الفلسطينيون في نهاية النصف الأول من القرن العشرين. وسيمر على هؤلاء النازحين زمن سيعرضون امامنا مفاتيح منازل لهم كانت لهم في موطنهم عند الحافة الجنوبية.
شيعة لبنان الفلسطينيون الجدد

يستطيع مئات الألوف من المواطنين الشيعة الذين فقدوا مساكنهم وأزراقهم في نحو أكثر من 10 بالمئة من مساحة لبنان أن يتأكدوا من سيل البيانات اليومية التي يصدرها “حزب الله” منذ بدء الحرب الحالية في الثاني من آذار الماضي أنهم لن يعودوا إلى ديارهم قريبًا. ونستطيع من خلال تتبع هذه البيانات والمواقف التي يطلقها قادة الحزب أن ندرك أن “حزب الله” يعد بيئته الحاضنة أنه سيخوض حرب تحرير جديدة كما فعل قبل أكثر من 40 عامًا. لذا، على المؤمنين بصوابية ما قام به الحزب قبل أكثر من شهر أن يعدّوا أنفسهم لعقود مقبلة من الصراع لا أحد يضمن أن يكون الراشدون من هؤلاء المؤمنين على قيد الحياة ليشهد انتصارًا مماثلًا كالذي حصل عام 2000 .
يتذكر الجنوبيون القدامى في المنطقة الحدودية من الجنوب عمومًا، كيف كانت أحوالهم عندما حصلت نكبة فلسطين عام 1948. ويروي بعض هؤلاء في وقت لاحق أنهم شاهدوا قوافل اللاجئين الفلسطينيين الذين كانت تعبر الحدود نحو الشمال في داخل لبنان. كانوا يقدمون ما استطاعوا من مساعدات لقوافل اللاجئين. وكان في ظن كثيرين من هؤلاء اللاجئين انهم لن يمكثوا طويلًا في لبنان لأن عودتهم لن تتأخر لديارهم وفقا لوعد من الثوار العرب الذين أتوا من خارج فلسطين ووصلوا الى عمق سواحلها على المتوسط بعد الساحل اللبناني. لكن حلم العودة لم يتحقق وقد أسهبت وثائق التاريخ في شرح الأسباب.
يكرر الناطقون باسم “حزب الله” يوميًا، ما قاله يومًا الثوار العرب عام 1948 للاجئين الفلسطينيين. ويضيفون على أسلافهم مفردات جديدة لم تكن معروفة من قبل. وأعطى الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم في بيان هو الأخير من نوعه الأسبوع الأخير من آذار الماضي نموذجًا عن خطاب موجه الى النازحين الشيعة كما كان الحال مع اللاجئين الفلسطينيين قبل 78 عامًا.
قال قاسم حرفيًا في بيانه: “أما شعب المقاومة فهم الأشرف والأنبل على وجه الأرض، نزحوا كمساهمة في الجهاد وتحملوا كمضحين ومقاومين، وقدموا فلذات أكبادهم بفخر ورضى، وعانوا بعيدًا عن بيوتهم وحياتهم الطبيعية أكبر المعاناة ليصنعوا المستقبل الحر والشريف لوطنهم وأبنائهم”.
حاذر قاسم ان يعد “شعب المقاومة” النازح أن عودته الى الديار ستكون قريبة، لا بل أنه تجاهل كليًا هذا الموضوع الذي كان جزءًا أساسيا من خطاب الأمين العام السابق لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الذي كان يعد أيضًا بإعادة إعمار ما تهدم في الجنوب منذ الحرب الأولى بدءًا من 8 تشرين الأول 2023 ليصبح “أفضل مما كان”. لكن نصرالله قضى نحبه في أيلول 2024 ولم يعش لير وعده هذا قد تحقق. ولو عاش نصرالله حتى نيسان الحالي لأدرك أنه لن يكون هناك على الحدود الجنوبية من مدن وبلدات وقرى شيعية ليعاد بنائها.
مرت عقود على اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا ديارهم عام 1948 قبل أن يقتنعوا بأن حلم العودة اصبح سرابًا. وكان بعض هؤلاء من الذين بلغوا خريف العمر وهم في مخيمات اللجوء في لبنان يمضون في عرض ما تبقى لهم في فلسطين وهو كناية على مفاتيح منازلهم التي تركوها في الوطن.
لكن في المقابل، يروي التاريخ كما يروي الحاضر ان هناك من تشبث بالديار كما يفعل المسيحيون في بلدات وقرى الحافة الامامية في الجنوب.
تباهى الفلسطينيون بصلابتهم في رفض قيام الدولة العربية في نهاية النصف الأول من القرن العشرين. ويتباهى مثلهم الشيعة اليوم في رفض وجود الكيان الإسرائيلي ويدعون كما علمتهم الجمهورية الإسلامية بإزالة هذا الكيان من الوجود.
ستأتي أجيال لاحقة كي تعلم ما هو مصير هؤلاء الشيعة، وهل سيكون مختلفًا عن مصير الفلسطينيين الذين سبقوهم قبل 48 عامًا؟
يقول الحاضر لنا، كما ورد امس في “الشرق الأوسط” ان مصدرًا عسكريًا، قال لوسائل الإعلام العبرية، “إن الجيش الإسرائيلي سيعرض على المستوى السياسي في الكابنيت، خطةً لتدمير القرى اللبنانية الحدودية في جنوب لبنان تدميراً كاملاً، وإنشاء منطقة أمنية خالية من السكان، دون عودة أي لبناني إلى القرى الواقعة على ما تُطلق عليه إسرائيل مسمّى “خط التَّماس”، وقرروا استثناء 20 قرية مسيحية من هذا التهجير”.
كما يقول لنا الحاضر ما ورد تحت عنوان “الصراع الداخلي” في عدد مجلة “نيوزويك” الأميركية هذا الأسبوع :”أشارت البيانات التي شاركتها مجلة” ألما “للأبحاث والتعليم الإسرائيلية مع “نيوزويك ” إلى أن هجمات “حزب الله” عبر الحدود خلال الأسابيع الأخيرة تجاوزت متوسط وتيرة الضربات التي شنتها خلال المرحلة التي استمرت حوالي عام من الصراع الإسرائيلي اللبناني بين تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024. ووصفت ساريت زهافي، رئيسة ” ألما” وهي ضابطة استخبارات سابقة في الجيش الإسرائيلي، بأنه “خطأ تاريخي أن نتوقع من الحكومة اللبنانية نزع سلاح “حزب الله”. هذا لن يحدث، خاصة وأن قادة الجيش اللبناني، بعضهم يتعاونون مع “حزب الله”. آخرون مرتاحون جدا لـ”حزب الله”. وآخرون لديهم أسباب سياسية”. وقالت زهافي لـ”نيوزويك”: “إن على الحكومة اللبنانية التركيز على التصدي لقطاعات “حزب الله” الأخرى، بما في ذلك التدفقات النقدية والأنشطة السياسية والخدمات الاجتماعية والصحية.” أضافت زهافي: “إنهم مرعوبون من حقيقة أن يفتح لبناني النار على لبناني، مرعوبون من فكرة الحرب الأهلية، فلنترك ذلك لإسرائيل. سندافع عن شعبنا. سنفعل ما يلزم في جنوب لبنان، لأننا انتظرنا طويلًا، عشرين عامًا…. ولنعطي الحكومة اللبنانية مهامّ أخرى لوضع صورة شاملة لإضعاف “حزب الله” استراتيجيًا.” وخلصت زهافي الى القول إنها “تتفهم تلك المخاوف التي عبّر عنها المسؤولون اللبنانيون من احتمال اندلاع صراع طائفي، رغم أنها جادلت بأنه في وقت تم فيه تهجير قاعدة “حزب الله” الآن، وهناك أزمة إنسانية، سيكون من الأصعب بكثير اندلاع مثل هذا الصراع.”
وتخلص “النيوززيك” الى القول: “عند التواصل مع واشنطن للتعليق، أشار متحدث باسم البيت الأبيض إلى التصريحات الأخيرة للرئيس ترامب ، الذي قال للصحفيين في منتصف آذار إنه يدعم الهجوم البري الإسرائيلي في لبنان، وقال: “انظر، ان “حزب الله” مشكلة. لقد كان مشكلة منذ وقت طويل، وليس فقط الآن . انه مشكلة كبيرة ويتم القضاء عليها بسرعة.”
ليس من حاجة بين الماضي والحاضر للقول ان شيعة لبنان اصبحوا كما كان اقرانهم الفلسطينيون في نهاية النصف الأول من القرن العشرين. وسيمر على هؤلاء النازحين زمن سيعرضون امامنا مفاتيح منازل لهم كانت لهم في موطنهم عند الحافة الجنوبية.







