حين يكتب الميدان شروط التفاوض في لبنان

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
13 آذار 2026

لم يعد خافيًا على أحد ممن هم في الداخل أو في الخارج ما تبيتّه إسرائيل من مخطّطات للبنان لاستكمال ما بدأت به في حربها في غزة. فالمشهدان متشابهان ومتقاربان، سواء من حيث الأسلوب المعتمد في الاستهدافين الغزاوي واللبناني، أو من حيث النتائج المتوقعة، والتي تشي بالوصول إلى مرحلة فرض الشروط، التي تناسب الوضعية الإسرائيلية، بعد “حلم” تحقيق تقدّم عسكري برّي في الجنوب اللبناني، وبعد إنزال أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية بفعل الغارات المدّمرة، وفي شكل ممنهج وتصاعدي، سواء تلك التي تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت أو بلدات وقرى الجنوب والبقاع.

ولأنها تعتقد أنها لا تزال الأقوى في موازين القوى فإن تل أبيب تتصرّف مع أي مبادرة لوقف إطلاق النار، سواء أكانت فرنسية أو مصرية، من منطلق مفهوم مختلف عن النوايا الحسنة لكل من باريس والقاهرة. وقد جاء الرفض الإسرائيلي الفوري والمتسرّع للمبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ليصبّ في خانة الاعتقاد السائد بأن الميدان هو الذي يحدّد أطر أي شكل من أشكال التفاوض، سواء أكان مباشرًا أو غير مباشر مع لبنان، الذي أُدخل في حرب لم يختر توقيتها أو ظروفها، أو بالأحرى لم يكن يريدها ولم يسعَ إليها، بل فُرضت عليه بحكم الأمر الواقع، خصوصًا أن إطلاق “حزب الله” لصواريخ بداية الحرب ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في ايران السيد على خامنئي استدعى إقدام الحكومة على اتخاذ قرارات بحظر عمله العسكري والأمني لا تزال حبرًا على ورق.

وفي رأي بعض المراقبين أن القرارات الحكومية، كما المبادرة الرئاسية، سنبقى موضوعة على رفّ الانتظار ما دامت إسرائيل مصمّمة على المضي قدمًا في حرب طويلة على خلاف ما يعتقده البعض. وهنا تكمن خطورة المرحلة، التي سيشهدها لبنان، الذي لا تسمح له ظروفه الموضعية باستنزاف طويل الأمد.

فالإسرائيلي، كما هو واضح، من خلال ردود فعل الجانب الأميركي على المبادرة الرئاسية، لم يعد في وارد القبول بما يطالب به “حزب الله” على لسان مسؤوليه، وآخرهم رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، لجهة العودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني، أو حتى بما يُعتبر تفاهمات أو ترتيبات أمنية، بل يعتقد أن ما يمكن أن يحقّقه في الميدان هو الذي سيحدّد معالم المرحلة المقبلة، وما يستتبعها من افرازات، ويعتبر أن العودة إلى الوراء، حيث كان أمن المستوطنات تحت تأثير التهديدات المتواصلة لـ “حزب الله”، لم تعد مقبولة تحت أي ظرف كان. ومن المرجّح ألا تقبل تل أبيب بأن تتجاوب مع أي مسعىً لوقف الحرب إلاّ إذا ضمنت عدم قدرة “المقاومة الإسلامية” على مواصلة تهديد أمنها الشمالي.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل ضد لبنان، والتي تبدو وكأنها تسير وفق استراتيجية مزدوجة، وتهدف الأولى، وهي ميدانية، إلى استنزاف قدرات “حزب الله” العسكرية، عبر استهداف مخازن السلاح والبنية اللوجستية ومراكز القيادة والسيطرة، والثانية نفسية – سياسية ترمي إلى إيجاد ضغط داخلي لبناني متزايد على “الحزب”، من خلال توسيع رقعة الدمار وإرباك الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مناطق نفوذه التقليدية.

وتشير المعطيات العسكرية المتوافرة إلى أن الجيش الإسرائيلي يحاول تجاوز مرحلة ما كان يسمى بـ “قواعد الاشتباك” التي سادت منذ حرب تموز 2006، والتي قامت أساسًا على مبدأ الردع المتبادل، بحيث لم يكن أي من الطرفين يسعى إلى مواجهة شاملة. غير أن التطورات التي أعقبت حرب غزة دفعت تل أبيب إلى اعتبار أن البيئة الاستراتيجية تغيّرت، وأن الفرصة قد تكون سانحة لتوجيه ضربة قاسية لقدرات “الحزب”.

وفي المقابل، وعلى رغم إدراك “حزب الله” أن أي مواجهة مفتوحة مع إسرائيل ستضع لبنان أمام تحديات وجودية على المستويين الاقتصادي والمؤسساتي، خصوصًا في ظل الانهيار المالي الذي يعيشه البلد منذ سنوات، وضعف قدرة الدولة على احتواء تداعيات حرب طويلة الأمد، قرر خوض غمار حرب يعرف نتائجها مسبقًا.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن ميزان الحسابات بين الطرفين لا يبدو متطابقًا. فإسرائيل تنظر إلى الجبهة الشمالية من زاوية أمنية بحتة، معتبرة أن بقاء ترسانة صاروخية كبيرة بيد “حزب الله” يشكّل تهديدًا استراتيجيًا دائمًا لمستوطناتها ومدنها الشمالية. أما “الحزب” فيرى في هذه الترسانة عنصر الردع الأساسي الذي يمنع إسرائيل من التفكير في أي مغامرة عسكرية واسعة ضد لبنان.

وهذا التباين في المقاربات يجعل فرص الوصول إلى تسوية سريعة أمرًا شديد الصعوبة، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي. فالحرب في غزة لم تنتهِ بعد في شكل نهائي، والتوترات بين إيران وإسرائيل لا تزال مرتفعة، كما أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى إدارة الصراع بما يمنع توسعه إقليميًا، من دون أن تضغط في الوقت نفسه في شكل حاسم لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.

في ضوء ذلك، يبدو لبنان اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل العوامل الداخلية بالإقليمية والدولية. فكلما طال أمد المواجهة، ازداد خطر الانزلاق نحو تصعيد أكبر قد لا يبقى محصورًا في الجنوب اللبناني فحسب، بل قد يمتد ليطال عمق البنية السياسية والاقتصادية الهشة في البلاد.

وفي انتظار اتضاح صورة التوازنات الجديدة في المنطقة، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء المواجهة ضمن حدودها الحالية، أو انزلاقها إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم المشهد الأمني والسياسي في المنطقة برمّتها.

حين يكتب الميدان شروط التفاوض في لبنان

الكاتب: اندريه قصاص | المصدر: لبنان 24
13 آذار 2026

لم يعد خافيًا على أحد ممن هم في الداخل أو في الخارج ما تبيتّه إسرائيل من مخطّطات للبنان لاستكمال ما بدأت به في حربها في غزة. فالمشهدان متشابهان ومتقاربان، سواء من حيث الأسلوب المعتمد في الاستهدافين الغزاوي واللبناني، أو من حيث النتائج المتوقعة، والتي تشي بالوصول إلى مرحلة فرض الشروط، التي تناسب الوضعية الإسرائيلية، بعد “حلم” تحقيق تقدّم عسكري برّي في الجنوب اللبناني، وبعد إنزال أكبر قدر من الخسائر البشرية والمادية بفعل الغارات المدّمرة، وفي شكل ممنهج وتصاعدي، سواء تلك التي تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت أو بلدات وقرى الجنوب والبقاع.

ولأنها تعتقد أنها لا تزال الأقوى في موازين القوى فإن تل أبيب تتصرّف مع أي مبادرة لوقف إطلاق النار، سواء أكانت فرنسية أو مصرية، من منطلق مفهوم مختلف عن النوايا الحسنة لكل من باريس والقاهرة. وقد جاء الرفض الإسرائيلي الفوري والمتسرّع للمبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ليصبّ في خانة الاعتقاد السائد بأن الميدان هو الذي يحدّد أطر أي شكل من أشكال التفاوض، سواء أكان مباشرًا أو غير مباشر مع لبنان، الذي أُدخل في حرب لم يختر توقيتها أو ظروفها، أو بالأحرى لم يكن يريدها ولم يسعَ إليها، بل فُرضت عليه بحكم الأمر الواقع، خصوصًا أن إطلاق “حزب الله” لصواريخ بداية الحرب ثأرًا لاغتيال المرشد الأعلى السابق للثورة الإسلامية في ايران السيد على خامنئي استدعى إقدام الحكومة على اتخاذ قرارات بحظر عمله العسكري والأمني لا تزال حبرًا على ورق.

وفي رأي بعض المراقبين أن القرارات الحكومية، كما المبادرة الرئاسية، سنبقى موضوعة على رفّ الانتظار ما دامت إسرائيل مصمّمة على المضي قدمًا في حرب طويلة على خلاف ما يعتقده البعض. وهنا تكمن خطورة المرحلة، التي سيشهدها لبنان، الذي لا تسمح له ظروفه الموضعية باستنزاف طويل الأمد.

فالإسرائيلي، كما هو واضح، من خلال ردود فعل الجانب الأميركي على المبادرة الرئاسية، لم يعد في وارد القبول بما يطالب به “حزب الله” على لسان مسؤوليه، وآخرهم رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب محمد رعد، لجهة العودة إلى اتفاق 27 تشرين الثاني، أو حتى بما يُعتبر تفاهمات أو ترتيبات أمنية، بل يعتقد أن ما يمكن أن يحقّقه في الميدان هو الذي سيحدّد معالم المرحلة المقبلة، وما يستتبعها من افرازات، ويعتبر أن العودة إلى الوراء، حيث كان أمن المستوطنات تحت تأثير التهديدات المتواصلة لـ “حزب الله”، لم تعد مقبولة تحت أي ظرف كان. ومن المرجّح ألا تقبل تل أبيب بأن تتجاوب مع أي مسعىً لوقف الحرب إلاّ إذا ضمنت عدم قدرة “المقاومة الإسلامية” على مواصلة تهديد أمنها الشمالي.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة الاعتداءات التي تقوم بها إسرائيل ضد لبنان، والتي تبدو وكأنها تسير وفق استراتيجية مزدوجة، وتهدف الأولى، وهي ميدانية، إلى استنزاف قدرات “حزب الله” العسكرية، عبر استهداف مخازن السلاح والبنية اللوجستية ومراكز القيادة والسيطرة، والثانية نفسية – سياسية ترمي إلى إيجاد ضغط داخلي لبناني متزايد على “الحزب”، من خلال توسيع رقعة الدمار وإرباك الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مناطق نفوذه التقليدية.

وتشير المعطيات العسكرية المتوافرة إلى أن الجيش الإسرائيلي يحاول تجاوز مرحلة ما كان يسمى بـ “قواعد الاشتباك” التي سادت منذ حرب تموز 2006، والتي قامت أساسًا على مبدأ الردع المتبادل، بحيث لم يكن أي من الطرفين يسعى إلى مواجهة شاملة. غير أن التطورات التي أعقبت حرب غزة دفعت تل أبيب إلى اعتبار أن البيئة الاستراتيجية تغيّرت، وأن الفرصة قد تكون سانحة لتوجيه ضربة قاسية لقدرات “الحزب”.

وفي المقابل، وعلى رغم إدراك “حزب الله” أن أي مواجهة مفتوحة مع إسرائيل ستضع لبنان أمام تحديات وجودية على المستويين الاقتصادي والمؤسساتي، خصوصًا في ظل الانهيار المالي الذي يعيشه البلد منذ سنوات، وضعف قدرة الدولة على احتواء تداعيات حرب طويلة الأمد، قرر خوض غمار حرب يعرف نتائجها مسبقًا.

لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن ميزان الحسابات بين الطرفين لا يبدو متطابقًا. فإسرائيل تنظر إلى الجبهة الشمالية من زاوية أمنية بحتة، معتبرة أن بقاء ترسانة صاروخية كبيرة بيد “حزب الله” يشكّل تهديدًا استراتيجيًا دائمًا لمستوطناتها ومدنها الشمالية. أما “الحزب” فيرى في هذه الترسانة عنصر الردع الأساسي الذي يمنع إسرائيل من التفكير في أي مغامرة عسكرية واسعة ضد لبنان.

وهذا التباين في المقاربات يجعل فرص الوصول إلى تسوية سريعة أمرًا شديد الصعوبة، خصوصًا في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي. فالحرب في غزة لم تنتهِ بعد في شكل نهائي، والتوترات بين إيران وإسرائيل لا تزال مرتفعة، كما أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى إلى إدارة الصراع بما يمنع توسعه إقليميًا، من دون أن تضغط في الوقت نفسه في شكل حاسم لوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.

في ضوء ذلك، يبدو لبنان اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتداخل العوامل الداخلية بالإقليمية والدولية. فكلما طال أمد المواجهة، ازداد خطر الانزلاق نحو تصعيد أكبر قد لا يبقى محصورًا في الجنوب اللبناني فحسب، بل قد يمتد ليطال عمق البنية السياسية والاقتصادية الهشة في البلاد.

وفي انتظار اتضاح صورة التوازنات الجديدة في المنطقة، سيبقى لبنان ساحة مفتوحة لاحتمالات متعددة، تتراوح بين احتواء المواجهة ضمن حدودها الحالية، أو انزلاقها إلى مواجهة أوسع قد تعيد رسم المشهد الأمني والسياسي في المنطقة برمّتها.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار