“الكرنتينا”، تغيير الوجهة، لا يُغيّر الذاكرة

كانت حكومة نواف سلام تبحث عن حلول سريعة لأزمة النزوح المتزايدة في بيروت، فطُرح استخدام موقع في “الكرنتينا” كمركز إيواء موقت. أدّى ذلك إلى اعتراض أهالي المنطقة ونوّابها، الذين سرعان ما انتقدهم نوّاب “حزب اللّه”، من حسن فضل اللّه إلى إبراهيم الموسوي وصولًا إلى حسين الحاج حسن، إضافة إلى بعض الإعلاميين، معتبرين أن خطابهم عنصري ويدعو إلى التحريض والتمييز.
فاختار رئيس الحكومة امتصاص الاعتراض عبر تعديل القرار، واستخدام الموقع كمركز لتخزين وتوزيع المساعدات. لكن الخطر لم ينتهِ بالكامل، إذ إن العوامل التي أدّت إلى الفكرة ما زالت موجودة: ضغط ملف النزوح، غياب البدائل، وطبيعة اتخاذ القرارات في لبنان، بحيث ما يُرفض اليوم قد يعود بصيغة معدّلة غدًا.
وفي سياق مهاجمة “العنصريين”، لا ينفع الترويج لصورة رومانسية عن الحياة في “الكرنتينا” قبل كانون الثاني 1976، واتهام الفصائل المسيحية بارتكاب إبادة جماعية ضدّ مدنيين أبرياء. فذلك لن يغيّر حقيقة أن هذه المنطقة، وبشكل رئيسي خلال الفترة الممتدّة بين 1975 و 1976، كانت تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى الميليشيات اليسارية التابعة للحركة الوطنية اللبنانية.
وبناءً عليه، أصبحت “الكرنتينا” منطقة مزدوجة: مدنية، وقاعدة عسكرية متداخلة ضمن تجمّعات سكانية مدنية. ولا عجب في ذلك، لأن هذا النمط كان معتمدًا لدى الجماعات المسلّحة الفلسطينية، التي كانت تصرّ منذ حينها على دمج قواتها العسكرية في صفوف المدنيين، وإخفاء مدافعها تحت مخيّمات اللاجئين، لجعل أي هجوم إسرائيلي أمرًا صعبًا، خاصة من الناحية الإنسانية والإعلامية.
وقد كانت هذه السياسة موثقة ضمن ما يُعرف بـ “أمر العمليات”، الصادر عن القيادة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقد عُثر على تلك الوثائق في صيدا بعد ترحيل منظمة التحرير عام 1982. من بينها “أمر عمليات” صادر بتاريخ 28 أيار 1981، تحت الرقم 178/1: “توفر الأحياء السكنية في مدينة صيدا، وكذلك القرى ومخيّمات اللاجئين، ملاجئ آمنة، مع إمكانية التمويه للأفراد والقوات. لذا، فمن المناسب اتخاذ مواقع هناك”.
(Le Fil Rouge. Histoire secrète du terrorisme international)
من ناحية أخرى، لا بدّ من التذكير أن “الكرنتينا”، التي كانت جزءًا من حزام من المخيّمات والمعاقل المحيطة بشرق بيروت، مثل تل الزعتر، جسر الباشا، النبعا، والكرنتينا/المسلخ، كانت تتضمّن 28 مركزًا محصّنًا وشبكة من الأنفاق. بل كانت جزءًا من حزام مسلّح متواصل، مهمته تطويق شرق بيروت والسيطرة على المنطقة الصناعية وفرض الخوات على المعامل، وتمكين عمليات التسلل المسلّح وممارسة الضغط، أي السيطرة على الطرق الرئيسية والحركة بين شرق بيروت والميناء. وكانت هذه نقاط اختناق استراتيجية تؤثر على خطوط الإمداد وأمن شرق بيروت.
أما بالنسبة إلى الأنشطة الموثقة والمنسوبة إلى الميليشيات التي كانت موجودة في “الكرنتينا”، فقد أفادت التقارير بأنها كانت تقوم بقطع الطرق الرئيسية، وتعطيل حركة المدنيين والعسكريين، إضافة إلى عمليات اختطاف وقتل. ومن منظور الحرب الأهلية، يُعدّ هذا نموذجًا كلاسيكيًا لسياسة حرمان الأطراف الأخرى من حرية الحركة على الأرض.
تجدر الإشارة إلى أنه في سياق التصعيد الذي سبق الهجوم على “الكرنتينا”، حاصرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية/ الجبهة الوطنية للتحرير بلدات مسيحية مثل الدامور والجية، وقطعت عنها الإمدادات. وبحلول أوائل كانون الثاني 1976، فرضت الأحزاب المسيحية حصارًا على “الكرنتينا”، في وقت تحصّنت فيه العناصر المسلّحة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية/ الجبهة الوطنية للتحرير داخل المناطق السكنية وبين المدنيين. وقد أشارت بعض التقارير إلى أن العناصر المسلّحة كانت تمنع المدنيين من مغادرة المنطقة أثناء القتال، وهو نمط شوهد لاحقًا في غزة بعد السابع من تشرين الأول 2023.
حصل الهجوم على “الكرنتينا” في 18 كانون الثاني 1976، وفي غضون ساعات سقط المخيّم، ولم تتحقق تهديدات المقاتلين الفلسطينيين التي انتشرت كتاباتهم على جدران المخيّم، متوعدةً بأن تكون “الخضر مقبرة لشباب الكتائب في خدمة إسرائيل”. رافق سقوط المخيّم وقوع عدد كبير من القتلى، بينهم مقاتلون فلسطينيون ولبنانيون، وللأسف مدنيون مقيمون داخله، وأيضًا أفارقة اعتبرهم البعض مرتزقة والبعض الآخر عمّالًا غير شرعيين.
مع العلم، ليس مستغربًا أن يكون بعضهم مرتزقة، فخلال الحرب الأهلية اللبنانية كان المقاتلون الأجانب القادمون من ليبيا والصومال مرتبطين في المقام الأول بالحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانوا يتواجدون عادةً في بيروت الغربية ومناطق جنوب لبنان. وبعد حرب 2006، أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن حوالى 720 مقاتلًا صوماليًا سافروا إلى لبنان لدعم “حزب اللّه” (UN document S/2006/913).
إن رفض سكان المنطقة إقامة مخيم نزوح في “الكرنتينا” يعني فقط أنهم لا يريدون المرور بالمحنة نفسها مرة أخرى تحت مسمّى آخر.
“الكرنتينا”، تغيير الوجهة، لا يُغيّر الذاكرة

كانت حكومة نواف سلام تبحث عن حلول سريعة لأزمة النزوح المتزايدة في بيروت، فطُرح استخدام موقع في “الكرنتينا” كمركز إيواء موقت. أدّى ذلك إلى اعتراض أهالي المنطقة ونوّابها، الذين سرعان ما انتقدهم نوّاب “حزب اللّه”، من حسن فضل اللّه إلى إبراهيم الموسوي وصولًا إلى حسين الحاج حسن، إضافة إلى بعض الإعلاميين، معتبرين أن خطابهم عنصري ويدعو إلى التحريض والتمييز.
فاختار رئيس الحكومة امتصاص الاعتراض عبر تعديل القرار، واستخدام الموقع كمركز لتخزين وتوزيع المساعدات. لكن الخطر لم ينتهِ بالكامل، إذ إن العوامل التي أدّت إلى الفكرة ما زالت موجودة: ضغط ملف النزوح، غياب البدائل، وطبيعة اتخاذ القرارات في لبنان، بحيث ما يُرفض اليوم قد يعود بصيغة معدّلة غدًا.
وفي سياق مهاجمة “العنصريين”، لا ينفع الترويج لصورة رومانسية عن الحياة في “الكرنتينا” قبل كانون الثاني 1976، واتهام الفصائل المسيحية بارتكاب إبادة جماعية ضدّ مدنيين أبرياء. فذلك لن يغيّر حقيقة أن هذه المنطقة، وبشكل رئيسي خلال الفترة الممتدّة بين 1975 و 1976، كانت تحت سيطرة منظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى الميليشيات اليسارية التابعة للحركة الوطنية اللبنانية.
وبناءً عليه، أصبحت “الكرنتينا” منطقة مزدوجة: مدنية، وقاعدة عسكرية متداخلة ضمن تجمّعات سكانية مدنية. ولا عجب في ذلك، لأن هذا النمط كان معتمدًا لدى الجماعات المسلّحة الفلسطينية، التي كانت تصرّ منذ حينها على دمج قواتها العسكرية في صفوف المدنيين، وإخفاء مدافعها تحت مخيّمات اللاجئين، لجعل أي هجوم إسرائيلي أمرًا صعبًا، خاصة من الناحية الإنسانية والإعلامية.
وقد كانت هذه السياسة موثقة ضمن ما يُعرف بـ “أمر العمليات”، الصادر عن القيادة العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقد عُثر على تلك الوثائق في صيدا بعد ترحيل منظمة التحرير عام 1982. من بينها “أمر عمليات” صادر بتاريخ 28 أيار 1981، تحت الرقم 178/1: “توفر الأحياء السكنية في مدينة صيدا، وكذلك القرى ومخيّمات اللاجئين، ملاجئ آمنة، مع إمكانية التمويه للأفراد والقوات. لذا، فمن المناسب اتخاذ مواقع هناك”.
(Le Fil Rouge. Histoire secrète du terrorisme international)
من ناحية أخرى، لا بدّ من التذكير أن “الكرنتينا”، التي كانت جزءًا من حزام من المخيّمات والمعاقل المحيطة بشرق بيروت، مثل تل الزعتر، جسر الباشا، النبعا، والكرنتينا/المسلخ، كانت تتضمّن 28 مركزًا محصّنًا وشبكة من الأنفاق. بل كانت جزءًا من حزام مسلّح متواصل، مهمته تطويق شرق بيروت والسيطرة على المنطقة الصناعية وفرض الخوات على المعامل، وتمكين عمليات التسلل المسلّح وممارسة الضغط، أي السيطرة على الطرق الرئيسية والحركة بين شرق بيروت والميناء. وكانت هذه نقاط اختناق استراتيجية تؤثر على خطوط الإمداد وأمن شرق بيروت.
أما بالنسبة إلى الأنشطة الموثقة والمنسوبة إلى الميليشيات التي كانت موجودة في “الكرنتينا”، فقد أفادت التقارير بأنها كانت تقوم بقطع الطرق الرئيسية، وتعطيل حركة المدنيين والعسكريين، إضافة إلى عمليات اختطاف وقتل. ومن منظور الحرب الأهلية، يُعدّ هذا نموذجًا كلاسيكيًا لسياسة حرمان الأطراف الأخرى من حرية الحركة على الأرض.
تجدر الإشارة إلى أنه في سياق التصعيد الذي سبق الهجوم على “الكرنتينا”، حاصرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية/ الجبهة الوطنية للتحرير بلدات مسيحية مثل الدامور والجية، وقطعت عنها الإمدادات. وبحلول أوائل كانون الثاني 1976، فرضت الأحزاب المسيحية حصارًا على “الكرنتينا”، في وقت تحصّنت فيه العناصر المسلّحة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية/ الجبهة الوطنية للتحرير داخل المناطق السكنية وبين المدنيين. وقد أشارت بعض التقارير إلى أن العناصر المسلّحة كانت تمنع المدنيين من مغادرة المنطقة أثناء القتال، وهو نمط شوهد لاحقًا في غزة بعد السابع من تشرين الأول 2023.
حصل الهجوم على “الكرنتينا” في 18 كانون الثاني 1976، وفي غضون ساعات سقط المخيّم، ولم تتحقق تهديدات المقاتلين الفلسطينيين التي انتشرت كتاباتهم على جدران المخيّم، متوعدةً بأن تكون “الخضر مقبرة لشباب الكتائب في خدمة إسرائيل”. رافق سقوط المخيّم وقوع عدد كبير من القتلى، بينهم مقاتلون فلسطينيون ولبنانيون، وللأسف مدنيون مقيمون داخله، وأيضًا أفارقة اعتبرهم البعض مرتزقة والبعض الآخر عمّالًا غير شرعيين.
مع العلم، ليس مستغربًا أن يكون بعضهم مرتزقة، فخلال الحرب الأهلية اللبنانية كان المقاتلون الأجانب القادمون من ليبيا والصومال مرتبطين في المقام الأول بالحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكانوا يتواجدون عادةً في بيروت الغربية ومناطق جنوب لبنان. وبعد حرب 2006، أشار تقرير للأمم المتحدة إلى أن حوالى 720 مقاتلًا صوماليًا سافروا إلى لبنان لدعم “حزب اللّه” (UN document S/2006/913).
إن رفض سكان المنطقة إقامة مخيم نزوح في “الكرنتينا” يعني فقط أنهم لا يريدون المرور بالمحنة نفسها مرة أخرى تحت مسمّى آخر.









