تصعيد على الحدود وتصدّع في الحكومة وأي ارتدادات لطرد السفير الايراني؟

الكاتب: سعد الياس | المصدر: القدس العربي
29 آذار 2026

تشهد الساحة اللبنانية منذ مطلع آذار/مارس واحدة من أخطر جولات الصراع بين إسرائيل و«حزب الله»، حيث تحوّل الصراع من قصف بالغارات والصواريخ إلى مواجهات عنيفة تجمع بين التوغّل البري، وحرب الاستنزاف، تترافق مع انقسام سياسي داخلي، وتوتر إقليمي مرتبط بإيران.
ووفقاً للمعطيات، بدأ الجيش الإسرائيلي تطبيق الأهداف التي عبّر عنها وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بفرض سيطرة على مناطق واسعة في جنوب لبنان، من خلال توغل تكتيكي يقوم على التقدم المحدود والمدروس وصولاً إلى نهر الليطاني مع السيطرة على نقاط استراتيجية في خطوة تعكس توجهاً لتوسيع العدوان وإقامة منطقة عازلة ومحروقة حيث يعمد جيش الاحتلال إلى تدمير الجسور فوق النهر لعزل الجنوب عن باقي لبنان لمنع «حزب الله» من استخدامها لنقل أسلحة وتعزيزات عسكرية، كما يعمد إلى هدم المنازل منعاً لعودة مَن نزحوا من القرى الجنوبية إلى أرضهم، ضماناً لأمن سكان الجليل.
وبات معروفاً ميدانياً، أن محاور التوغّل تتركز على عدة قطاعات: القطاع الشرقي الذي يضم الخيام والطيبة، القطاع الأوسط الذي يضم مارون الراس وبنت جبيل، والقطاع الغربي الذي يضم الناقورة.
في المقابل، يحاول «حزب الله» التعامل مع التوغل كفرصة لادخال الجيش الإسرائيلي في حرب استنزاف طويلة واعتماد تكتيكات الكمائن واستخدام صواريخ مضادة للدروع مستهدفاً الدبابات والتجمعات، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الصعبة.
وبموازاة التوغل الإسرائيلي ودلالاته الخطيرة، سارع رئيس الحكومة نواف سلام بعد جلسة مجلس الوزراء إلى التواصل مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لوضعه في صورة المستجدات العسكرية وإلى الطلب من وزير الخارجية يوسف رجي القيام فوراً بتقديم شكوى أمام مجلس الأمن، رفضاً لتهديدات وزير الحرب الإسرائيلي باحتلال المنطقة الواقعة جنوب الليطاني وتفجير الجسور وتنفيذ عملية تهجير جماعي للسكان وتدمير المنازل وتجريفها، بما يتناقض تماماً مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.
بالتوازي مع المواجهة في الجنوب، انفجرت أزمة سياسية داخلية في لبنان بعد قرار الخارجية اللبنانية طرد السفير الايراني محمد رضا شيباني واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه لمخالفته أصول التعامل الدبلوماسي وموجباته كسفير معين في لبنان حيث أن المادة 41 من اتفاقية فيينا تمنع الدبلوماسيين من التدخل في الشؤون الداخلية للدول المعتمدين لديها ولإدلاء السفير شيباني بتصريحات تدخّل فيها في السياسة الداخلية للبنان وقيّم القرارات المتخذة من قبل الحكومة، إضافةً إلى ذلك، أجرى لقاءات مع جهات غير رسمية لبنانية بدون المرور بوزارة الخارجية.
وسبق هذا الإجراء اتهامات حكومية للحرس الثوري الإيراني بإدارة عمليات «حزب الله»، وطلب رئيس الحكومة نواف سلام توقيف كل من له علاقة بالحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، والعمل على إعادتهم إلى إيران، في إطار الإجراءات التي تقرّر اتخاذها على خلفية التطورات واستهداف قيادات في الحرس الثوري في عدد من الفنادق.
​ وقد ردّ «الثنائي الشيعي» بحدة على هذا الإجراء، وقاطع وزراء «حزب الله» و«حركة أمل» جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس الفائت اعتراضاً على عدم التراجع عن قرار الطرد من دون أن تبلغ المقاطعة حد الاستقالة، في وقت تمايز الوزير الشيعي الخامس علي مكي واختار المشاركة في الجلسة «رغم معارضته للتدبير الذي اتخذته وزارة الخارجية، إيماناً منه كما قال «بأن المشاركة الفاعلة تشكل ضرورة وطنية لضمان انتظام العمل العام ومواجهة التحديات المتفاقمة».
وقوبلت مشاركة الوزير مكي بعملية تخوين إذ تبرّأ منه أهالي بلدته حبوش في الجنوب الذين اعتبروا «أن مواقف وتصرفات الوزير لا تعبّر عنهم ولا عن تاريخ البلدة»، قبل أن يصدر بيان مقابل بإسم أهالي البلدة أيضاً يؤكد أن «لا جهة أو مجموعة يمكنها اختزال بلدة بكاملها أو الادّعاء التحدث باسم جميع أبنائها».
وعلى الرغم من اعتبار البعض مشاركة الوزير الشيعي الخامس إشارة إيجابية من رئيس مجلس النواب نبيه بري لإبقاء قنوات التهدئة مفتوحة، إلا أن معلومات أفادت بأن الرئيس بري تمنى على الوزير مكي عدم المشاركة في الجلسة وأنه شعر باستياء كبير من قرار طرد السفير الذي صدر بعد يوم واحد على زيارته قصر بعبدا ولقائه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وإعلانه لدى مغادرته أنه «بوجود فخامة الرئيس دايماً مطمّن».
ونقل زوار الرئيس بري عنه قوله «ما حصل لن يمر»، وإنه اتصل بالسفير الإيراني وأبلغه «ممنوع أن تغادر»، وأعقبه ببيان عن «حركة أمل» شبيه ببيان «حزب الله» وتضمّن نبرة متشددة ووصفاً للخطوة بـ «المشبوهة» ودعوة إلى التراجع عنها. وأشار الزوار إلى أن مقاطعة وزراء الثنائي الشيعي هو بمثابة «جرس إنذار» قبل الوصول إلى أزمة حكم في غير أوانها رداً على محاولة فريق معارض للثنائي تعديل موازين القوى الداخلية واتخاذ قرارات تتطلب توافقاً وطنياً خلافاً لما حصل في جلستي 5 و7 آب/أغسطس حول حصرية السلاح وفق جدول زمني وبعدها في جلسة 2 آذار/مارس التي حظرت الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».
وعليه، تتجه الأنظار إلى ما سيفعله السفير شيباني اليوم الأحد مع انتهاء المهلة المعطاة له للمغادرة مع ترجيح التعامل مع قرار وزارة الخارجية اللبنانية وكأنه لم يكن، خلافاً لما يعتقده عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب ملحم رياشي الذي توقّع مغادرة السفير لأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعرف الأصول الدبلوماسية ولا مصلحة لطهران بمخالفة اتفاقية فيينا في هذه الظروف.
واللافت هو استحضار فريق الثنائي خطوة مشابهة حصلت عام 1983 عندما تم تحدي قرار حكومة الرئيس شفيق الوزان في عهد الرئيس أمين الجميل قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وإغلاق سفارتها في بيروت، والطلب من القائم بالأعمال محمد نوراني وأعضاء السفارة مغادرة لبنان بسبب تورط طهران في إيصال وحدات من «الحرس الثوري» إلى البقاع ومهاجمة الجيش اللبناني ووحدات «المارينز» والوحدات الفرنسية العاملة في إطار «القوة المتعددة الجنسية».
في حينه، لم يغادر القائم بالأعمال والدبلوماسيون المتبقون معه لبنان على الفور، بسبب تعطل حركة المطار. وعندما عاود العمل، حطت طائرة إيرانية لنقل البعثة الدبلوماسية، قرر «تجمع العلماء المسلمين» التمرد على قرار طرد الدبلوماسيين، ومنع نوراني من السفر، فغادرت الطائرة من دون الدبلوماسيين، ليتدهور الوضع أكثر فأكثر وتحصل انتفاضة 6 شباط/فبراير ويحصل انشقاق داخل الجيش اللبناني ويغرق لبنان في فوضى كتلك التي يتم التهديد بها حالياً من قبل قياديي «حزب الله» وآخرهم نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي الذي هدد بقَلب البلد، مشبّهاً الحكومة بحكومة «فيشي» في فرنسا. على هذه التهديدات الرامية إلى إسقاط الحكومة، يرد خصوم «حزب الله» بالقول «إذا كان إسقاط الحكومة واجبًا وطنيًا، فلماذا البقاء فيها؟ ولماذا لا يستقيل وزراء الحزب فورًا؟ أما البقاء في الحكومة مع الدعوة إلى إسقاطها فيكشف حجم المأزق الذي يعيشه هذا الفريق، وعجزه عن ترجمة تهديداته إلى أفعال. ومع ذلك، لا يجوز التهاون مع هذا الخطاب التصعيدي، بل ينبغي مواجهته سياسيًا ودستوريًا، وصولًا إلى طرح مسألة إقالة هؤلاء الوزراء الذين يجمعون بين السلطة ومعارضتها في آن واحد إلى حد تخوينها والدعوة لإسقاطها بالقوة».
ورأى الخصوم في عدم تطرّق مجلس الوزراء إلى قرار وزير الخارجية بطرد السفير الإيراني واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، هو بالضبط ما كان يجب أن يحصل، لأن هذه المسألة ليست موضع نقاش أصلًا.
على خط المبادرة التي أطلقها الرئيس عون لوقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، لم يحصل أي تقدم في ظل إصرار الفريقين المتحاربين لفرض أمر واقع على الأرض لتحسين شروط التفاوض. واذا كان رئيس مجلس النواب إمتنع عن تسمية عضو شيعي في الوفد اللبناني المفاوض وطالب بالابقاء على لجنة «الميكانيزم» وتطبيق إسرائيل التزاماتها في اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فقد تبيّن أن طهران لا تريد للبنان أن يتفاوض مع إسرائيل وأنها تسعى إلى ربط ملف لبنان بملفها. ولعل أبرز من عبّر عن هذا الموقف الإيراني هو أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم الذي أعلن الرفض الكلي لأي تفاوض مع إسرائيل، معتبراً «أن التفاوض مع إسرائيل تحت النار يمثل استسلاماً»، مراهناً على أن «إيران ستنتصر في الحرب»، ومعترضاً على «طرح حصرية السلاح الذي يشكل خطوة على طريق زوال لبنان»، ما يعني مرة جديدة أن «الحزب» والسلاح توأمان.
ختاماً، تدور البلاد في حلقة مفرغة بين استحالة إجبار تل أبيب على التفاوض ووقف اعتداءاتها على لبنان، واستحالة إقناع «حزب الله» بتسليم سلاحه طوعاً ما يؤشر إلى مرحلة طويلة من الاستنزاف والانقسام السياسي.

تصعيد على الحدود وتصدّع في الحكومة وأي ارتدادات لطرد السفير الايراني؟

الكاتب: سعد الياس | المصدر: القدس العربي
29 آذار 2026

تشهد الساحة اللبنانية منذ مطلع آذار/مارس واحدة من أخطر جولات الصراع بين إسرائيل و«حزب الله»، حيث تحوّل الصراع من قصف بالغارات والصواريخ إلى مواجهات عنيفة تجمع بين التوغّل البري، وحرب الاستنزاف، تترافق مع انقسام سياسي داخلي، وتوتر إقليمي مرتبط بإيران.
ووفقاً للمعطيات، بدأ الجيش الإسرائيلي تطبيق الأهداف التي عبّر عنها وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس بفرض سيطرة على مناطق واسعة في جنوب لبنان، من خلال توغل تكتيكي يقوم على التقدم المحدود والمدروس وصولاً إلى نهر الليطاني مع السيطرة على نقاط استراتيجية في خطوة تعكس توجهاً لتوسيع العدوان وإقامة منطقة عازلة ومحروقة حيث يعمد جيش الاحتلال إلى تدمير الجسور فوق النهر لعزل الجنوب عن باقي لبنان لمنع «حزب الله» من استخدامها لنقل أسلحة وتعزيزات عسكرية، كما يعمد إلى هدم المنازل منعاً لعودة مَن نزحوا من القرى الجنوبية إلى أرضهم، ضماناً لأمن سكان الجليل.
وبات معروفاً ميدانياً، أن محاور التوغّل تتركز على عدة قطاعات: القطاع الشرقي الذي يضم الخيام والطيبة، القطاع الأوسط الذي يضم مارون الراس وبنت جبيل، والقطاع الغربي الذي يضم الناقورة.
في المقابل، يحاول «حزب الله» التعامل مع التوغل كفرصة لادخال الجيش الإسرائيلي في حرب استنزاف طويلة واعتماد تكتيكات الكمائن واستخدام صواريخ مضادة للدروع مستهدفاً الدبابات والتجمعات، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الصعبة.
وبموازاة التوغل الإسرائيلي ودلالاته الخطيرة، سارع رئيس الحكومة نواف سلام بعد جلسة مجلس الوزراء إلى التواصل مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لوضعه في صورة المستجدات العسكرية وإلى الطلب من وزير الخارجية يوسف رجي القيام فوراً بتقديم شكوى أمام مجلس الأمن، رفضاً لتهديدات وزير الحرب الإسرائيلي باحتلال المنطقة الواقعة جنوب الليطاني وتفجير الجسور وتنفيذ عملية تهجير جماعي للسكان وتدمير المنازل وتجريفها، بما يتناقض تماماً مع القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة.
بالتوازي مع المواجهة في الجنوب، انفجرت أزمة سياسية داخلية في لبنان بعد قرار الخارجية اللبنانية طرد السفير الايراني محمد رضا شيباني واعتباره شخصاً غير مرغوب فيه لمخالفته أصول التعامل الدبلوماسي وموجباته كسفير معين في لبنان حيث أن المادة 41 من اتفاقية فيينا تمنع الدبلوماسيين من التدخل في الشؤون الداخلية للدول المعتمدين لديها ولإدلاء السفير شيباني بتصريحات تدخّل فيها في السياسة الداخلية للبنان وقيّم القرارات المتخذة من قبل الحكومة، إضافةً إلى ذلك، أجرى لقاءات مع جهات غير رسمية لبنانية بدون المرور بوزارة الخارجية.
وسبق هذا الإجراء اتهامات حكومية للحرس الثوري الإيراني بإدارة عمليات «حزب الله»، وطلب رئيس الحكومة نواف سلام توقيف كل من له علاقة بالحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية، والعمل على إعادتهم إلى إيران، في إطار الإجراءات التي تقرّر اتخاذها على خلفية التطورات واستهداف قيادات في الحرس الثوري في عدد من الفنادق.
​ وقد ردّ «الثنائي الشيعي» بحدة على هذا الإجراء، وقاطع وزراء «حزب الله» و«حركة أمل» جلسة مجلس الوزراء يوم الخميس الفائت اعتراضاً على عدم التراجع عن قرار الطرد من دون أن تبلغ المقاطعة حد الاستقالة، في وقت تمايز الوزير الشيعي الخامس علي مكي واختار المشاركة في الجلسة «رغم معارضته للتدبير الذي اتخذته وزارة الخارجية، إيماناً منه كما قال «بأن المشاركة الفاعلة تشكل ضرورة وطنية لضمان انتظام العمل العام ومواجهة التحديات المتفاقمة».
وقوبلت مشاركة الوزير مكي بعملية تخوين إذ تبرّأ منه أهالي بلدته حبوش في الجنوب الذين اعتبروا «أن مواقف وتصرفات الوزير لا تعبّر عنهم ولا عن تاريخ البلدة»، قبل أن يصدر بيان مقابل بإسم أهالي البلدة أيضاً يؤكد أن «لا جهة أو مجموعة يمكنها اختزال بلدة بكاملها أو الادّعاء التحدث باسم جميع أبنائها».
وعلى الرغم من اعتبار البعض مشاركة الوزير الشيعي الخامس إشارة إيجابية من رئيس مجلس النواب نبيه بري لإبقاء قنوات التهدئة مفتوحة، إلا أن معلومات أفادت بأن الرئيس بري تمنى على الوزير مكي عدم المشاركة في الجلسة وأنه شعر باستياء كبير من قرار طرد السفير الذي صدر بعد يوم واحد على زيارته قصر بعبدا ولقائه رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وإعلانه لدى مغادرته أنه «بوجود فخامة الرئيس دايماً مطمّن».
ونقل زوار الرئيس بري عنه قوله «ما حصل لن يمر»، وإنه اتصل بالسفير الإيراني وأبلغه «ممنوع أن تغادر»، وأعقبه ببيان عن «حركة أمل» شبيه ببيان «حزب الله» وتضمّن نبرة متشددة ووصفاً للخطوة بـ «المشبوهة» ودعوة إلى التراجع عنها. وأشار الزوار إلى أن مقاطعة وزراء الثنائي الشيعي هو بمثابة «جرس إنذار» قبل الوصول إلى أزمة حكم في غير أوانها رداً على محاولة فريق معارض للثنائي تعديل موازين القوى الداخلية واتخاذ قرارات تتطلب توافقاً وطنياً خلافاً لما حصل في جلستي 5 و7 آب/أغسطس حول حصرية السلاح وفق جدول زمني وبعدها في جلسة 2 آذار/مارس التي حظرت الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».
وعليه، تتجه الأنظار إلى ما سيفعله السفير شيباني اليوم الأحد مع انتهاء المهلة المعطاة له للمغادرة مع ترجيح التعامل مع قرار وزارة الخارجية اللبنانية وكأنه لم يكن، خلافاً لما يعتقده عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب ملحم رياشي الذي توقّع مغادرة السفير لأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعرف الأصول الدبلوماسية ولا مصلحة لطهران بمخالفة اتفاقية فيينا في هذه الظروف.
واللافت هو استحضار فريق الثنائي خطوة مشابهة حصلت عام 1983 عندما تم تحدي قرار حكومة الرئيس شفيق الوزان في عهد الرئيس أمين الجميل قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وإغلاق سفارتها في بيروت، والطلب من القائم بالأعمال محمد نوراني وأعضاء السفارة مغادرة لبنان بسبب تورط طهران في إيصال وحدات من «الحرس الثوري» إلى البقاع ومهاجمة الجيش اللبناني ووحدات «المارينز» والوحدات الفرنسية العاملة في إطار «القوة المتعددة الجنسية».
في حينه، لم يغادر القائم بالأعمال والدبلوماسيون المتبقون معه لبنان على الفور، بسبب تعطل حركة المطار. وعندما عاود العمل، حطت طائرة إيرانية لنقل البعثة الدبلوماسية، قرر «تجمع العلماء المسلمين» التمرد على قرار طرد الدبلوماسيين، ومنع نوراني من السفر، فغادرت الطائرة من دون الدبلوماسيين، ليتدهور الوضع أكثر فأكثر وتحصل انتفاضة 6 شباط/فبراير ويحصل انشقاق داخل الجيش اللبناني ويغرق لبنان في فوضى كتلك التي يتم التهديد بها حالياً من قبل قياديي «حزب الله» وآخرهم نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي الذي هدد بقَلب البلد، مشبّهاً الحكومة بحكومة «فيشي» في فرنسا. على هذه التهديدات الرامية إلى إسقاط الحكومة، يرد خصوم «حزب الله» بالقول «إذا كان إسقاط الحكومة واجبًا وطنيًا، فلماذا البقاء فيها؟ ولماذا لا يستقيل وزراء الحزب فورًا؟ أما البقاء في الحكومة مع الدعوة إلى إسقاطها فيكشف حجم المأزق الذي يعيشه هذا الفريق، وعجزه عن ترجمة تهديداته إلى أفعال. ومع ذلك، لا يجوز التهاون مع هذا الخطاب التصعيدي، بل ينبغي مواجهته سياسيًا ودستوريًا، وصولًا إلى طرح مسألة إقالة هؤلاء الوزراء الذين يجمعون بين السلطة ومعارضتها في آن واحد إلى حد تخوينها والدعوة لإسقاطها بالقوة».
ورأى الخصوم في عدم تطرّق مجلس الوزراء إلى قرار وزير الخارجية بطرد السفير الإيراني واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، هو بالضبط ما كان يجب أن يحصل، لأن هذه المسألة ليست موضع نقاش أصلًا.
على خط المبادرة التي أطلقها الرئيس عون لوقف إطلاق النار وإجراء مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، لم يحصل أي تقدم في ظل إصرار الفريقين المتحاربين لفرض أمر واقع على الأرض لتحسين شروط التفاوض. واذا كان رئيس مجلس النواب إمتنع عن تسمية عضو شيعي في الوفد اللبناني المفاوض وطالب بالابقاء على لجنة «الميكانيزم» وتطبيق إسرائيل التزاماتها في اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقّع في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فقد تبيّن أن طهران لا تريد للبنان أن يتفاوض مع إسرائيل وأنها تسعى إلى ربط ملف لبنان بملفها. ولعل أبرز من عبّر عن هذا الموقف الإيراني هو أمين عام «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم الذي أعلن الرفض الكلي لأي تفاوض مع إسرائيل، معتبراً «أن التفاوض مع إسرائيل تحت النار يمثل استسلاماً»، مراهناً على أن «إيران ستنتصر في الحرب»، ومعترضاً على «طرح حصرية السلاح الذي يشكل خطوة على طريق زوال لبنان»، ما يعني مرة جديدة أن «الحزب» والسلاح توأمان.
ختاماً، تدور البلاد في حلقة مفرغة بين استحالة إجبار تل أبيب على التفاوض ووقف اعتداءاتها على لبنان، واستحالة إقناع «حزب الله» بتسليم سلاحه طوعاً ما يؤشر إلى مرحلة طويلة من الاستنزاف والانقسام السياسي.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار