كيف لا نكون “دولة افتراضية”؟

لبنان الرسمي كان يصرخ قبل يومين من على منبر مجلس الأمن الدولي: “لا نريد الحرب، لكن “الحزب” وإيران ورّطانا فيها، غصباً عنا”. والاستمرار في قبول هذا الوهم والتعايش معه سيحوّل لبنان كله، لا الدولة وحدها، إلى “بلد افتراضي”، تُرسم خصائصه الديموغرافية وحدوده بالدم والصفقات بين القوى الإقليمية والدولية النافذة، بعيداً من بيروت التي فقدت بوصلتها منذ زمن بعيد
جاء صادماً قول وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إنّ لبنان هو “دولة افتراضية”، وأثار ضجيجاً واسعاً في الداخل اللبناني، ليس فقط لقسوته، بل خصوصاً لأنه لامس عصباً عارياً في وجدان اللبنانيين. فقد اعتاد هؤلاء أن يرفضوا في المطلق أي كلام يصدر عن مسؤول إسرائيلي، لكنهم، في الواقع، وفي لحظة صدق مع الذات، يجدون أنفسهم أمام حقائق لا تدحضها عبارات الاستهجان والاستنكار. وكثير من هؤلاء ساهموا ويساهمون في دفن هذه الدولة وجعلها فعلاً افتراضية. ولذلك، الرد الحقيقي على ساعر لا يكون بالإنكار الساذج، بل بالإجابة عن أسئلة في جوهر الواقع المأزوم. فهل يملك أحد في لبنان شجاعة الإجابة عن عيّنة صغيرة من هذه الأسئلة الحيوية:
1- هل تستطيع الدولة تفسير بقاء السفير الإيراني محمد رضا شيباني، يحتسي قهوته في بيروت، ويسخر من قراراتها، بدعم من قوى لبنانية مشاركة في السلطة، بعدما أعلنت هي بذاتها أنه “شخص غير مرغوب فيه” ومنحته مهلة للرحيل؟
2- أليس اضطرار الجيش الوطني اللبناني و”اليونيفيل” إلى الخروج من قرى الجنوب، المسيحية وغير المسيحية، وتركها لمصيرها المجهول، إشارة إلى فشل المستوى السياسي في الدولة في الدفاع عن أبنائها وأرضها؟
3- أليس اكتشاف الأنفاق ومخازن السلاح جنوب الليطاني، المنطقة التي كانت الدولة تتغنى بتطبيق خطتها الأمنية فيها، هو الإثبات الحسي على أنّ الدولة كانت “زوجاً مخدوعاً” هناك، أو أنها كانت تعرف وتسكت، رضوخاً للأمر الواقع؟ وفي أي حال، ألم يسمح ذلك لإسرائيل بالقول إنها كانت على حق عندما أعلنت أنّ السلاح لم يُنزع تماماً من جنوب الليطاني؟
4- أليس عجز الدولة عن منع “حزب الله” من توريط لبنان في الحرب، وسقوط آلاف الضحايا، وهدم قرى بكاملها، وإجباره مئات الآلاف من السكان على الرضوخ لسطوة السلاح وقبول التهجير القسري من 10% أو أكثر من مساحة لبنان، هما اعتراف صريح بانتفاء امتلاك هذه الدولة قرار الحرب والسلم، واضطلاعها بدور الحامي للأرض والشعب؟
5- أليس استعجال تطيير الانتخابات النيابية، لسنتين كاملتين، ومنع المغتربين من ممارسة حقهم في التغيير، باستخدام الأساليب الملتوية، هما عملية اغتيال سياسي للدولة الحقيقية والعدالة والإصلاح؟
الأخطر أنّ هذه “الافتراضية” باتت تكلف لبنان اليوم حرباً طاحنة تقوده إلى الكوارث، فيما الدولة تكتفي بدور “العدّاد” اليومي للضحايا ومراكز الإيواء، بالبيانات المنمقة والمفعمة بالمشاعر الإنسانية، وتنتظر “كلمة السر” التي قد تأتي من الخارج للتسوية، أو لا تأتي.
إذاً، ليس المهم أن ينتفض البعض رفضاً لما يقوله ساعر أو أي مسؤول سياسي آخر، في أي بلد آخر، بل المهم أن يثبت الرافضون فعلاً أنّ هذا القول ليس صحيحاً. وأما تغطية الحقائق خلف الأقنعة، على الطريقة اللبنانية المعروفة، فهي التي أوصلت البلد وأهله إلى الكارثة.
بل، اسألوا أركان الدولة أنفسهم، بين الجدران الأربعة، وبعيداً من الميكروفونات، وسيقولون بمرارة: “نعم، نحن دولة افتراضية… ونحن أكثر من يعرف ذلك. بل نحن دولة وهميّة على أرض الواقع”. وفي أي حال، لبنان الرسمي كان يصرخ قبل يومين من على منبر مجلس الأمن الدولي: “لا نريد الحرب، لكن “حزب الله” وإيران هما اللذان ورّطانا فيها، غصباً عنا”. والاستمرار في قبول هذا الوهم والتعايش معه سيحول لبنان كله، لا الدولة وحدها، إلى “بلد افتراضي”، تُرسم خصائصه الديموغرافية وحدوده بالدم والصفقات بين القوى الإقليمية والدولية النافذة، بعيداً من بيروت التي فقدت بوصلتها منذ زمن بعيد.
كيف لا نكون “دولة افتراضية”؟

لبنان الرسمي كان يصرخ قبل يومين من على منبر مجلس الأمن الدولي: “لا نريد الحرب، لكن “الحزب” وإيران ورّطانا فيها، غصباً عنا”. والاستمرار في قبول هذا الوهم والتعايش معه سيحوّل لبنان كله، لا الدولة وحدها، إلى “بلد افتراضي”، تُرسم خصائصه الديموغرافية وحدوده بالدم والصفقات بين القوى الإقليمية والدولية النافذة، بعيداً من بيروت التي فقدت بوصلتها منذ زمن بعيد
جاء صادماً قول وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إنّ لبنان هو “دولة افتراضية”، وأثار ضجيجاً واسعاً في الداخل اللبناني، ليس فقط لقسوته، بل خصوصاً لأنه لامس عصباً عارياً في وجدان اللبنانيين. فقد اعتاد هؤلاء أن يرفضوا في المطلق أي كلام يصدر عن مسؤول إسرائيلي، لكنهم، في الواقع، وفي لحظة صدق مع الذات، يجدون أنفسهم أمام حقائق لا تدحضها عبارات الاستهجان والاستنكار. وكثير من هؤلاء ساهموا ويساهمون في دفن هذه الدولة وجعلها فعلاً افتراضية. ولذلك، الرد الحقيقي على ساعر لا يكون بالإنكار الساذج، بل بالإجابة عن أسئلة في جوهر الواقع المأزوم. فهل يملك أحد في لبنان شجاعة الإجابة عن عيّنة صغيرة من هذه الأسئلة الحيوية:
1- هل تستطيع الدولة تفسير بقاء السفير الإيراني محمد رضا شيباني، يحتسي قهوته في بيروت، ويسخر من قراراتها، بدعم من قوى لبنانية مشاركة في السلطة، بعدما أعلنت هي بذاتها أنه “شخص غير مرغوب فيه” ومنحته مهلة للرحيل؟
2- أليس اضطرار الجيش الوطني اللبناني و”اليونيفيل” إلى الخروج من قرى الجنوب، المسيحية وغير المسيحية، وتركها لمصيرها المجهول، إشارة إلى فشل المستوى السياسي في الدولة في الدفاع عن أبنائها وأرضها؟
3- أليس اكتشاف الأنفاق ومخازن السلاح جنوب الليطاني، المنطقة التي كانت الدولة تتغنى بتطبيق خطتها الأمنية فيها، هو الإثبات الحسي على أنّ الدولة كانت “زوجاً مخدوعاً” هناك، أو أنها كانت تعرف وتسكت، رضوخاً للأمر الواقع؟ وفي أي حال، ألم يسمح ذلك لإسرائيل بالقول إنها كانت على حق عندما أعلنت أنّ السلاح لم يُنزع تماماً من جنوب الليطاني؟
4- أليس عجز الدولة عن منع “حزب الله” من توريط لبنان في الحرب، وسقوط آلاف الضحايا، وهدم قرى بكاملها، وإجباره مئات الآلاف من السكان على الرضوخ لسطوة السلاح وقبول التهجير القسري من 10% أو أكثر من مساحة لبنان، هما اعتراف صريح بانتفاء امتلاك هذه الدولة قرار الحرب والسلم، واضطلاعها بدور الحامي للأرض والشعب؟
5- أليس استعجال تطيير الانتخابات النيابية، لسنتين كاملتين، ومنع المغتربين من ممارسة حقهم في التغيير، باستخدام الأساليب الملتوية، هما عملية اغتيال سياسي للدولة الحقيقية والعدالة والإصلاح؟
الأخطر أنّ هذه “الافتراضية” باتت تكلف لبنان اليوم حرباً طاحنة تقوده إلى الكوارث، فيما الدولة تكتفي بدور “العدّاد” اليومي للضحايا ومراكز الإيواء، بالبيانات المنمقة والمفعمة بالمشاعر الإنسانية، وتنتظر “كلمة السر” التي قد تأتي من الخارج للتسوية، أو لا تأتي.
إذاً، ليس المهم أن ينتفض البعض رفضاً لما يقوله ساعر أو أي مسؤول سياسي آخر، في أي بلد آخر، بل المهم أن يثبت الرافضون فعلاً أنّ هذا القول ليس صحيحاً. وأما تغطية الحقائق خلف الأقنعة، على الطريقة اللبنانية المعروفة، فهي التي أوصلت البلد وأهله إلى الكارثة.
بل، اسألوا أركان الدولة أنفسهم، بين الجدران الأربعة، وبعيداً من الميكروفونات، وسيقولون بمرارة: “نعم، نحن دولة افتراضية… ونحن أكثر من يعرف ذلك. بل نحن دولة وهميّة على أرض الواقع”. وفي أي حال، لبنان الرسمي كان يصرخ قبل يومين من على منبر مجلس الأمن الدولي: “لا نريد الحرب، لكن “حزب الله” وإيران هما اللذان ورّطانا فيها، غصباً عنا”. والاستمرار في قبول هذا الوهم والتعايش معه سيحول لبنان كله، لا الدولة وحدها، إلى “بلد افتراضي”، تُرسم خصائصه الديموغرافية وحدوده بالدم والصفقات بين القوى الإقليمية والدولية النافذة، بعيداً من بيروت التي فقدت بوصلتها منذ زمن بعيد.







