إعادة تموضع الجيش: تفادي الحصار أم تخلي الدولة عن الجنوب؟

إعادة تموضع الجيش اللبناني في الجنوب ليست تفصيلاً ميدانياً عابراً، بل هي تعبير دقيق عن قراءة عسكرية لواقعٍ فرضه التقدّم الإسرائيلي في محيط عدد من القرى الحدودية، ولا سيما رميش وعين إبل ودبل، وما بعد هذه البلدات التي لا يزال أهلها، وغالبيتهم من المسيحيين، صامدين فيها رافضين المغادرة. هذا التوغل، الذي تجاوز هذه القرى، وضع الوحدات العسكرية أمام إحتمال العزل الكامل، بحيث تصبح خطوط الإمداد اللوجستي خاضعة لمراقبة الجيش الإسرائيلي أو حتى لإرادته.
في هذا السياق، جاء قرار قيادة الجيش بإعادة الانتشار شمال هذه القرى، مع الحفاظ على الوجود جنوب نهر الليطاني، ولكن خارج نطاق الاحتكاك المباشر، بما يضمن حرية الحركة العسكرية وإستمرارية الدعم. ولم يكن هذا القرار سياسياً بقدر ما هو عسكري بحت، إذ إن قيادة الجيش رفضت الانسحاب الشامل من الجنوب، وأبقت إنتشارها في مناطق تعتبر قادرة على تأمين المناورة وعدم الوقوع في الحصار.
لا للحصار ولا لتكرار مرجعيون
وفق معلومات حصلت عليها “المدن”، فإن قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال إجتماعاته مع الضباط، قال إن قرار إعادة تموضع الوحدات العسكرية في مناطق الاشتباك بين حزب الله والجيش الاسرائيلي، ينطلق من قاعدة عسكرية صلبة: الجيش لا يُقاتل من مواقع معزولة، ولا يُترك تحت رحمة خطوط إمداد يسيطر عليها العدو.
هيكل شدّد أمام الضباط على أن بقاء الوحدات داخل القرى المتقدمة، في ظل التفاف إسرائيلي حولها، كان سيحوّلها إلى نقاط محاصَرة، ما يضع المؤسسة العسكرية أمام خطر فقدان القدرة على المناورة، ويجعل أي تحرك أو إمداد خاضعاً لشروط ميدانية يفرضها العدو.
وفي خلاصة توجيهاته، وضع هيكل هدفين واضحين: تفادي تكرار تجربة مرجعيون، بكل ما حملته من إحراجٍ ميداني للقوى الامنية في حرب تموز 2006 عندما دخلت القوات الاسرائيلية إلى مركز القوى الأمنية. والجميع يذكر ما حصل وما رافق ذلك من حملات ومن تعرض لمعنويات وكرامة العناصر الامنية ومؤسستهم.
كما أن الهدف الثاني من هذا القرار، منع نشوء واقع ميداني يقيّد الجيش أو يدفعه إلى العمل ضمن شروط مفروضة عليه داخل أرضه.
وانطلاقاً من هذه المقاربة، لم ينسحب الجيش من القرى الأمامية إلا بعد إحكام الطوق الإسرائيلي عليها. ففي رميش وعين إبل ودبل، لم يتم الانسحاب إلا بعدما طوّقت القوات الإسرائيلية مداخل البلدات بالكامل، ما جعل الوحدات العسكرية داخلها محاصَرة فعلياً، وغير قادرة على الحركة أو إستقدام الإمدادات.
في ضوء هذه التطورات، أعاد الجيش إنتشار وحداته من القرى الأمامية إلى خطوط خلفية منظمة جنوب الليطاني، تمتد من صور إلى النبطية ومرجعيون، كل ضمن قطاعه ولوائه، بما يسمح بالحفاظ على التماسك العملياتي والقدرة على التدخل عند الحاجة.
هذا الانتشار لا يعني إنسحاباً، بل إعادة تموضع مدروسة تتيح للجيش البقاء في الميدان من دون الوقوع في فخ العزل أو الحصار، مع الحفاظ على القدرة على المناورة والعمل المستقل.
حين يصبح الطوق واقعاً
توضح مصادر عسكرية لـ”المدن” أن قرار إعادة التموضع لا يُتخذ إلا في حالة واحدة: الحصار الكامل. وهو ما حصل ميدانياً في رميش وعين إبل ودبل، حيث تقدّم الجيش الإسرائيلي وأحكم الطوق، ما فرض على الجيش اللبناني الخروج إلى مواقع لا تزال على تماس مع العدو، ولكن من دون أن تكون محاصَرة.
وقد جاء هذا القرار أيضاً نتيجة رفض إسرائيل، عبر الميكانيزم والوساطات الدولية، بما فيها السفير الأميركي ميشال عيسى، الإبقاء على ممرات إنسانية أو لوجستية تتيح للجيش الحركة داخل هذه القرى وعند مداخله او عبر ممرات دعم لوجستي. ومع غياب هذه الممرات، بات أي بقاء عسكري داخلها يعني الوقوع تحت رحمة الجيش الإسرائيلي، وهو ما رفضته القيادة بشكل قاطع.
هذا الواقع أعاد إلى الأذهان تجربة جيش لبنان الجنوبي في زمن سعد حداد، حين أدى الحصار وقطع الإمدادات إلى نشوء واقع ميداني فرض تواصلاً مباشراً مع الجيش الإسرائيلي. كما إستُحضرت تجربة مرجعيون العام 2006، كتحذير واضح من تكرار سيناريو دخول القوات الإسرائيلية إلى مواقع الجيش.
إنتشار مرن وحضور صامت
رغم إعادة التموضع، لم ينسحب الجيش بالكامل من القرى الصامدة. وتقول المصادر إن الجيش إعتمد صيغة مزدوجة تقوم على إنتشار عسكري مرن خارج البلدات وخارج مناطق الاشتباك، مقابل حضور غير مباشر داخلها.
وتفيد المعطيات ببقاء أكثر من 200 عنصر بين الجيش والقوى الأمنية داخل كل قرية أو بلدة، وغالبيتهم من أبناء هذه المناطق، ولا سيما في رميش وعين إبل ودبل. كما بقيت القوى الأمنية في مراكزها، بما يكرّس إستمرار حضور الدولة.
إلى ذلك، ينتشر عناصر من الجيش بلباس مدني داخل المرافق الحيوية، ولا سيما المستوصفات، حيث يؤدّون مهام خدماتية وإنسانية، في إطار ما يتيحه القرار قرار مجلس الأمن 1701، وبما يشبه الدور الذي تضطلع به القوات الدولية لجهة مساعدة المدنيين وتأمين الحماية لهم.
يأتي هذا التموضع أيضاً في ظل إستهداف إسرائيلي ممنهج للبنية التحتية في الجنوب، بعدما تم ضرب المعابر والجسور، ورفع الحواجز التي كان الجيش قد أنشأها. فقد دمرت إسرائيل حتى الآن ستة جسور أساسية، فيما لا يزال جسران فقط قيد الاستخدام، ما زاد من صعوبة الحركة اللوجستية.
وقبل هذا التصعيد، وما بعده يواصل الجيش تنفيذ قرار توقيف مسلحين من حزب الله. وفي معلومات “المدن”، فقد ضبط الجيش في أكثر من منطقة، طائرات مسيّرة وراجمات صواريخ وشاحنتين محمّلتين بالصواريخ، إضافة إلى صواريخ بعيدة المدى. وقد تم توقيف هؤلاء العناصر وإحالتهم إلى القضاء العسكري وإتلاف المضبوطات، نظراً لعدم صلاحية إستخدامها في الجيش.
غطاء رئاسي وتحرك دبلوماسي موازٍ
يتقاطع الأداء الميداني للجيش مع موقف سياسي واضح يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي يضع المؤسسة العسكرية في صلب معادلة الاستقرار الداخلي، ويؤكد دعماً كاملاً لخياراتها العملياتية، انطلاقاً من قناعة بأن الحفاظ على تماسك الجيش وقدرته على المناورة يشكّل خط الدفاع الأول عن الدولة في هذه المرحلة الدقيقة.
هذا الدعم لا يقتصر على البعد المعنوي أو السياسي، بل يترجم أيضاً في توفير الغطاء الكامل للقرارات العسكرية التي تفرضها ضرورات الميدان، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة التموضع، بما يضمن عدم تعريض الوحدات لأي شكل من أشكال العزل أو الحصار.
في موازاة ذلك، يفعّل رئيس الجمهورية مساراً دبلوماسياً مكثفاً، عبر إتصالات متواصلة مع عواصم القرار الدولية والإقليمية، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع إنزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع. هذه الاتصالات تتركّز على الدفع باتجاه وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي لأي معالجة سياسية، وتهيئة الأرضية لفتح المسار التفاوضي.
سياسة الأرض المحروقة
في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة في القرى الحدودية. ففي دبل، جرى تفجير عدد من المنازل في حي المرج عند الأطراف الجنوبية للبلدة، على بعد نحو ستة كيلومترات من الخط الأزرق. كما تم إنذار سكان أطراف عين إبل بوجوب مغادرة منازلهم والتوجه نحو وسط البلدة.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن هذه العمليات تهدف إلى فتح ممر ميداني يمتد من عيتا الشعب باتجاه أطراف دبل، وصولاً إلى الوادي ثم صربين وكفرا، في محاولة لإعادة رسم خطوط السيطرة، والالتفاف على مقاتلي حزب الله، وتقطيع أوصال المنطقة وفصل القرى عن بعضها البعض.
بهذا المعنى، تتجاوز إعادة التموضع بعدها التكتيكي لتتحول إلى خيار إستراتيجي هدفه حماية الجيش من الحصار، والحفاظ على قراره المستقل، ومنع فرض وقائع ميدانية عليه.
إنها محاولة لضبط إيقاع المؤسسة العسكرية في لحظة تُرسم فيها معادلات الجنوب تحت ضغط النار، فيما لا يزال الإيقاع السياسي متأخراً بشكل كبير عن سرعة التحولات الميدانية، التي تتسارع بوتيرة تنذر بانزلاق أوسع.
إعادة تموضع الجيش: تفادي الحصار أم تخلي الدولة عن الجنوب؟

إعادة تموضع الجيش اللبناني في الجنوب ليست تفصيلاً ميدانياً عابراً، بل هي تعبير دقيق عن قراءة عسكرية لواقعٍ فرضه التقدّم الإسرائيلي في محيط عدد من القرى الحدودية، ولا سيما رميش وعين إبل ودبل، وما بعد هذه البلدات التي لا يزال أهلها، وغالبيتهم من المسيحيين، صامدين فيها رافضين المغادرة. هذا التوغل، الذي تجاوز هذه القرى، وضع الوحدات العسكرية أمام إحتمال العزل الكامل، بحيث تصبح خطوط الإمداد اللوجستي خاضعة لمراقبة الجيش الإسرائيلي أو حتى لإرادته.
في هذا السياق، جاء قرار قيادة الجيش بإعادة الانتشار شمال هذه القرى، مع الحفاظ على الوجود جنوب نهر الليطاني، ولكن خارج نطاق الاحتكاك المباشر، بما يضمن حرية الحركة العسكرية وإستمرارية الدعم. ولم يكن هذا القرار سياسياً بقدر ما هو عسكري بحت، إذ إن قيادة الجيش رفضت الانسحاب الشامل من الجنوب، وأبقت إنتشارها في مناطق تعتبر قادرة على تأمين المناورة وعدم الوقوع في الحصار.
لا للحصار ولا لتكرار مرجعيون
وفق معلومات حصلت عليها “المدن”، فإن قائد الجيش العماد رودولف هيكل خلال إجتماعاته مع الضباط، قال إن قرار إعادة تموضع الوحدات العسكرية في مناطق الاشتباك بين حزب الله والجيش الاسرائيلي، ينطلق من قاعدة عسكرية صلبة: الجيش لا يُقاتل من مواقع معزولة، ولا يُترك تحت رحمة خطوط إمداد يسيطر عليها العدو.
هيكل شدّد أمام الضباط على أن بقاء الوحدات داخل القرى المتقدمة، في ظل التفاف إسرائيلي حولها، كان سيحوّلها إلى نقاط محاصَرة، ما يضع المؤسسة العسكرية أمام خطر فقدان القدرة على المناورة، ويجعل أي تحرك أو إمداد خاضعاً لشروط ميدانية يفرضها العدو.
وفي خلاصة توجيهاته، وضع هيكل هدفين واضحين: تفادي تكرار تجربة مرجعيون، بكل ما حملته من إحراجٍ ميداني للقوى الامنية في حرب تموز 2006 عندما دخلت القوات الاسرائيلية إلى مركز القوى الأمنية. والجميع يذكر ما حصل وما رافق ذلك من حملات ومن تعرض لمعنويات وكرامة العناصر الامنية ومؤسستهم.
كما أن الهدف الثاني من هذا القرار، منع نشوء واقع ميداني يقيّد الجيش أو يدفعه إلى العمل ضمن شروط مفروضة عليه داخل أرضه.
وانطلاقاً من هذه المقاربة، لم ينسحب الجيش من القرى الأمامية إلا بعد إحكام الطوق الإسرائيلي عليها. ففي رميش وعين إبل ودبل، لم يتم الانسحاب إلا بعدما طوّقت القوات الإسرائيلية مداخل البلدات بالكامل، ما جعل الوحدات العسكرية داخلها محاصَرة فعلياً، وغير قادرة على الحركة أو إستقدام الإمدادات.
في ضوء هذه التطورات، أعاد الجيش إنتشار وحداته من القرى الأمامية إلى خطوط خلفية منظمة جنوب الليطاني، تمتد من صور إلى النبطية ومرجعيون، كل ضمن قطاعه ولوائه، بما يسمح بالحفاظ على التماسك العملياتي والقدرة على التدخل عند الحاجة.
هذا الانتشار لا يعني إنسحاباً، بل إعادة تموضع مدروسة تتيح للجيش البقاء في الميدان من دون الوقوع في فخ العزل أو الحصار، مع الحفاظ على القدرة على المناورة والعمل المستقل.
حين يصبح الطوق واقعاً
توضح مصادر عسكرية لـ”المدن” أن قرار إعادة التموضع لا يُتخذ إلا في حالة واحدة: الحصار الكامل. وهو ما حصل ميدانياً في رميش وعين إبل ودبل، حيث تقدّم الجيش الإسرائيلي وأحكم الطوق، ما فرض على الجيش اللبناني الخروج إلى مواقع لا تزال على تماس مع العدو، ولكن من دون أن تكون محاصَرة.
وقد جاء هذا القرار أيضاً نتيجة رفض إسرائيل، عبر الميكانيزم والوساطات الدولية، بما فيها السفير الأميركي ميشال عيسى، الإبقاء على ممرات إنسانية أو لوجستية تتيح للجيش الحركة داخل هذه القرى وعند مداخله او عبر ممرات دعم لوجستي. ومع غياب هذه الممرات، بات أي بقاء عسكري داخلها يعني الوقوع تحت رحمة الجيش الإسرائيلي، وهو ما رفضته القيادة بشكل قاطع.
هذا الواقع أعاد إلى الأذهان تجربة جيش لبنان الجنوبي في زمن سعد حداد، حين أدى الحصار وقطع الإمدادات إلى نشوء واقع ميداني فرض تواصلاً مباشراً مع الجيش الإسرائيلي. كما إستُحضرت تجربة مرجعيون العام 2006، كتحذير واضح من تكرار سيناريو دخول القوات الإسرائيلية إلى مواقع الجيش.
إنتشار مرن وحضور صامت
رغم إعادة التموضع، لم ينسحب الجيش بالكامل من القرى الصامدة. وتقول المصادر إن الجيش إعتمد صيغة مزدوجة تقوم على إنتشار عسكري مرن خارج البلدات وخارج مناطق الاشتباك، مقابل حضور غير مباشر داخلها.
وتفيد المعطيات ببقاء أكثر من 200 عنصر بين الجيش والقوى الأمنية داخل كل قرية أو بلدة، وغالبيتهم من أبناء هذه المناطق، ولا سيما في رميش وعين إبل ودبل. كما بقيت القوى الأمنية في مراكزها، بما يكرّس إستمرار حضور الدولة.
إلى ذلك، ينتشر عناصر من الجيش بلباس مدني داخل المرافق الحيوية، ولا سيما المستوصفات، حيث يؤدّون مهام خدماتية وإنسانية، في إطار ما يتيحه القرار قرار مجلس الأمن 1701، وبما يشبه الدور الذي تضطلع به القوات الدولية لجهة مساعدة المدنيين وتأمين الحماية لهم.
يأتي هذا التموضع أيضاً في ظل إستهداف إسرائيلي ممنهج للبنية التحتية في الجنوب، بعدما تم ضرب المعابر والجسور، ورفع الحواجز التي كان الجيش قد أنشأها. فقد دمرت إسرائيل حتى الآن ستة جسور أساسية، فيما لا يزال جسران فقط قيد الاستخدام، ما زاد من صعوبة الحركة اللوجستية.
وقبل هذا التصعيد، وما بعده يواصل الجيش تنفيذ قرار توقيف مسلحين من حزب الله. وفي معلومات “المدن”، فقد ضبط الجيش في أكثر من منطقة، طائرات مسيّرة وراجمات صواريخ وشاحنتين محمّلتين بالصواريخ، إضافة إلى صواريخ بعيدة المدى. وقد تم توقيف هؤلاء العناصر وإحالتهم إلى القضاء العسكري وإتلاف المضبوطات، نظراً لعدم صلاحية إستخدامها في الجيش.
غطاء رئاسي وتحرك دبلوماسي موازٍ
يتقاطع الأداء الميداني للجيش مع موقف سياسي واضح يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي يضع المؤسسة العسكرية في صلب معادلة الاستقرار الداخلي، ويؤكد دعماً كاملاً لخياراتها العملياتية، انطلاقاً من قناعة بأن الحفاظ على تماسك الجيش وقدرته على المناورة يشكّل خط الدفاع الأول عن الدولة في هذه المرحلة الدقيقة.
هذا الدعم لا يقتصر على البعد المعنوي أو السياسي، بل يترجم أيضاً في توفير الغطاء الكامل للقرارات العسكرية التي تفرضها ضرورات الميدان، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة التموضع، بما يضمن عدم تعريض الوحدات لأي شكل من أشكال العزل أو الحصار.
في موازاة ذلك، يفعّل رئيس الجمهورية مساراً دبلوماسياً مكثفاً، عبر إتصالات متواصلة مع عواصم القرار الدولية والإقليمية، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع إنزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع. هذه الاتصالات تتركّز على الدفع باتجاه وقف إطلاق النار كمدخل إلزامي لأي معالجة سياسية، وتهيئة الأرضية لفتح المسار التفاوضي.
سياسة الأرض المحروقة
في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة في القرى الحدودية. ففي دبل، جرى تفجير عدد من المنازل في حي المرج عند الأطراف الجنوبية للبلدة، على بعد نحو ستة كيلومترات من الخط الأزرق. كما تم إنذار سكان أطراف عين إبل بوجوب مغادرة منازلهم والتوجه نحو وسط البلدة.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن هذه العمليات تهدف إلى فتح ممر ميداني يمتد من عيتا الشعب باتجاه أطراف دبل، وصولاً إلى الوادي ثم صربين وكفرا، في محاولة لإعادة رسم خطوط السيطرة، والالتفاف على مقاتلي حزب الله، وتقطيع أوصال المنطقة وفصل القرى عن بعضها البعض.
بهذا المعنى، تتجاوز إعادة التموضع بعدها التكتيكي لتتحول إلى خيار إستراتيجي هدفه حماية الجيش من الحصار، والحفاظ على قراره المستقل، ومنع فرض وقائع ميدانية عليه.
إنها محاولة لضبط إيقاع المؤسسة العسكرية في لحظة تُرسم فيها معادلات الجنوب تحت ضغط النار، فيما لا يزال الإيقاع السياسي متأخراً بشكل كبير عن سرعة التحولات الميدانية، التي تتسارع بوتيرة تنذر بانزلاق أوسع.




