إسرائيل تواصل توغلها في الجنوب: كيف هي خريطة المعركة البرية؟

سلاح الجو. لطالما شكّلت هذه العبارة عنصر تفوّق إسرائيلي في جميع الحروب التي خاضها الكيان ضد لبنان. فالغارات من الطائرات الحربية كانت تؤمّن له ما يرغب في تحقيقه: تدمير البنى التحتية، مجازر متنقلة في صفوف المدنيين، ومسيّرات تحلّق على مدار الساعة وتقوم بعمليات استطلاع ورصد. لكن إسرائيل تسعى أيضاً إلى سيطرة ميدانية على أرض الواقع من خلال عملية برية واسعة النطاق تمتد من الخيام إلى الناقورة، وتسير إلى أكبر عمق ممكن داخل الأراضي اللبنانية. فكيف تسير المعركة البرية داخل قرى جنوب لبنان؟
تدمير منهجي للقرى الحدودية
منذ حرب الإسناد اعتمد الجيش الإسرائيلي تدميراً ممنهجاً لكل القرى الأمامية عند الحدود لتحقيق هدفين: الأول قتل كل وسائل الحياة في تلك البقعة وجعلها غير قابلة للعيش، وثانياً تعرية المنطقة من أي خطط دفاعية تعطل تقدمه إلى داخل الأراضي اللبنانية، لأن البيوت تعتبر مرتكزاً استراتيجياً للمقاومة للتمركز وصدّ العدوان. هذا عدا عمّا كان موجوداً من وسائل قتالية وتجهيزات لوجستية، تم استنفاد معظمها خلال المرحلة الأولى من عدوان أيلول 2024، وتدمير ما تبقى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، حتى باتت المنطقة الحدودية مفتوحة ومكشوفة أمام التقدم العسكري الإسرائيلي.
المفاجأة الميدانية:حزب الله جنوب الليطاني
فاجأ حزب الله الإسرائيلي بأن وجوده في جنوب الليطاني متين، ولا يمكن لقرار حكومي أن يمنع ذلك. قاتل من مسافة قريبة، وأطلق صليات من قرى ليست بعيدة عن الحدود، لكن ذلك لم يمنع إسرائيل من التقدم برياً. فوفق معلومات “المدن” الميدانية، حشدت إسرائيل خمسة ألوية تمتد من المطلة إلى أفيفيم، أي من الخيام إلى مارون الرأس، بهدف التقدم البري.
الخيام: عقدة التقدم الإسرائيلي
في الخيام، دخلت إسرائيل ووصلت إلى النقطة المركزية هناك، معتقل الخيام الذي يؤمن لها سيطرة عملياتية على الأرض في تلك المنطقة، علماً أنها تلقى مقاومة عنيفة وتدرك أن تقدمها لن يكون سهلاً في تلك المدينة تحديداً، نظراً لمساحتها. لكنها فعلياً تقدمت إلى البلدة من كل اتجاهاتها، وبات تصدي المقاومة بالصليات والمسيّرات للجنود هناك.
أما كفركلا فأساساً كانت ساقطة عسكرياً ما قبل اندلاع هذه الحرب شأنها شأن مجمل القرى الحدودية. تقّدم العدو إلى العديسة ومركبا، ودخل إلى رب ثلاثين. استهدفته المقاومة في حارة البرسيمة، التي تقع بمحاذاة بلدة الطيبة، لكنه أكمل. قام بإحراق عدد من البيوت هناك، وتابع نحو بلدة الطيبة التي أحرق فيها بيوتاً أيضاً. كان ذلك مشهداً صعباً على الجنوبيين.
الوصول إلى الطيبة سابقاً كان يكبّد الاحتلال خسائر فادحة، لكن واقع الحال أن التقدم هذه المرة أتى بعد حرب إسناد دُمّرت فيها القرى الحدودية، وعدوان أيلول الذي أفضى لاحتلال نقاط في جنوب لبنان. ولن يبقى العدو بطبيعة الحال في مكانه بل يسعى لمزيد من التقدم، خصوصاً أنه زاد نقاطه داخل جنوب لبنان إلى عشرين نقطة.
التوغّل نحو العمق: حولا ومجدل سلم
بلدة حولا تعتبر الفاصل ما بين القطاعين الشرقي والأوسط ومعها ميس الجبل. من موقع العباد وصل الاحتلال إلى حولا، المحاذية لوادي السلوقي. ووردت معلومات عن وصول الاحتلال إلى بلدة مجدل سلم، وتحديداً منتجع أكاسيا الذي يعود عقارياً للبلدة، أي أن التوغل داخل العمق اللبناني بات بحدود خمسة كيلومترات، وهو أمر سيسعى الاحتلال إلى زيادته في الأيام المقبلة.
وتقول مصادر عسكرية لـِ “المدن” إن الاحتلال وصل فعلاً إلى بلدة مجدل سلم ثم تراجع، ويبدو أنه يقوم بمرحلة استطلاع ميداني، ويرسم خطوط تقدم جنوده ويوفّر الغطاء لهم. وفي القطاع الأوسط أيضاً، بات وجود الاحتلال في مارون الرأس وعيترون حتمياً على الرغم من صليات المقاومة التي تقصف تجمعاته وتحشداته بين الحين والآخر، وعادة ما يتقدم من تلك البلدات باتجاه مدينة بنت جبيل، إلا أنه في الحرب الماضية كان قد غيّر طريقة تقدمه العسكري.
القطاع الغربي: الطريق نحو الناقورة
أما في القطاع الغربي، فإن أصوات رصاص سُمعت بالأمس في بلدة علما الشعب، التي أُفرغت من سكانها بطلب من إسرائيل، وكان ذلك دلالة واضحة على التوغل الذي سيقدم عليه الاحتلال بإتجاه بلدة الناقورة، علماً أنه فشل بذلك سابقاً في الحرب الأخيرة. وما سُمِع كان ناتجاً، على ما يبدو، عن عملية تمشيط من قبل جنود الاحتلال قبل التوغل بشكل أكبر.
وعادة ما تكون محاور التقدم من مرافع بلاط الذي يسيطر عليه باتجاه شيحين ثم الجبين وطير حرفا وشمع. وآخر نقطة وصل إليها الاحتلال في أواخر الحرب الماضية كانت البياضة التي تؤمن كشفاً استراتيجياً لمدينة صور وقراها، وحتماً سيسعى من جديد للوصول إلى هناك. ويشار إلى أنه في الحرب السابقة غير هذه الاستراتيجية وانطلق من الضهيرة باتجاه طير حرفا، علماً أن القطاع الغربي كان آخر القطاعات التي تقدم فيها الاحتلال. ولكن يبقى السؤال: إلى ماذا يسعى تحديداً؟ وعلى ماذا يريد أن يسيطر؟
معركة المرتفعات والنقاط الاستراتيجية
يسيطر الاحتلال على مرتفع جبل بلاط في القطاع الغربي، وهو المرتفع الأهم هناك. وفي القطاع الأوسط يسعى للسيطرة على بلدة مارون الرأس، وتحديداً المرتفعات فيها لتأمين سيطرة بالنار، إضافة إلى السعي للسيطرة على مشروع الطيبة الذي يعتبر نقطة استراتيجية، إضافة إلى تلة العويضة وتلة العزية عند أطراف كفركلا ودير ميماس.
هذه النقاط كان العدو قد احتلها حتى تحرير العام 2000. ولكن هل سيرضى بالسيطرة عليها فقط؟ الأكيد أنه يسعى لتأمين سيطرة برية بالنار، والتقدم إلى أكبر مسافة ممكنة داخل الأراضي الجنوبية واستخدامها ورقة في المفاوضات، حيث إنه لن ينسحب قبل إيجاد حل نهائي لسلاح حزب الله، وبالطبع يمتلك في يده ورقة المرافق الحيوية، وقد بدأ فعلياً باستخدامها.
رواية حزب الله: المواجهة مستمرة
مصادر في حزب الله تقول لـِ “المدن” إن الحديث عن مواجهات كبيرة في قرىً أمامية فيه بعض المبالغة، ذلك أن إسرائيل كانت قد دمرت تلك القرى في الماضي واحتلت بعض النقاط، والجيش أساساً قام بمسح كامل منطقة جنوب الليطاني. لكن على الرغم من ذلك وصل رجال المقاومة بأسلحتهم الفردية إلى هناك، وقاتلوا حتى الاستشهاد.
ومن الطبيعي أن يصل التوغل إلى ما وصل إليه، لكن المقاومة مستعدة، وكانت تدرك أن ذلك سيحصل، ولن توقف استهدافها لتحشدات الاحتلال أبداً، وتقول: “بعدنا مرتاحين على وضعنا“.
أهداف عسكرية: قطع الإمداد ومحاصرة الميدان
بموازاة توغله البري، يسعى جيش الاحتلال إلى استهداف الجسور، وقد شنّ غارات استهدفت طريق الخردلي قبل حاجز الجيش اللبناني، ما أدى إلى قطع الطريق، كما استهدف الطريق التي تربط مرجعيون بمدينة الخيام قرب محطة واصف. كذلك قصف جسر بلدة طيرفلسيه وجسر وادي الحجير – القنطرة.
وبذلك يكون الاحتلال الإسرائيلي قد قطع عددًا من الطرق الحيوية التي تربط قرى الجنوب ببعضها البعض في قضاء مرجعيون، الأمر الذي أدى عمليًا إلى عزل مدينة الخيام، حيث تدور معارك شرسة مع قوات الاحتلال التي لم تتمكن حتى الآن من فرض سيطرة كاملة عليها.
يقول مصدر عسكري لصحيفة “المدن” إن لهذه الخطوة دلالات وأهدافًا واضحة. أول هذه الأهداف هو قطع خطوط الإمداد عن القرى الحدودية، وعزل مقاتلي حزب الله فيها إن وجدوا، وخصوصًا في مدينة الخيام التي جرى تطويقها من مختلف المداخل.
ووفق المصدر، من المتوقع أن يكثف الجيش الإسرائيلي غاراته على المدينة في حال تأكد من وجود عناصر للحزب فيها، بهدف القضاء عليهم وفرض سيطرة كاملة على الخيام، التي تُعد أحد الأهداف الميدانية الأساسية للاحتلال.
ولا يستبعد المصدر أيضًا أن تشهد الأيام المقبلة تكثيفًا للقصف على منطقتي يحمر الشقيف وأرنون، وذلك لتأمين طريق تقدم آليات الجيش الإسرائيلي، التي يُعتقد أنها تتعرض للاستهداف من تلك الجبهة، حيث تنطلق العديد من عمليات حزب الله ضد القوات الإسرائيلية.
ويضيف المصدر أن قطع الطرق بين عدد كبير من القرى الجنوبية أدى عمليًا إلى شلّ حركة التنقل والإمداد بينها، إذ إن قطع الطريق بين القنطرة ووادي الحجير أدى إلى عزل القنطرة أيضًا، ما جعل القرى الحدودية شبه معزولة. وهذا الواقع قد يشير إلى أن العدو يحضّر لفرض سيطرة شبه كاملة على تلك المنطقة.
دلالات استراتيجية
لا يقتصر استهداف الجسور والطرق على كونه إجراءً ميدانيًا عابرًا، بل يحمل جملة من الدلالات العسكرية:
أولًا، يؤدي إلى عزل مناطق الجنوب عن بعضها البعض، ما يحدّ من القدرة على التنقل بين القرى.
ثانيًا، يمنع نقل السلاح أو الإمدادات، إذ تُعد هذه الطرق مسارات لوجستية مهمة، خصوصًا بين مرجعيون والنبطية.
ثالثًا، يسمح بالتحكم في حركة المدنيين عبر إجبارهم على استخدام طرق محددة يسهل مراقبتها.
رابعًا، قد يشكل تمهيدًا لعمليات عسكرية أوسع، إذ إن السيطرة على الطرق تعني عمليًا السيطرة على حركة الميدان.
خامسًا، يرتبط تحديدًا بقطع طريق وادي الحجير، الذي يحمل أهمية عسكرية تاريخية منذ حرب لبنان 2006، إذ يُعد ممرًا طبيعيًا بين عدد من القرى الجنوبية ويُستخدم للانتقال بين الجبهات.
إسرائيل تواصل توغلها في الجنوب: كيف هي خريطة المعركة البرية؟

سلاح الجو. لطالما شكّلت هذه العبارة عنصر تفوّق إسرائيلي في جميع الحروب التي خاضها الكيان ضد لبنان. فالغارات من الطائرات الحربية كانت تؤمّن له ما يرغب في تحقيقه: تدمير البنى التحتية، مجازر متنقلة في صفوف المدنيين، ومسيّرات تحلّق على مدار الساعة وتقوم بعمليات استطلاع ورصد. لكن إسرائيل تسعى أيضاً إلى سيطرة ميدانية على أرض الواقع من خلال عملية برية واسعة النطاق تمتد من الخيام إلى الناقورة، وتسير إلى أكبر عمق ممكن داخل الأراضي اللبنانية. فكيف تسير المعركة البرية داخل قرى جنوب لبنان؟
تدمير منهجي للقرى الحدودية
منذ حرب الإسناد اعتمد الجيش الإسرائيلي تدميراً ممنهجاً لكل القرى الأمامية عند الحدود لتحقيق هدفين: الأول قتل كل وسائل الحياة في تلك البقعة وجعلها غير قابلة للعيش، وثانياً تعرية المنطقة من أي خطط دفاعية تعطل تقدمه إلى داخل الأراضي اللبنانية، لأن البيوت تعتبر مرتكزاً استراتيجياً للمقاومة للتمركز وصدّ العدوان. هذا عدا عمّا كان موجوداً من وسائل قتالية وتجهيزات لوجستية، تم استنفاد معظمها خلال المرحلة الأولى من عدوان أيلول 2024، وتدمير ما تبقى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، حتى باتت المنطقة الحدودية مفتوحة ومكشوفة أمام التقدم العسكري الإسرائيلي.
المفاجأة الميدانية:حزب الله جنوب الليطاني
فاجأ حزب الله الإسرائيلي بأن وجوده في جنوب الليطاني متين، ولا يمكن لقرار حكومي أن يمنع ذلك. قاتل من مسافة قريبة، وأطلق صليات من قرى ليست بعيدة عن الحدود، لكن ذلك لم يمنع إسرائيل من التقدم برياً. فوفق معلومات “المدن” الميدانية، حشدت إسرائيل خمسة ألوية تمتد من المطلة إلى أفيفيم، أي من الخيام إلى مارون الرأس، بهدف التقدم البري.
الخيام: عقدة التقدم الإسرائيلي
في الخيام، دخلت إسرائيل ووصلت إلى النقطة المركزية هناك، معتقل الخيام الذي يؤمن لها سيطرة عملياتية على الأرض في تلك المنطقة، علماً أنها تلقى مقاومة عنيفة وتدرك أن تقدمها لن يكون سهلاً في تلك المدينة تحديداً، نظراً لمساحتها. لكنها فعلياً تقدمت إلى البلدة من كل اتجاهاتها، وبات تصدي المقاومة بالصليات والمسيّرات للجنود هناك.
أما كفركلا فأساساً كانت ساقطة عسكرياً ما قبل اندلاع هذه الحرب شأنها شأن مجمل القرى الحدودية. تقّدم العدو إلى العديسة ومركبا، ودخل إلى رب ثلاثين. استهدفته المقاومة في حارة البرسيمة، التي تقع بمحاذاة بلدة الطيبة، لكنه أكمل. قام بإحراق عدد من البيوت هناك، وتابع نحو بلدة الطيبة التي أحرق فيها بيوتاً أيضاً. كان ذلك مشهداً صعباً على الجنوبيين.
الوصول إلى الطيبة سابقاً كان يكبّد الاحتلال خسائر فادحة، لكن واقع الحال أن التقدم هذه المرة أتى بعد حرب إسناد دُمّرت فيها القرى الحدودية، وعدوان أيلول الذي أفضى لاحتلال نقاط في جنوب لبنان. ولن يبقى العدو بطبيعة الحال في مكانه بل يسعى لمزيد من التقدم، خصوصاً أنه زاد نقاطه داخل جنوب لبنان إلى عشرين نقطة.
التوغّل نحو العمق: حولا ومجدل سلم
بلدة حولا تعتبر الفاصل ما بين القطاعين الشرقي والأوسط ومعها ميس الجبل. من موقع العباد وصل الاحتلال إلى حولا، المحاذية لوادي السلوقي. ووردت معلومات عن وصول الاحتلال إلى بلدة مجدل سلم، وتحديداً منتجع أكاسيا الذي يعود عقارياً للبلدة، أي أن التوغل داخل العمق اللبناني بات بحدود خمسة كيلومترات، وهو أمر سيسعى الاحتلال إلى زيادته في الأيام المقبلة.
وتقول مصادر عسكرية لـِ “المدن” إن الاحتلال وصل فعلاً إلى بلدة مجدل سلم ثم تراجع، ويبدو أنه يقوم بمرحلة استطلاع ميداني، ويرسم خطوط تقدم جنوده ويوفّر الغطاء لهم. وفي القطاع الأوسط أيضاً، بات وجود الاحتلال في مارون الرأس وعيترون حتمياً على الرغم من صليات المقاومة التي تقصف تجمعاته وتحشداته بين الحين والآخر، وعادة ما يتقدم من تلك البلدات باتجاه مدينة بنت جبيل، إلا أنه في الحرب الماضية كان قد غيّر طريقة تقدمه العسكري.
القطاع الغربي: الطريق نحو الناقورة
أما في القطاع الغربي، فإن أصوات رصاص سُمعت بالأمس في بلدة علما الشعب، التي أُفرغت من سكانها بطلب من إسرائيل، وكان ذلك دلالة واضحة على التوغل الذي سيقدم عليه الاحتلال بإتجاه بلدة الناقورة، علماً أنه فشل بذلك سابقاً في الحرب الأخيرة. وما سُمِع كان ناتجاً، على ما يبدو، عن عملية تمشيط من قبل جنود الاحتلال قبل التوغل بشكل أكبر.
وعادة ما تكون محاور التقدم من مرافع بلاط الذي يسيطر عليه باتجاه شيحين ثم الجبين وطير حرفا وشمع. وآخر نقطة وصل إليها الاحتلال في أواخر الحرب الماضية كانت البياضة التي تؤمن كشفاً استراتيجياً لمدينة صور وقراها، وحتماً سيسعى من جديد للوصول إلى هناك. ويشار إلى أنه في الحرب السابقة غير هذه الاستراتيجية وانطلق من الضهيرة باتجاه طير حرفا، علماً أن القطاع الغربي كان آخر القطاعات التي تقدم فيها الاحتلال. ولكن يبقى السؤال: إلى ماذا يسعى تحديداً؟ وعلى ماذا يريد أن يسيطر؟
معركة المرتفعات والنقاط الاستراتيجية
يسيطر الاحتلال على مرتفع جبل بلاط في القطاع الغربي، وهو المرتفع الأهم هناك. وفي القطاع الأوسط يسعى للسيطرة على بلدة مارون الرأس، وتحديداً المرتفعات فيها لتأمين سيطرة بالنار، إضافة إلى السعي للسيطرة على مشروع الطيبة الذي يعتبر نقطة استراتيجية، إضافة إلى تلة العويضة وتلة العزية عند أطراف كفركلا ودير ميماس.
هذه النقاط كان العدو قد احتلها حتى تحرير العام 2000. ولكن هل سيرضى بالسيطرة عليها فقط؟ الأكيد أنه يسعى لتأمين سيطرة برية بالنار، والتقدم إلى أكبر مسافة ممكنة داخل الأراضي الجنوبية واستخدامها ورقة في المفاوضات، حيث إنه لن ينسحب قبل إيجاد حل نهائي لسلاح حزب الله، وبالطبع يمتلك في يده ورقة المرافق الحيوية، وقد بدأ فعلياً باستخدامها.
رواية حزب الله: المواجهة مستمرة
مصادر في حزب الله تقول لـِ “المدن” إن الحديث عن مواجهات كبيرة في قرىً أمامية فيه بعض المبالغة، ذلك أن إسرائيل كانت قد دمرت تلك القرى في الماضي واحتلت بعض النقاط، والجيش أساساً قام بمسح كامل منطقة جنوب الليطاني. لكن على الرغم من ذلك وصل رجال المقاومة بأسلحتهم الفردية إلى هناك، وقاتلوا حتى الاستشهاد.
ومن الطبيعي أن يصل التوغل إلى ما وصل إليه، لكن المقاومة مستعدة، وكانت تدرك أن ذلك سيحصل، ولن توقف استهدافها لتحشدات الاحتلال أبداً، وتقول: “بعدنا مرتاحين على وضعنا“.
أهداف عسكرية: قطع الإمداد ومحاصرة الميدان
بموازاة توغله البري، يسعى جيش الاحتلال إلى استهداف الجسور، وقد شنّ غارات استهدفت طريق الخردلي قبل حاجز الجيش اللبناني، ما أدى إلى قطع الطريق، كما استهدف الطريق التي تربط مرجعيون بمدينة الخيام قرب محطة واصف. كذلك قصف جسر بلدة طيرفلسيه وجسر وادي الحجير – القنطرة.
وبذلك يكون الاحتلال الإسرائيلي قد قطع عددًا من الطرق الحيوية التي تربط قرى الجنوب ببعضها البعض في قضاء مرجعيون، الأمر الذي أدى عمليًا إلى عزل مدينة الخيام، حيث تدور معارك شرسة مع قوات الاحتلال التي لم تتمكن حتى الآن من فرض سيطرة كاملة عليها.
يقول مصدر عسكري لصحيفة “المدن” إن لهذه الخطوة دلالات وأهدافًا واضحة. أول هذه الأهداف هو قطع خطوط الإمداد عن القرى الحدودية، وعزل مقاتلي حزب الله فيها إن وجدوا، وخصوصًا في مدينة الخيام التي جرى تطويقها من مختلف المداخل.
ووفق المصدر، من المتوقع أن يكثف الجيش الإسرائيلي غاراته على المدينة في حال تأكد من وجود عناصر للحزب فيها، بهدف القضاء عليهم وفرض سيطرة كاملة على الخيام، التي تُعد أحد الأهداف الميدانية الأساسية للاحتلال.
ولا يستبعد المصدر أيضًا أن تشهد الأيام المقبلة تكثيفًا للقصف على منطقتي يحمر الشقيف وأرنون، وذلك لتأمين طريق تقدم آليات الجيش الإسرائيلي، التي يُعتقد أنها تتعرض للاستهداف من تلك الجبهة، حيث تنطلق العديد من عمليات حزب الله ضد القوات الإسرائيلية.
ويضيف المصدر أن قطع الطرق بين عدد كبير من القرى الجنوبية أدى عمليًا إلى شلّ حركة التنقل والإمداد بينها، إذ إن قطع الطريق بين القنطرة ووادي الحجير أدى إلى عزل القنطرة أيضًا، ما جعل القرى الحدودية شبه معزولة. وهذا الواقع قد يشير إلى أن العدو يحضّر لفرض سيطرة شبه كاملة على تلك المنطقة.
دلالات استراتيجية
لا يقتصر استهداف الجسور والطرق على كونه إجراءً ميدانيًا عابرًا، بل يحمل جملة من الدلالات العسكرية:
أولًا، يؤدي إلى عزل مناطق الجنوب عن بعضها البعض، ما يحدّ من القدرة على التنقل بين القرى.
ثانيًا، يمنع نقل السلاح أو الإمدادات، إذ تُعد هذه الطرق مسارات لوجستية مهمة، خصوصًا بين مرجعيون والنبطية.
ثالثًا، يسمح بالتحكم في حركة المدنيين عبر إجبارهم على استخدام طرق محددة يسهل مراقبتها.
رابعًا، قد يشكل تمهيدًا لعمليات عسكرية أوسع، إذ إن السيطرة على الطرق تعني عمليًا السيطرة على حركة الميدان.
خامسًا، يرتبط تحديدًا بقطع طريق وادي الحجير، الذي يحمل أهمية عسكرية تاريخية منذ حرب لبنان 2006، إذ يُعد ممرًا طبيعيًا بين عدد من القرى الجنوبية ويُستخدم للانتقال بين الجبهات.










