“لبنان لن يبقى إذا هُزم الشيعة”: ماذا يكشف خطاب عباس إبراهيم؟

الكاتب: د. بولا أبي حنا | المصدر: نداء الوطن
27 آذار 2026

“حتى أنت يا بروتس؟”؛ هكذا اختصر كثيرون صدمتهم وهم يشاهدون اللواء عباس إبراهيم في إطلالته الأخيرة بتاريخ 2026-03-19، لا كصوت رجل دولة سابق، بل كخطاب سياسي مباشر ينزلق نحو تعبئة طائفية صريحة، ما أثار جدلاً واسعاً حول حدود اللغة الوطنية وحدود التوظيف الرمزي في السياسة اللبنانية، وناقض الصورة التي بناها طوال سنوات كوسيط وطني.

الرجل الذي قُدّم طويلاً كـ”مفتاح حلول” ووسيط قادر على مخاطبة مختلف الأطراف، وأحد أبرز الوجوه الأمنية التي لعبت أدوارًا في التهدئة والتفاوض بين القوى اللبنانية، ومسؤول حظي بثقة محلية ودولية في محطات حساسة، ظهر فجأة بلغة مختلفة؛ لغة لا تقوم على منطق الدولة، بل على استنهاض العصبيات، مع استحضار رموز دينية وتاريخية في سياق سياسي مباشر.

ففي مقابلته الأخيرة قال بوضوح:

“إذا هُزم الشيعة انتهى لبنان”

كما أضاف:

“هناك حسينًا يقاتل في الجنوب، وأنتن الزينبيات”

يمكن مشاهدة المقابلة الكاملة عبر هذا الرابط:

هذه العبارات لم تكن زلّة لسان، بل فتحت نقاشًا واسعًا حول طبيعة الخطاب السياسي في لبنان، وحدود استخدام الرموز الدينية في التعبئة السياسية، وتأثير ذلك على مفهوم الدولة الجامعة.

فالمنطق الذي يربط مصير الدولة بنتيجة معركة تخص فئة محددة يطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن لأي دولة أن تُختصر بمكوّن واحد؟ وهل يصبح “الانتصار” أو “الهزيمة” مفهومًا وطنيًا أم فئويًا؟

ويطرح أسئلة أكثر عمقًا: ما هو مفهوم “الهزيمة” أصلًا؟ وهل يمكن أن تتحول طائفة إلى مرادف للوطن، بحيث إذا ربحت ربحت الدولة، وإذا هُزمت انهار البلد؟

الدولة الحديثة تقوم على مبدأ أن السيادة تعلو على الانتماءات كافة، وأن الحرب والسلم قرار وطني لا فئوي، وأن معيار الربح والخسارة يُقاس بمصلحة الدولة لا بمصير جماعة بعينها. وبمعنى أدق، فإن استبدال هذه القاعدة بمنطق الارتباط العضوي بين مصير الدولة ومصير جماعة يؤدي إلى تفكيك فكرة العقد الوطني نفسه.

والأخطر في هذا الخطاب ليس مضمونه فقط، بل أدواته أيضًا. فعندما يُقال “الحسين يقاتل في الجنوب وأنتم الزينبيات”، لا نكون أمام استحضار تاريخي بريء، بل أمام توظيف مباشر للدين في التعبئة السياسية. غير أن أي قراءة منصفة للتاريخ تُظهر أن الإمام الحسين لم يُهزم بعد أكثر من 1400 سنة، بل انتصر بموقفه ورفضه للظلم، وأن السيدة زينب لم تكن أداة تجييش، بل صوت حق في وجه السلطة واجه الظلم بالكلمة لا بالشحن والانقسام.

ثم من قال إن الطائفة الشيعية كتلة واحدة؟ ومن قال إنه لا يوجد داخلها من يرفض هذا المنطق أصلًا؟ الواقع في الآونة الأخيرة يُظهر أن عددًا كبيرًا من أبناء هذه الطائفة يرفضون ربط مصيرهم بمشاريع خارجية، ويتمسكون بالدولة اللبنانية وسيادتها، وقد برزوا بشكل لافت على وسائل التواصل الاجتماعي، وهم من خيرة الشباب أصحاب وعي وثقافة ورؤية وطنية واضحة.

هؤلاء ليسوا استثناءً، بل جزء أساسي من البنية الداخلية للطائفة، ما ينفي أي خطاب اختزالي يحاول احتكار تمثيلها أو إلغاء تنوعها الداخلي.

إن اختزال طائفة كاملة بمشروع سياسي محدد، وربط بقاء لبنان بانتصار هذا المشروع، لا يلغي الآخرين فقط، بل يلغي فكرة لبنان نفسها. لأن لبنان، إذا أراد الاستمرار، لا يمكن أن يقوم على تفوّق جماعة على أخرى، بل على عقد وطني جامع تكون فيه الدولة المرجعية الوحيدة.

كما أن تجربة اللواء عباس إبراهيم خلال مسيرته الأمنية أظهرت صورة رجل دولة لعب أدوارًا محورية في الوساطة بين الداخل اللبناني والخارج، وكان حاضرًا في ملفات حساسة ومعقدة، ما منحه حضورًا يتجاوز الإطار المحلي الضيق.

غير أن التحوّل من موقع الوسيط إلى خطاب الاستقطاب يطرح إشكالية العلاقة بين صورة رجل الدولة أثناء توليه المسؤولية وخطابه بعد مغادرة موقعه الرسمي، خصوصًا عندما تتحول اللغة السياسية إلى أداة لإعادة التموضع وشدّ العصب. وهنا تستحضر مقولة نيكولو مكيافيلي حول أن الغاية قد تبرر الوسيلة، غير أن الإشكال لا يكمن في النظرية بحد ذاتها، بل في تحولها إلى ممارسة سياسية دائمة.

كما انه لا يمكن فصل هذا الخطاب عن مناخ سياسي أوسع، حيث يصبح التهديد والوعيد جزءًا من الخطاب العام، كما يظهر في مواقف الشيخ نعيم قاسم ووفيق صفا، في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد.

غير أن الثابت أن مرحلة اختصار الدولة بفئة واحدة أو فرض الوقائع بالقوة لم تعد قابلة للاستمرار.

في النهاية، ليست القضية في شخص اللواء عباس إبراهيم، بل في النموذج الذي يعكسه هذا التحول. فقد كان يمكن أن يختتم مسيرته كرجل توازن وتسويات ورجل دولة، لكنه اختار مسارًا سياسيًا مختلفًا، ما ولّد خيبة لدى من رأوا فيه صورة الدولة لا صورة الطرف.

لأن لبنان لا يُختصر بطائفة، ولا يُختزل بمعادلة: إذا انتصرت جماعة انتصر الوطن، وإذا هُزمت انهار. لبنان إما أن يكون دولة لجميع أبنائه، أو لا يكون.

وبالعودة إلى نشيد فيروز الشهير:”بحبك يا لبنان يا وطني بحبك”، تتجلى المفارقة بين لبنان الذي يُغنّى كوطن جامع وبين خطابات سياسية تميل إلى الاصطفاف والاختزال.

يبدو أن لبنان دخل مرحلة مختلفة عمّا كان قبل الحرب الأخيرة، مرحلة أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول شكل الدولة، وحدود الشراكة، ومعنى التوازن داخل النظام القائم.

السؤال الجوهري: كيف تُدار الدولة، وعلى أي نظام يمكن أن تستقر، دون أن تتحول التباينات السياسية إلى انقسامات وجودية؟

وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال محصورًا بـ”كيف نحكم؟”، بل يمتد إلى سؤال أعمق: أي دولة نريد أصلًا؟

عندها فقط يصبح النقاش صعبًا… لكنه ضروري.

نقطة. انتهى.

“لبنان لن يبقى إذا هُزم الشيعة”: ماذا يكشف خطاب عباس إبراهيم؟

الكاتب: د. بولا أبي حنا | المصدر: نداء الوطن
27 آذار 2026

“حتى أنت يا بروتس؟”؛ هكذا اختصر كثيرون صدمتهم وهم يشاهدون اللواء عباس إبراهيم في إطلالته الأخيرة بتاريخ 2026-03-19، لا كصوت رجل دولة سابق، بل كخطاب سياسي مباشر ينزلق نحو تعبئة طائفية صريحة، ما أثار جدلاً واسعاً حول حدود اللغة الوطنية وحدود التوظيف الرمزي في السياسة اللبنانية، وناقض الصورة التي بناها طوال سنوات كوسيط وطني.

الرجل الذي قُدّم طويلاً كـ”مفتاح حلول” ووسيط قادر على مخاطبة مختلف الأطراف، وأحد أبرز الوجوه الأمنية التي لعبت أدوارًا في التهدئة والتفاوض بين القوى اللبنانية، ومسؤول حظي بثقة محلية ودولية في محطات حساسة، ظهر فجأة بلغة مختلفة؛ لغة لا تقوم على منطق الدولة، بل على استنهاض العصبيات، مع استحضار رموز دينية وتاريخية في سياق سياسي مباشر.

ففي مقابلته الأخيرة قال بوضوح:

“إذا هُزم الشيعة انتهى لبنان”

كما أضاف:

“هناك حسينًا يقاتل في الجنوب، وأنتن الزينبيات”

يمكن مشاهدة المقابلة الكاملة عبر هذا الرابط:

هذه العبارات لم تكن زلّة لسان، بل فتحت نقاشًا واسعًا حول طبيعة الخطاب السياسي في لبنان، وحدود استخدام الرموز الدينية في التعبئة السياسية، وتأثير ذلك على مفهوم الدولة الجامعة.

فالمنطق الذي يربط مصير الدولة بنتيجة معركة تخص فئة محددة يطرح إشكالية جوهرية: هل يمكن لأي دولة أن تُختصر بمكوّن واحد؟ وهل يصبح “الانتصار” أو “الهزيمة” مفهومًا وطنيًا أم فئويًا؟

ويطرح أسئلة أكثر عمقًا: ما هو مفهوم “الهزيمة” أصلًا؟ وهل يمكن أن تتحول طائفة إلى مرادف للوطن، بحيث إذا ربحت ربحت الدولة، وإذا هُزمت انهار البلد؟

الدولة الحديثة تقوم على مبدأ أن السيادة تعلو على الانتماءات كافة، وأن الحرب والسلم قرار وطني لا فئوي، وأن معيار الربح والخسارة يُقاس بمصلحة الدولة لا بمصير جماعة بعينها. وبمعنى أدق، فإن استبدال هذه القاعدة بمنطق الارتباط العضوي بين مصير الدولة ومصير جماعة يؤدي إلى تفكيك فكرة العقد الوطني نفسه.

والأخطر في هذا الخطاب ليس مضمونه فقط، بل أدواته أيضًا. فعندما يُقال “الحسين يقاتل في الجنوب وأنتم الزينبيات”، لا نكون أمام استحضار تاريخي بريء، بل أمام توظيف مباشر للدين في التعبئة السياسية. غير أن أي قراءة منصفة للتاريخ تُظهر أن الإمام الحسين لم يُهزم بعد أكثر من 1400 سنة، بل انتصر بموقفه ورفضه للظلم، وأن السيدة زينب لم تكن أداة تجييش، بل صوت حق في وجه السلطة واجه الظلم بالكلمة لا بالشحن والانقسام.

ثم من قال إن الطائفة الشيعية كتلة واحدة؟ ومن قال إنه لا يوجد داخلها من يرفض هذا المنطق أصلًا؟ الواقع في الآونة الأخيرة يُظهر أن عددًا كبيرًا من أبناء هذه الطائفة يرفضون ربط مصيرهم بمشاريع خارجية، ويتمسكون بالدولة اللبنانية وسيادتها، وقد برزوا بشكل لافت على وسائل التواصل الاجتماعي، وهم من خيرة الشباب أصحاب وعي وثقافة ورؤية وطنية واضحة.

هؤلاء ليسوا استثناءً، بل جزء أساسي من البنية الداخلية للطائفة، ما ينفي أي خطاب اختزالي يحاول احتكار تمثيلها أو إلغاء تنوعها الداخلي.

إن اختزال طائفة كاملة بمشروع سياسي محدد، وربط بقاء لبنان بانتصار هذا المشروع، لا يلغي الآخرين فقط، بل يلغي فكرة لبنان نفسها. لأن لبنان، إذا أراد الاستمرار، لا يمكن أن يقوم على تفوّق جماعة على أخرى، بل على عقد وطني جامع تكون فيه الدولة المرجعية الوحيدة.

كما أن تجربة اللواء عباس إبراهيم خلال مسيرته الأمنية أظهرت صورة رجل دولة لعب أدوارًا محورية في الوساطة بين الداخل اللبناني والخارج، وكان حاضرًا في ملفات حساسة ومعقدة، ما منحه حضورًا يتجاوز الإطار المحلي الضيق.

غير أن التحوّل من موقع الوسيط إلى خطاب الاستقطاب يطرح إشكالية العلاقة بين صورة رجل الدولة أثناء توليه المسؤولية وخطابه بعد مغادرة موقعه الرسمي، خصوصًا عندما تتحول اللغة السياسية إلى أداة لإعادة التموضع وشدّ العصب. وهنا تستحضر مقولة نيكولو مكيافيلي حول أن الغاية قد تبرر الوسيلة، غير أن الإشكال لا يكمن في النظرية بحد ذاتها، بل في تحولها إلى ممارسة سياسية دائمة.

كما انه لا يمكن فصل هذا الخطاب عن مناخ سياسي أوسع، حيث يصبح التهديد والوعيد جزءًا من الخطاب العام، كما يظهر في مواقف الشيخ نعيم قاسم ووفيق صفا، في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد.

غير أن الثابت أن مرحلة اختصار الدولة بفئة واحدة أو فرض الوقائع بالقوة لم تعد قابلة للاستمرار.

في النهاية، ليست القضية في شخص اللواء عباس إبراهيم، بل في النموذج الذي يعكسه هذا التحول. فقد كان يمكن أن يختتم مسيرته كرجل توازن وتسويات ورجل دولة، لكنه اختار مسارًا سياسيًا مختلفًا، ما ولّد خيبة لدى من رأوا فيه صورة الدولة لا صورة الطرف.

لأن لبنان لا يُختصر بطائفة، ولا يُختزل بمعادلة: إذا انتصرت جماعة انتصر الوطن، وإذا هُزمت انهار. لبنان إما أن يكون دولة لجميع أبنائه، أو لا يكون.

وبالعودة إلى نشيد فيروز الشهير:”بحبك يا لبنان يا وطني بحبك”، تتجلى المفارقة بين لبنان الذي يُغنّى كوطن جامع وبين خطابات سياسية تميل إلى الاصطفاف والاختزال.

يبدو أن لبنان دخل مرحلة مختلفة عمّا كان قبل الحرب الأخيرة، مرحلة أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول شكل الدولة، وحدود الشراكة، ومعنى التوازن داخل النظام القائم.

السؤال الجوهري: كيف تُدار الدولة، وعلى أي نظام يمكن أن تستقر، دون أن تتحول التباينات السياسية إلى انقسامات وجودية؟

وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة، لا يعود السؤال محصورًا بـ”كيف نحكم؟”، بل يمتد إلى سؤال أعمق: أي دولة نريد أصلًا؟

عندها فقط يصبح النقاش صعبًا… لكنه ضروري.

نقطة. انتهى.

مزيد من الأخبار