لبنان بعد اتفاق إيران: الأسوأ آتٍ!

نتنياهو لبنان
الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
9 نيسان 2026

الأسبوعان المقبلان قد يشهدان أعنف المراحل في لبنان، وفيهما سيحاول نتنياهو حسم المعركة ميدانيًّا، مستغلًا لحظة “اليتم الاستراتيجي” التي يعيشها “الحزب”، خصوصًا إذا أدارت طهران وجهها نحو البيت الأبيض ونسيت كلّ شيءٍ حولها.

في هندسة الصفقات الكبرى، لا شيء مجانيًّا. وبناء على هذه القاعدة، اتفاق وقف النار مع طهران لم يكن ليمرّ لولا تقديم واشنطن ترضية معينة لبنيامين نتنياهو. وفي الحقيقة، أرادت واشنطن إرضاء إسرائيل لكي ترتاح في إبرام اتفاقها مع طهران، وتمّ ذلك بمنحها “ضوءًا أخضر صامتًا” لاستكمال مهمّتها في لبنان، بمعزل عن وقف النار الإقليمي. وأساسًا، كان المسؤولون الإسرائيليّون يحرصون على تأكيد أن لا ترابط بين إيران ولبنان في أي اتفاق.

يُدرك دونالد ترامب أن نتنياهو يرفض الهدنة مع إيران قبل تحقيق النتائج الكاملة، خصوصًا في ملفَّيْ الصواريخ الباليستية والمشروع النووي. ولذا، جاءت الصفقة كالآتي: يتمّ تجميد الحرب مع إيران ظرفيًّا، لعلّها تستسلم على طاولة المفاوضات بدل ساحة القتال، وخلال أسبوعَيْن. لكن نتنياهو يتبنّى وجهة نظر أكثر تشدّدًا هي الآتية: “لا تعذبوا أنفسكم بالتفاوض. والأسهل أن يجري إخضاع إيران بالقوة العسكرية، ونحن قادرون على ذلك”. ولكي يُنجز ترامب الصفقة من دون اعتراض نتنياهو، قدم إليه جائزة ترضية، وهي إطلاق اليد في لبنان، وكأنّ الهدنة لم تتحقّق على جبهة طهران. وهذا ما ظهر لاحقًا في حديث ترامب عن لبنان و”حزب الله”.

في عبارةٍ أخرى، لبنان هو اليوم مادّة “تعويض” لنتنياهو الذي قام بتصعيد هائل للحرب، في أول يوم من الهدنة الإيرانية، في غياب أي ضغط أميركي. وهذا ما يؤكّد أنّ لبنان بات خارج الحماية الدولية حاليًا، حتّى تمكين نتنياهو من انتزاع ما يريد في حربه على “حزب الله”.

وهنا تتجلّى المأساة السياسية في لبنان، وسط العجز الذي تتخبّط فيه الدولة: “حزب الله” الذي يحرق لبنان واللبنانيين لتأمين مصالح إيران، يجد نفسه أمام الحقيقة المُرّة مجدّدًا: إيران حتى الآن اختارت تأمين رأسها وفكّ عزلتها الدولية من خلال الهدنة، تاركةً ساحة لبنان تحترق وحدها. وبينما ينعم العمق الإيراني بالهدوء -إذا نجح الاتفاق- تلتهم النيران العاصمة والضاحية والجنوب والبقاع بشكلٍ غير مسبوقٍ منذ بداية الحرب الحالية، في أكبر إثباتٍ على أنّ “وحدة الساحات” كانت مجرّد طريق باتجاه واحد: لبنان يضحّي من أجل طهران، فيما هي تفاوض على أنقاضه.

إنّها فعلًا سورياليّة الارتهان. ومن المُهين للكرامة الوطنية، أن يخرج السياسيّون اللبنانيّون الذين يرفضون استخدام الدولة حقّ التفاوض، ليطالبوا بأن تشملهم الهدنة الإيرانية – الأميركية. فهذا الطلب هو اعتراف ضمني بأنّ لبنان ليس دولة، بل هو “ملحق” إداري أو عسكري تابع لطهران. فكيف يمكن لبلدٍ أن يرهن أمنه باتفاق لا يملك فيه صوتًا ولا توقيعًاً؟ و”التَسوُّل” اللبناني للأمن من اتفاق ترامب – طهران هو الدليل القاطع على أنّ بعض أركان الطبقة السياسية في لبنان باعوا مفاتيح السيادة للخارج.

يتحرّك نتنياهو مرتاحًا بعدما أعلن بوضوح أنّ “الاتفاق لا يشمل لبنان”. فهو يعلم أنّ طهران لن تُعرقل صفقتها مع ترامب من أجل “حزب الله”، وأنّ واشنطن لن تعترض على ما تفعله إسرائيل في لبنان لئلا تُعطّل صفقتها مع إيران. وقد أيّده ترامب في حديثه ضمنًا. وهذا يعني أنّ الأسبوعَيْن المقبلَيْن قد يشهدان أعنف المراحل في لبنان، وفيهما سيحاول نتنياهو حسم المعركة ميدانيًّا، مستغلًا لحظة “اليتم الاستراتيجي” التي يعيشها “حزب الله”، خصوصًا إذا أدارت طهران وجهها نحو البيت الأبيض ونسيت كلّ شيء حولها.

المأساة – المهزلة هي أنّ الضاحية والجنوب والبقاع تُحرق “كرمى لعيون طهران” لكن العكس ليس واردًا. إنّها مهزلة “الحب حتّى الموت، ولكن من طرف واحد”. وما يجري هو فعلًا إعلان رسمي عن سقوط الأوهام البالية. ففي الواقع، لا سيادة ولا كرامة لمَن لا يملك قراره، ولا حماية لمَن يرهن دماءه للمقايضات الكبرى.

لبنان بعد اتفاق إيران: الأسوأ آتٍ!

نتنياهو لبنان
الكاتب: طوني عيسى | المصدر: هنا لبنان
9 نيسان 2026

الأسبوعان المقبلان قد يشهدان أعنف المراحل في لبنان، وفيهما سيحاول نتنياهو حسم المعركة ميدانيًّا، مستغلًا لحظة “اليتم الاستراتيجي” التي يعيشها “الحزب”، خصوصًا إذا أدارت طهران وجهها نحو البيت الأبيض ونسيت كلّ شيءٍ حولها.

في هندسة الصفقات الكبرى، لا شيء مجانيًّا. وبناء على هذه القاعدة، اتفاق وقف النار مع طهران لم يكن ليمرّ لولا تقديم واشنطن ترضية معينة لبنيامين نتنياهو. وفي الحقيقة، أرادت واشنطن إرضاء إسرائيل لكي ترتاح في إبرام اتفاقها مع طهران، وتمّ ذلك بمنحها “ضوءًا أخضر صامتًا” لاستكمال مهمّتها في لبنان، بمعزل عن وقف النار الإقليمي. وأساسًا، كان المسؤولون الإسرائيليّون يحرصون على تأكيد أن لا ترابط بين إيران ولبنان في أي اتفاق.

يُدرك دونالد ترامب أن نتنياهو يرفض الهدنة مع إيران قبل تحقيق النتائج الكاملة، خصوصًا في ملفَّيْ الصواريخ الباليستية والمشروع النووي. ولذا، جاءت الصفقة كالآتي: يتمّ تجميد الحرب مع إيران ظرفيًّا، لعلّها تستسلم على طاولة المفاوضات بدل ساحة القتال، وخلال أسبوعَيْن. لكن نتنياهو يتبنّى وجهة نظر أكثر تشدّدًا هي الآتية: “لا تعذبوا أنفسكم بالتفاوض. والأسهل أن يجري إخضاع إيران بالقوة العسكرية، ونحن قادرون على ذلك”. ولكي يُنجز ترامب الصفقة من دون اعتراض نتنياهو، قدم إليه جائزة ترضية، وهي إطلاق اليد في لبنان، وكأنّ الهدنة لم تتحقّق على جبهة طهران. وهذا ما ظهر لاحقًا في حديث ترامب عن لبنان و”حزب الله”.

في عبارةٍ أخرى، لبنان هو اليوم مادّة “تعويض” لنتنياهو الذي قام بتصعيد هائل للحرب، في أول يوم من الهدنة الإيرانية، في غياب أي ضغط أميركي. وهذا ما يؤكّد أنّ لبنان بات خارج الحماية الدولية حاليًا، حتّى تمكين نتنياهو من انتزاع ما يريد في حربه على “حزب الله”.

وهنا تتجلّى المأساة السياسية في لبنان، وسط العجز الذي تتخبّط فيه الدولة: “حزب الله” الذي يحرق لبنان واللبنانيين لتأمين مصالح إيران، يجد نفسه أمام الحقيقة المُرّة مجدّدًا: إيران حتى الآن اختارت تأمين رأسها وفكّ عزلتها الدولية من خلال الهدنة، تاركةً ساحة لبنان تحترق وحدها. وبينما ينعم العمق الإيراني بالهدوء -إذا نجح الاتفاق- تلتهم النيران العاصمة والضاحية والجنوب والبقاع بشكلٍ غير مسبوقٍ منذ بداية الحرب الحالية، في أكبر إثباتٍ على أنّ “وحدة الساحات” كانت مجرّد طريق باتجاه واحد: لبنان يضحّي من أجل طهران، فيما هي تفاوض على أنقاضه.

إنّها فعلًا سورياليّة الارتهان. ومن المُهين للكرامة الوطنية، أن يخرج السياسيّون اللبنانيّون الذين يرفضون استخدام الدولة حقّ التفاوض، ليطالبوا بأن تشملهم الهدنة الإيرانية – الأميركية. فهذا الطلب هو اعتراف ضمني بأنّ لبنان ليس دولة، بل هو “ملحق” إداري أو عسكري تابع لطهران. فكيف يمكن لبلدٍ أن يرهن أمنه باتفاق لا يملك فيه صوتًا ولا توقيعًاً؟ و”التَسوُّل” اللبناني للأمن من اتفاق ترامب – طهران هو الدليل القاطع على أنّ بعض أركان الطبقة السياسية في لبنان باعوا مفاتيح السيادة للخارج.

يتحرّك نتنياهو مرتاحًا بعدما أعلن بوضوح أنّ “الاتفاق لا يشمل لبنان”. فهو يعلم أنّ طهران لن تُعرقل صفقتها مع ترامب من أجل “حزب الله”، وأنّ واشنطن لن تعترض على ما تفعله إسرائيل في لبنان لئلا تُعطّل صفقتها مع إيران. وقد أيّده ترامب في حديثه ضمنًا. وهذا يعني أنّ الأسبوعَيْن المقبلَيْن قد يشهدان أعنف المراحل في لبنان، وفيهما سيحاول نتنياهو حسم المعركة ميدانيًّا، مستغلًا لحظة “اليتم الاستراتيجي” التي يعيشها “حزب الله”، خصوصًا إذا أدارت طهران وجهها نحو البيت الأبيض ونسيت كلّ شيء حولها.

المأساة – المهزلة هي أنّ الضاحية والجنوب والبقاع تُحرق “كرمى لعيون طهران” لكن العكس ليس واردًا. إنّها مهزلة “الحب حتّى الموت، ولكن من طرف واحد”. وما يجري هو فعلًا إعلان رسمي عن سقوط الأوهام البالية. ففي الواقع، لا سيادة ولا كرامة لمَن لا يملك قراره، ولا حماية لمَن يرهن دماءه للمقايضات الكبرى.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار