أين يلتقي مسارا «إسلام أباد» و«واشنطن» لمصلحة لبنان؟

من الصعب جداً الحكم على نتائج اللقاء التاريخي غير المسبوق الذي شهدته وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل برعاية كبير ديبلوماسييها ماركو روبيو. ذلك أنّ القراءة المتأنية لبنود البيان الصادر عنها يؤكّد المساواة في الإشارة إلى أولويات الوفدين من دون أن تقول كلمتها الفاصلة. وهو ما يلقي عليها مسؤولية أكبر مما يتوقعه كثر. وعليه، طُرح السؤال، كيف ومتى ستكون الرسالة التي تكشف عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة؟
يُخطئ من يعتقد انّ الساعات القليلة التي تلت الطاولة التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية في الطابق السادس من مبناها بين ممثلي لبنان وإسرائيل للمرّة الاولى في التاريخ المعاصر، ولا سيما منذ قيام الدولتين، خصوصاً منذ قيام دولة إسرائيل العام 1948 وما تلاها من مسلسل الحروب التي خاضتها مع جوارها العربي الذي يطوقها من كل الجهات وعلى الساحات الأبعد منها، حيث تغلغلت أجهزتها، لتمعن في إثارة القلاقل توصلاً إلى هدم بعض الأنظمة ودعم أخرى، مهما كانت بعيدة عن حدودها الجغرافية التي لم تعترف بوجودها حتى اليوم، من دون أن تثبتها لدى أي مرجع دولي وأممي.
وفي المناسبة، وقبل التوغل في سلسلة من السيناريوهات المنطقية، لا يجرؤ أي من المراقبين على أن يقيم أي تشبيه بين هذه الطاولة في شكلها ومضمونها، ومن جمعتهم من حولها وسابقات لها، وخصوصاً في حضور رأس الديبلوماسية الأميركية ماركو روبيو الذي رئسها، بعدما نزل من مكتبه طابقاً واحداً ليرعى لقاءً تاريخياً بكل المعايير، بمعزل عن كل الأوصاف التي نالتها في الساعات القليلة التي تلته بين من رحّب بها ومن أغدق عليها أبشع النعوت، ذلك انّها لن تؤخّر ولن تقدّم في ما نوى عليه أطرافها الثلاثة، فسيان عند الراعي والمشاركين اللذين عبّرا بشكل من الأشكال عن ارتياحهما إلى ما حققته في مثل الظروف الدقيقة والخطيرة التي تعيشها دولتاهما والمنطقة.
على هذه الخلفيات، توقف المراقبون أمام مضمون البيان الصادر عن الخارجية الأميركية، فقرأوا فيه نفساً جديداً وعميقاً لم تألفه الديبلوماسية الأميركية من قبل في علاقاتها مع دولتين تجمعها بهما علاقات سياسية وديبلوماسية مميزة، ولم تتمكن من قبل أن تجمعهما على مثل هذه الطاولة في موقعها وتوقيتها، رغم الظروف المتقلّبة التي عاشتها المنطقة والمخاطر التي تلمسها، من دون التوصل إلى ما يوحي بإمكان إنهاء النزاع بين دولتين جارتين تعرّضت إحداهما لأكثر من عدوان من دون أن تعلن الحرب مرّة واحدة عليها.
ولذلك، يُقال بكل صراحة وعقلانية، انّ الدولة اللبنانية سقطت في أكثر من تجربة، إلى أن كانت ضحية متكرّرة لقيام دويلات على حدودها بدأت مظاهرها منذ أن وافق اللبنانيون مرغمين على «اتفاقية القاهرة» في 3 تشرين الثاني 1969 في القاهرة، بين وفد لبناني برئاسة قائد الجيش العماد إميل البستاني ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات، لتنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان بإشراف مصري، وهو ما أدّى إلى إقامة كيان عُرف بـ«فتح لاند»، بعد أن مورست ضغوط هائلة عليها هدّدت أمنها واستقرارها. وقبل أن تطوى هذه الصفحة عام 1982 قبل سنوات من الاتفاق وصولاً إلى قيام دويلة أخرى، تباهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتأسيس لها من ضمن سيطرتها على خمس عواصم عربية وإسلامية ونموها، إلى جانب شكل من أشكال الدولة العاجزة عن ضبط حدودها نظراً للتناغم المتبادل بين دولة عدوة ومنظمات استطاعت أن تحاكي أمنها مرّة وتهدّده مرّات اخرى بإيعاز خارجي لم تكن الدولة قادرة على لجمه أو تحاشيه.
وعليه، تعترف مراجع سياسية وديبلوماسية معنية، انّه وفي انتظار ما يمكن ان تؤسس له طاولة الخارجية الأميركية من آلية تضمن تحقيق الأهداف التي نُظّمت من أجلها، يبدو من الأسهل الإشارة إلى ما سبقها من تحضيرات دفعت إلى الشكل الذي اتخذته، وما يمكن أن تقوم به الإدارة الأميركية لمساعدة لبنان في تجاوز الضغوط الداخلية التي يتعرّض لها من فريق ربط بين التوجّهات الخارجية الإيرانية وطائفة بأكملها جعلها أسيرة أسلوب لم تعرفه طوائف أخرى احتفظت بتعدديتها في مراحل حساسة، وشكّلت سبباً لإبراز مخاوف وضعت السلم الأهلي على صفيح ساخن ودقيق بوجود سلاح قد يتفلّت في أي وقت، كما حصل في أوقات سابقة، يهدّد بالفتنة، في ظل فقدان الطرف الآخر الذي يجب أن يكون متوافراً لإشعالها.
ولذلك، يبدو الرهان معقوداً بمقدار كبير على ضغوط أميركية تطبيقاً لوعد ناله لبنان قبيل انعقاد الطاولة، بعد تجنيب بيروت والضاحية والبقاع الغارات الإسرائيلية، وهو يقود إلى وقف موقت للنار من جانب واحد على الأقل أو من طرفين، يكون الثاني منهما لبنان الرسمي ممثلاً بحكومته، رغم عدم مسؤوليتها عن الحرب التي قاد «حزب الله» البلد إليها. ولكنه قرار حكومة لبنانية معطوف على تعهّد باستكمال تنفيذ قراراتها التي صدرت في 5 و7 آب و7 ايلول حتى الثاني من آذار، بقرار سياسي يتخذه المستهدف منها برعاية خليجية ودولية، بدأت طلائعها تطلّ من إمكان أن تلعب إيران آخر أدوار الرعاية لأحد اكبر أذرعها، أثناء مشاركتها في النسخة الثانية من «طاولة إسلام أباد» سواء انعقدت فيها أو في أي مكان آخر يشكّل امتداداً طبيعياً لها، لتلتقي ولو للحظات قليلة مع مقاصد «طاولة واشنطن» في غايتهما نحو السلام المنشود إن صدقت نيات جميع الأطراف بلا استثناء.
أين يلتقي مسارا «إسلام أباد» و«واشنطن» لمصلحة لبنان؟

من الصعب جداً الحكم على نتائج اللقاء التاريخي غير المسبوق الذي شهدته وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل برعاية كبير ديبلوماسييها ماركو روبيو. ذلك أنّ القراءة المتأنية لبنود البيان الصادر عنها يؤكّد المساواة في الإشارة إلى أولويات الوفدين من دون أن تقول كلمتها الفاصلة. وهو ما يلقي عليها مسؤولية أكبر مما يتوقعه كثر. وعليه، طُرح السؤال، كيف ومتى ستكون الرسالة التي تكشف عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة؟
يُخطئ من يعتقد انّ الساعات القليلة التي تلت الطاولة التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية في الطابق السادس من مبناها بين ممثلي لبنان وإسرائيل للمرّة الاولى في التاريخ المعاصر، ولا سيما منذ قيام الدولتين، خصوصاً منذ قيام دولة إسرائيل العام 1948 وما تلاها من مسلسل الحروب التي خاضتها مع جوارها العربي الذي يطوقها من كل الجهات وعلى الساحات الأبعد منها، حيث تغلغلت أجهزتها، لتمعن في إثارة القلاقل توصلاً إلى هدم بعض الأنظمة ودعم أخرى، مهما كانت بعيدة عن حدودها الجغرافية التي لم تعترف بوجودها حتى اليوم، من دون أن تثبتها لدى أي مرجع دولي وأممي.
وفي المناسبة، وقبل التوغل في سلسلة من السيناريوهات المنطقية، لا يجرؤ أي من المراقبين على أن يقيم أي تشبيه بين هذه الطاولة في شكلها ومضمونها، ومن جمعتهم من حولها وسابقات لها، وخصوصاً في حضور رأس الديبلوماسية الأميركية ماركو روبيو الذي رئسها، بعدما نزل من مكتبه طابقاً واحداً ليرعى لقاءً تاريخياً بكل المعايير، بمعزل عن كل الأوصاف التي نالتها في الساعات القليلة التي تلته بين من رحّب بها ومن أغدق عليها أبشع النعوت، ذلك انّها لن تؤخّر ولن تقدّم في ما نوى عليه أطرافها الثلاثة، فسيان عند الراعي والمشاركين اللذين عبّرا بشكل من الأشكال عن ارتياحهما إلى ما حققته في مثل الظروف الدقيقة والخطيرة التي تعيشها دولتاهما والمنطقة.
على هذه الخلفيات، توقف المراقبون أمام مضمون البيان الصادر عن الخارجية الأميركية، فقرأوا فيه نفساً جديداً وعميقاً لم تألفه الديبلوماسية الأميركية من قبل في علاقاتها مع دولتين تجمعها بهما علاقات سياسية وديبلوماسية مميزة، ولم تتمكن من قبل أن تجمعهما على مثل هذه الطاولة في موقعها وتوقيتها، رغم الظروف المتقلّبة التي عاشتها المنطقة والمخاطر التي تلمسها، من دون التوصل إلى ما يوحي بإمكان إنهاء النزاع بين دولتين جارتين تعرّضت إحداهما لأكثر من عدوان من دون أن تعلن الحرب مرّة واحدة عليها.
ولذلك، يُقال بكل صراحة وعقلانية، انّ الدولة اللبنانية سقطت في أكثر من تجربة، إلى أن كانت ضحية متكرّرة لقيام دويلات على حدودها بدأت مظاهرها منذ أن وافق اللبنانيون مرغمين على «اتفاقية القاهرة» في 3 تشرين الثاني 1969 في القاهرة، بين وفد لبناني برئاسة قائد الجيش العماد إميل البستاني ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات، لتنظيم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان بإشراف مصري، وهو ما أدّى إلى إقامة كيان عُرف بـ«فتح لاند»، بعد أن مورست ضغوط هائلة عليها هدّدت أمنها واستقرارها. وقبل أن تطوى هذه الصفحة عام 1982 قبل سنوات من الاتفاق وصولاً إلى قيام دويلة أخرى، تباهت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتأسيس لها من ضمن سيطرتها على خمس عواصم عربية وإسلامية ونموها، إلى جانب شكل من أشكال الدولة العاجزة عن ضبط حدودها نظراً للتناغم المتبادل بين دولة عدوة ومنظمات استطاعت أن تحاكي أمنها مرّة وتهدّده مرّات اخرى بإيعاز خارجي لم تكن الدولة قادرة على لجمه أو تحاشيه.
وعليه، تعترف مراجع سياسية وديبلوماسية معنية، انّه وفي انتظار ما يمكن ان تؤسس له طاولة الخارجية الأميركية من آلية تضمن تحقيق الأهداف التي نُظّمت من أجلها، يبدو من الأسهل الإشارة إلى ما سبقها من تحضيرات دفعت إلى الشكل الذي اتخذته، وما يمكن أن تقوم به الإدارة الأميركية لمساعدة لبنان في تجاوز الضغوط الداخلية التي يتعرّض لها من فريق ربط بين التوجّهات الخارجية الإيرانية وطائفة بأكملها جعلها أسيرة أسلوب لم تعرفه طوائف أخرى احتفظت بتعدديتها في مراحل حساسة، وشكّلت سبباً لإبراز مخاوف وضعت السلم الأهلي على صفيح ساخن ودقيق بوجود سلاح قد يتفلّت في أي وقت، كما حصل في أوقات سابقة، يهدّد بالفتنة، في ظل فقدان الطرف الآخر الذي يجب أن يكون متوافراً لإشعالها.
ولذلك، يبدو الرهان معقوداً بمقدار كبير على ضغوط أميركية تطبيقاً لوعد ناله لبنان قبيل انعقاد الطاولة، بعد تجنيب بيروت والضاحية والبقاع الغارات الإسرائيلية، وهو يقود إلى وقف موقت للنار من جانب واحد على الأقل أو من طرفين، يكون الثاني منهما لبنان الرسمي ممثلاً بحكومته، رغم عدم مسؤوليتها عن الحرب التي قاد «حزب الله» البلد إليها. ولكنه قرار حكومة لبنانية معطوف على تعهّد باستكمال تنفيذ قراراتها التي صدرت في 5 و7 آب و7 ايلول حتى الثاني من آذار، بقرار سياسي يتخذه المستهدف منها برعاية خليجية ودولية، بدأت طلائعها تطلّ من إمكان أن تلعب إيران آخر أدوار الرعاية لأحد اكبر أذرعها، أثناء مشاركتها في النسخة الثانية من «طاولة إسلام أباد» سواء انعقدت فيها أو في أي مكان آخر يشكّل امتداداً طبيعياً لها، لتلتقي ولو للحظات قليلة مع مقاصد «طاولة واشنطن» في غايتهما نحو السلام المنشود إن صدقت نيات جميع الأطراف بلا استثناء.









