تحرّك رئاسي لانتزاع موقع لبنان من طاولة الصفقات

الكاتب: داود رمّال | المصدر: نداء الوطن
10 نيسان 2026

في لحظة إقليمية ودولية من أشدّ وأخطر اللحظات التي تتقرّر فيها مصائر دول لعقود قادمة، وتتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع حسابات التسويات الكبرى، برز في الداخل اللبناني مسار سياسي – دبلوماسي ناشط يتقدّمه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، في محاولة واضحة لإعادة تثبيت موقع لبنان في المعادلات الجارية، ومنع انزلاقه إلى موقع “الورقة” التي تُستخدم على طاولات التفاوض الإقليمية والدولية بدل أن يكون شريكًا فيها. هذا التحرّك، الذي يجمع بين العلنية والبعد عن الأضواء في آن، يعكس إدراكًا رسميًا متزايدًا لحجم المخاطر التي تتهدّد البلاد في ظلّ تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، ويفتح الباب أمام مقاربة جديدة تقوم على استباق التسويات بدل انتظار نتائجها.

المرتكز الأساسي لهذا الحراك يتمثل في إعادة صياغة الخطاب اللبناني الرسمي تجاه الخارج، بحيث يُبنى على قاعدة سيادية واضحة مفادها أن لبنان ليس ساحة لتبادل الرسائل ولا منصّة لتصفية الحسابات، بل دولة لها مؤسساتها الشرعية القادرة على التعبير عن مصالحها الوطنية. هذا التوجّه يضع حدًّا لمحاولات تجاوز الدولة أو التحدّث باسمها من أي جهة كانت، ويؤكّد أن القرار اللبناني يجب أن يُصاغ داخل المؤسسات الدستورية، وأن غالبية اللبنانيين تدرك بدقة ما تقتضيه مصلحتهم العليا في هذه المرحلة الدقيقة. من هنا، يتقدّم مطلب أن يكون لبنان حاضرًا على طاولة التفاوض لا موضوعًا عليها، كعنوان مركزي في كل الاتصالات الجارية.

في هذا السياق، يتجه لبنان الرسميّ نحو اعتماد دبلوماسية نشطة ومتحركة، تتجاوز الأساليب التقليدية القائمة على الانتظار أو الاكتفاء بردود الفعل، إلى مبادرات مباشرة تستهدف مراكز القرار في العالم. وتشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تكثيفًا لزيارات خارجية على أعلى المستويات، في إطار حملة سياسية متكاملة تهدف إلى شرح الموقف اللبناني وإعادة تصويب المقاربات الدولية حيال ما يجري. هذه الدبلوماسية لا تكتفي بعرض المخاوف، بل تسعى إلى فرض مقاربة لبنانية متماسكة تُلزم الأطراف المعنيّة بأخذ مصالح لبنان في الاعتبار ضمن أي تسوية محتملة.

وفي موازاة ذلك، يُرتقب أن يباشر رئيس الحكومة تحركًا خارجيًا واسعًا فور استكمال الترتيبات اللوجستية والسياسية اللازمة، على أن تشمل جولاته دولًا شقيقة وصديقة مؤثرة في مسار القرار الدولي، مع ترجيح أن تكون الولايات المتحدة في صدارة هذه الوجهات. وتكتسب هذه الزيارة المرتقبة أهمية خاصة في ضوء الدور المحوري الذي تؤدّيه واشنطن في إدارة التوازنات الإقليمية، ما يجعلها محطة أساسية لعرض الرؤية اللبنانية ومحاولة التأثير في مسار النقاشات الجارية حول مستقبل المنطقة.

أمّا على مستوى رئاسة الجمهورية، فيستمرّ خط التواصل المباشر بوتيرة عالية، من خلال الخط الساخن الرئاسي وشبكة اتصالات هاتفية مكثفة يجريها الرئيس عون مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين، بالتوازي مع تلقيه اتصالات مماثلة، في إطار مسعى دائم لإبقاء الملف اللبناني حاضرًا على الأجندة الدولية. ولا تقتصر هذه الجهود على الوسائل التقليدية، إذ يُتوقع أن تتوسّع لتشمل اجتماعات افتراضية عبر تقنيات الاتصال الحديثة، بما يسمح بتسريع وتيرة التنسيق وتبادل المواقف في ظلّ عامل الوقت الضاغط. هذا الحراك المتواصل يعكس قناعة راسخة بأن ترك لبنان وحيدًا في مواجهة التصعيد العسكري والاعتداءات المتكرّرة والمجازر المتنقلة يشكّل خطرًا غير مسبوق، يستدعي تحركًا استثنائيًا يوازي حجمه.

وفي مقابل هذه الدينامية اللبنانية، تظهر مؤشرات على اهتمام خارجي متزايد بالتطوّرات في لبنان، حيث بدأت الاتصالات الدبلوماسية تعطي نتائج أولية تمثلت في تبنٍ متنامٍ لوجهة النظر اللبنانية القائلة بأن لا جهة مخوّلة التفاوض نيابة عن الدولة اللبنانية. هذا التحوّل، وإن كان لا يزال في بداياته، يعكس نجاحًا نسبيًا للمقاربة الجديدة التي تعتمدها بيروت، ويؤشر على إمكانية إعادة إدخال لبنان إلى دائرة الفعل السياسي بعد فترة من التهميش.

بذلك، يبدو أن لبنان الرسمي يحاول، عبر هذا التحرّك المركّب، الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، مستفيدًا من أي هامش متاح في لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات متعدّدة. وبينما تبقى النتائج النهائية رهنًا بتوازنات معقدة تتجاوز الساحة اللبنانية، فإن مجرّد تثبيت حق لبنان في أن يكون طرفًا مقررًا في مستقبله يشكل بحدّ ذاته خطوة أساسية في معركة الحفاظ على السيادة ومنع تحويل البلد إلى ورقة في خرائط الآخرين تبرم الصفقات على حسابه.

تحرّك رئاسي لانتزاع موقع لبنان من طاولة الصفقات

الكاتب: داود رمّال | المصدر: نداء الوطن
10 نيسان 2026

في لحظة إقليمية ودولية من أشدّ وأخطر اللحظات التي تتقرّر فيها مصائر دول لعقود قادمة، وتتقاطع فيها الحروب المفتوحة مع حسابات التسويات الكبرى، برز في الداخل اللبناني مسار سياسي – دبلوماسي ناشط يتقدّمه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، في محاولة واضحة لإعادة تثبيت موقع لبنان في المعادلات الجارية، ومنع انزلاقه إلى موقع “الورقة” التي تُستخدم على طاولات التفاوض الإقليمية والدولية بدل أن يكون شريكًا فيها. هذا التحرّك، الذي يجمع بين العلنية والبعد عن الأضواء في آن، يعكس إدراكًا رسميًا متزايدًا لحجم المخاطر التي تتهدّد البلاد في ظلّ تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية، ويفتح الباب أمام مقاربة جديدة تقوم على استباق التسويات بدل انتظار نتائجها.

المرتكز الأساسي لهذا الحراك يتمثل في إعادة صياغة الخطاب اللبناني الرسمي تجاه الخارج، بحيث يُبنى على قاعدة سيادية واضحة مفادها أن لبنان ليس ساحة لتبادل الرسائل ولا منصّة لتصفية الحسابات، بل دولة لها مؤسساتها الشرعية القادرة على التعبير عن مصالحها الوطنية. هذا التوجّه يضع حدًّا لمحاولات تجاوز الدولة أو التحدّث باسمها من أي جهة كانت، ويؤكّد أن القرار اللبناني يجب أن يُصاغ داخل المؤسسات الدستورية، وأن غالبية اللبنانيين تدرك بدقة ما تقتضيه مصلحتهم العليا في هذه المرحلة الدقيقة. من هنا، يتقدّم مطلب أن يكون لبنان حاضرًا على طاولة التفاوض لا موضوعًا عليها، كعنوان مركزي في كل الاتصالات الجارية.

في هذا السياق، يتجه لبنان الرسميّ نحو اعتماد دبلوماسية نشطة ومتحركة، تتجاوز الأساليب التقليدية القائمة على الانتظار أو الاكتفاء بردود الفعل، إلى مبادرات مباشرة تستهدف مراكز القرار في العالم. وتشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تكثيفًا لزيارات خارجية على أعلى المستويات، في إطار حملة سياسية متكاملة تهدف إلى شرح الموقف اللبناني وإعادة تصويب المقاربات الدولية حيال ما يجري. هذه الدبلوماسية لا تكتفي بعرض المخاوف، بل تسعى إلى فرض مقاربة لبنانية متماسكة تُلزم الأطراف المعنيّة بأخذ مصالح لبنان في الاعتبار ضمن أي تسوية محتملة.

وفي موازاة ذلك، يُرتقب أن يباشر رئيس الحكومة تحركًا خارجيًا واسعًا فور استكمال الترتيبات اللوجستية والسياسية اللازمة، على أن تشمل جولاته دولًا شقيقة وصديقة مؤثرة في مسار القرار الدولي، مع ترجيح أن تكون الولايات المتحدة في صدارة هذه الوجهات. وتكتسب هذه الزيارة المرتقبة أهمية خاصة في ضوء الدور المحوري الذي تؤدّيه واشنطن في إدارة التوازنات الإقليمية، ما يجعلها محطة أساسية لعرض الرؤية اللبنانية ومحاولة التأثير في مسار النقاشات الجارية حول مستقبل المنطقة.

أمّا على مستوى رئاسة الجمهورية، فيستمرّ خط التواصل المباشر بوتيرة عالية، من خلال الخط الساخن الرئاسي وشبكة اتصالات هاتفية مكثفة يجريها الرئيس عون مع عدد من القادة والمسؤولين الدوليين، بالتوازي مع تلقيه اتصالات مماثلة، في إطار مسعى دائم لإبقاء الملف اللبناني حاضرًا على الأجندة الدولية. ولا تقتصر هذه الجهود على الوسائل التقليدية، إذ يُتوقع أن تتوسّع لتشمل اجتماعات افتراضية عبر تقنيات الاتصال الحديثة، بما يسمح بتسريع وتيرة التنسيق وتبادل المواقف في ظلّ عامل الوقت الضاغط. هذا الحراك المتواصل يعكس قناعة راسخة بأن ترك لبنان وحيدًا في مواجهة التصعيد العسكري والاعتداءات المتكرّرة والمجازر المتنقلة يشكّل خطرًا غير مسبوق، يستدعي تحركًا استثنائيًا يوازي حجمه.

وفي مقابل هذه الدينامية اللبنانية، تظهر مؤشرات على اهتمام خارجي متزايد بالتطوّرات في لبنان، حيث بدأت الاتصالات الدبلوماسية تعطي نتائج أولية تمثلت في تبنٍ متنامٍ لوجهة النظر اللبنانية القائلة بأن لا جهة مخوّلة التفاوض نيابة عن الدولة اللبنانية. هذا التحوّل، وإن كان لا يزال في بداياته، يعكس نجاحًا نسبيًا للمقاربة الجديدة التي تعتمدها بيروت، ويؤشر على إمكانية إعادة إدخال لبنان إلى دائرة الفعل السياسي بعد فترة من التهميش.

بذلك، يبدو أن لبنان الرسمي يحاول، عبر هذا التحرّك المركّب، الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، مستفيدًا من أي هامش متاح في لحظة إقليمية مفتوحة على احتمالات متعدّدة. وبينما تبقى النتائج النهائية رهنًا بتوازنات معقدة تتجاوز الساحة اللبنانية، فإن مجرّد تثبيت حق لبنان في أن يكون طرفًا مقررًا في مستقبله يشكل بحدّ ذاته خطوة أساسية في معركة الحفاظ على السيادة ومنع تحويل البلد إلى ورقة في خرائط الآخرين تبرم الصفقات على حسابه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار