هندسة الجبهة بالنار: خريطة الانتشار العسكري الجديد في جنوب لبنان

يشكّل “الخط الأصفر” في جنوب لبنان جزءاً من مشروع إسرائيلي لإعادة رسم الجغرافيا الأمنية على الجبهة الشمالية عبر إنشاء منظومة دفاعية متدرجة تمتد من الحدود الدولية إلى نهر الليطاني. ويظهر الانتشار الجديد كقوس عسكري متصل من رأس البياضة على المتوسط إلى سفوح جبل الشيخ شرقاً، مع ربطه بالمجال العملياتي في الجولان، بما يحوّل الجنوب من منطقة تماس حدودي إلى عمق أمني متقدم.
تشير التطورات الإقليمية المتسارعة إلى أن إسرائيل انتقلت من مفهوم الدفاع الحدودي التقليدي إلى استراتيجية أوسع تقوم على حماية أمنها القومي في عمق الدول المجاورة التي تصنّفها دولاً ضعيفة السيادة أو عاجزة عن ضبط أراضيها وفرض سلطتها الكاملة عليها، كما تقول. وقد ظهر هذا التحول أولاً في الجنوب السوري بعد انهيار نظام الرئيس السابق بشار الأسد، حيث فرضت إسرائيل مناطق عازلة ميدانية فوق خطوط التماس، قبل أن يتكرر المشهد نفسه في جنوب لبنان، ولكن بصيغة أكثر تنظيماً واتساعاً، عبر مشروع “الخط الأصفر” الذي يعكس محاولة تل أبيب تثبيت واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية يتجاوز في طبيعته الشريط الحدودي الذي كان قائماً قبل عام 2000، أي قبل انسحابها من الجنوب اللبناني.
ما يتكوّن حالياً على الأرض مشروع متكامل لإعادة رسم الجغرافيا الأمنية عبر منظومة خطوط متراكبة: الخط الأزرق جنوباً، والخط الأصفر داخل الأراضي اللبنانية، والهدف العملياتي الأبعد المرتبط بخط الليطاني شمالاً.
وما بات واضحاً وفق تصريحات مسؤوليها، أن إسرائيل تتعامل مع هذه الخطوط بوصفها طبقات دفاعية متدرجة هدفها منع إعادة تشكّل بيئة قتالية لـ “حزب الله” في الجنوب، وفرض وقائع ميدانية جديدة تسبق أي تسوية سياسية أو أمنية لاحقة. فيما تؤكد الدولة اللبنانية على لسان مسؤوليها، وبخاصة رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام على أن استعادة كل الأراضي التي دخلتها إسرائيل وتحتلها راهناً هي أولوية أية مفاوضات قد تجري مع تل أبيب.
على الخريطة، يمتد “الخط الأصفر” من رأس البياضة الساحلية في القطاع الغربي، مروراً بمحور بنت جبيل في القطاع الأوسط، وصولاً إلى عين عطا على السفح الغربي لجبل الشيخ شرقاً، قبل أن يلتف عملياً ليرتبط بالمجال العملياتي الإسرائيلي في الجولان السوري، ما يجعل المنطقة العازلة الجديدة “قوساً” جغرافياً متصلاً من البحر المتوسط إلى سوريا وصولاً إلى تخوم الحدود الأردنية، في إطار شبكة انتشار دفاعي متقدمة.
فيما تُظهر المعطيات الجغرافية والأمنية على الأرض أن “الخط الأصفر” يشكل مشروع إعادة هندسة جغرافية للجبهة اللبنانية بأكملها، من رأس البياضة على المتوسط إلى جبل الشيخ شرقاً.
منطقة اقتصادية
وفي السياق، يتوقف متابعون عند ما تم تداوله خلال مرحلة حرب 2024 من نقاشات غير معلنة حول إمكان إقامة منطقة اقتصادية واسعة على الحدود الجنوبية للبنان، تمتد من سفوح جبل الشيخ شرقاً وصولاً إلى الناقورة والبياضة على الساحل الغربي للمتوسط، وذلك قبل ظهور مصطلح “الخط الأصفر” بصيغته الحالية. وحينها طرحت في تقارير إعلامية وتصريحات لمسؤولين إسرائيليين وأميركيين تصورات أولية لإقامة نطاق استثماري متعدد الوظائف يشمل مشاريع سياحية في المرتفعات الشرقية، ولا سيما في محيط جبل الشيخ، إلى جانب مناطق صناعية وخدماتية في القطاعين الأوسط والساحلي، إضافة إلى بنى تحتية لوجيستية مرتبطة بقطاع الطاقة، خصوصاً في حال تطوير البلوكات البحرية المحاذية للحدود اللبنانية وما قد يستتبع ذلك من منشآت تخزين ونقل وتكرير وخدمات مساندة.
ووفق هذا التصور، فإن تحويل الشريط الحدودي الجنوبي إلى مساحة اقتصادية إنتاجية وخدماتية يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار طويل الأمد عبر خلق فرص عمل لأهالي الجنوب والبقاع الغربي، وربط الأمن بالتنمية ضمن معادلة مصالح متشابكة. وفي هذا الإطار، تربط بعض التحليلات بين تلك الطروحات الاقتصادية السابقة والخطة الأمنية الحالية، معتبرة أن تثبيت الوقائع العسكرية على الأرض قد يشكّل، نظرياً على الأقل، مرحلة تمهيدية لأي مقاربة اقتصادية مستقبلية محتملة للمنطقة.
ثلاث دوائر أمنية
تكشف المعطيات الميدانية أن إسرائيل لا تنظر إلى الخط الأصفر كإجراء موقت مرتبط بالحرب الحالية، بل كجزء من عقيدة أمنية جديدة تبلورت بعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تقوم على إنشاء ثلاث دوائر دفاعية على حدودها الشمالية.
الدائرة الأولى داخل إسرائيل نفسها، عبر تحصين الجبهة الداخلية والمستوطنات الحدودية.
الدائرة الثانية داخل الأراضي اللبنانية، عبر إنشاء حزام أمني خالٍ من السكان، وهو ما تحقق فعلياً على الأرض من خلال المنطقة الصفراء التي تتراوح في الداخل اللبناني ما بين ثلاثة و10 كيلومترات، وفق خبراء عسكريين، وتشمل أكثر من 40 بلدة.
أما الدائرة الثالثة فتتمثل في منطقة منزوعة السلاح ما بين نهري الليطاني والأولي قرب مدينة صيدا، يُفترض أن تنتشر فيها الدولة اللبنانية وقوات متعددة الجنسيات ضمن ترتيبات أمنية مستقبلية.
بين الحدود والزهراني
تشير المعطيات العسكرية حالياً إلى أن الجيش الإسرائيلي يقسم المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني في جنوب لبنان إلى ثلاث مناطق أمنية متدرجة تشكّل عملياً البنية الميدانية للخط الأصفر.
المنطقة الأولى هي منطقة الدمار التام جنوب الخط الأصفر، وتمتد على طول الحدود اللبنانية من مزارع شبعا والخيام شرقاً مروراً بدير السريان حتى البياضة غرباً. ويتراوح عرضها بين ثلاثة كيلومترات قرب العديسة، وأربعة كيلومترات عند الشمع، وستة كيلومترات قرب عيتا الشعب، وتسعة كيلومترات عند دير السريان، وصولاً إلى نحو 10 كيلومترات عند الخيام، وتمتد شرقاً حتى سفوح جبل الشيخ بعمق يقارب 12 كيلومتراً. وتُعرّف هذه المنطقة في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية باسم “الحزام الأصفر”.
أما المنطقة الثانية، فتمتد من الحزام الأصفر حتى نهر الليطاني، وتُعد منطقة سيطرة نارية ومراقبة مرتفعات. وتشير مصادر أمنية إلى أن إسرائيل حرصت على رسم هذا الخط فوق رؤوس التلال المشرفة على ممر الليطاني بما يسمح بالمراقبة البصرية المباشرة للنهر، وليس فقط بالمراقبة التقنية الجوية.
وفي حال تثبيت وقف إطلاق النار، يدور الحديث عن سيناريو انتشار الجيش اللبناني في هذه المنطقة مع دور حاسم في منع الوجود المسلح غير الشرعي، إضافة إلى احتمال نشر قوات متعددة الجنسيات ضمن ترتيبات أمنية مستقبلية.
أما المنطقة الثالثة، فتمتد بين نهري الليطاني والزهراني، وهي منطقة لا تُعد محتلة ميدانياً، لكنها تخضع لمراقبة جوية وبحرية كثيفة.
الحزام الأمني الجديد
تشير الخرائط العسكرية الإسرائيلية إلى أن الحزام الأمني الجديد يشمل نحو 55 بلدة وقرية لبنانية، لكن الجانب اللبناني ينفي هذا العدد ويؤكد أنه مبالغ فيه، بخاصة أن بعض البلدات خاضع لسيطرة مباشرة، وبعضها خاضع لسيطرة نارية تمنع العودة إليه، إنما من دون توغل بري إسرائيلي.
وقد دخلت القوات الإسرائيلية فعلياً إلى نحو 41 بلدة خلال العمليات العسكرية الأخيرة، بينها بنت جبيل والخيام وميس الجبل ومركبا وحولا وكفركلا والعديسة ورب الثلاثين ودير سريان، إضافة إلى بلدات القطاع الغربي مثل الناقورة والبياضة ومروحين والبستان وشيحين ويارين والضهيرة وعلما الشعب.
كذلك فرضت إسرائيل سيطرة نارية على بلدات مسيحية مثل رميش ودبل وعين إبل والقوزح، حيث لم تدخل القوات إلى الأحياء الداخلية لكنها تخطتها ومنعت عملياً عودة السكان إليها.
وفي القطاع الشرقي، امتد الانتشار إلى أجزاء واسعة من الخيام ومزارع كفرشوبا وأطراف شبعا والسفح الغربي لجبل الشيخ، بما يربط جنوب لبنان مباشرة بالمجال العملياتي الإسرائيلي في الجولان.
في المقابل، تؤكد المصادر العسكرية أن الجيش اللبناني لا يزال لديه لواءين كاملين في جنوب نهر الليطاني وتحديداً بين المنطقة الممتدة بين الخط الأصفر وحدود النهر.
في المقابل ترجح تقديرات عسكرية أن مقاتلي الحزب وفي الخطوط الأمامية بات عددهم محدوداً ويتواجدون بشكل خاص في أطراف بلدتي الخيام وبنت جبيل، لكنهم شبه محاصرين، فيما يبقى الثقل الصاروخي للحزب هو في شمال الخط الأصفر وبين نهري الليطاني والأولي.
عشرون موقعاً
ضمن هذا الانتشار، يعمل الجيش الإسرائيلي على إنشاء نحو 20 موقعاً عسكرياً متقدماً على طول الخط الأصفر. هذه المواقع ليست قواعد تقليدية، بل نقاط مراقبة نارية وتحكم بالمرتفعات والطرق الحيوية، والهدف منها تحويل المنطقة إلى شبكة سيطرة مترابطة تسمح بالكشف المبكر لأي تحرك عسكري جنوب الخط واستهدافه فوراً.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن مساحة المنطقة التي تعمل إسرائيل على تثبيت سيطرتها فيها تتجاوز 800 كيلومتر مربع، أي نحو 8 في المئة من مساحة لبنان.
شريط تفاوضي جديد
يرى الكاتب السياسي جان فغالي أن الحديث الإسرائيلي عن “الخط الأصفر” في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن المقارنة التي أجرتها إسرائيل نفسها مع الخط الأصفر الذي فرضته في قطاع غزة، والذي بقي قائماً على رغم توقف العمليات العسكرية هناك، ما يدل على أن الهدف ليس إجراءً ميدانياً موقتاً بل محاولة إدخال هذا الخط ضمن جدول أعمال المفاوضات المقبلة مع الدولة اللبنانية.
ويشير إلى أن هذا الخط يمتد بعمق يتراوح بين ثمانية و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يفسّر عمليات تفجير المنازل التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في بنت جبيل ومناطق أخرى تقع ضمن نطاقه، في رسالة واضحة مفادها بأن وقف إطلاق النار لا يسري على المنطقة الواقعة جنوب هذا الخط، بل يقتصر عملياً على بيروت والبقاع، حيث لم تُسجل عمليات عسكرية منذ إعلان الهدنة.
ويربط فغالي بين صمود الهدنة في لبنان ومسار التهدئة الإقليمي، ولا سيما في إيران ومضيق هرمز، مذكّراً بأن اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار) الماضي جاء في سياق إسناد إيران، ما يعني أن أي تصعيد هناك سينعكس مباشرة على جنوب لبنان. ويضيف أن استهداف الجندي الفرنسي في قوات “اليونيفيل” قبل يومين في بلدة الغندورية في قضاء بنت جبيل يحمل بدوره رسالة إلى المجتمع الدولي بأن “حزب الله” ما زال قادراً على التحرك ميدانياً، خصوصاً أن الاتهام جاء مباشرة على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فيما في المقابل أصدر الحزب بياناً رسمياً نفى فيه أية علاقة له بمقتل الجندي الفرنسي.
ويخلص إلى أن مستقبل هذا الخط مرتبط بنتائج المفاوضات الأميركية– الإيرانية، لأن أي تقدم على هذا المسار سينعكس تلقائياً على المفاوضات اللبنانية– الإسرائيلية، فيما سيؤدي تعثره إلى تثبيت الخط الأصفر كأمر واقع طويل الأمد.
عودة الحزام الأمني
بدوره، يرى الصحافي أحمد عياش أن فرض إسرائيل لما يسمى “الخط الأصفر” داخل الأراضي اللبنانية يعيد إلى الأذهان تجربة الحزام الأمني الذي نشأ بعد اجتياح عام 1982 واستمر نحو 18 عاماً حتى انسحاب عام 2000 وتطبيق القرار الأممي 425، معتبراً أن الانتقال من “الخط الأزرق” إلى “الخط الأصفر” يشكّل تراجعاً خطيراً في الوضع الحدودي الذي استقر منذ أكثر من عقدين.
ويشير إلى أن التجارب السابقة تؤكد أن التحولات الأمنية في الجنوب لا تكون قصيرة الأمد، بل تمتد لسنوات، خصوصاً أن الدولة اللبنانية بعد انسحاب عام 2000 لم تستعد السيطرة الفعلية على الجنوب.
ويرى عياش أن الواقع الجديد لن ينتهي خلال أسابيع أو أشهر، بل يجب الاستعداد لمرحلة طويلة من إعادة تشكيل التوازنات الحدودية، خصوصاً في ظل رفض الحزب لمسار وقف إطلاق النار والمفاوضات التي أعلنتها الولايات المتحدة، ما يشير إلى أن الأزمة مرشحة للاستمرار.
مع ذلك، يعتبر أن التطورات الأخيرة تفتح نافذة مختلفة هذه المرة، إذ إن وجود رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة خارج منظومات الوصاية التقليدية يشيران إلى بداية مشروع دولة فعلي، وإن كان هذا المشروع لا يزال في مراحله الأولى. ويرى أن الفرصة المتاحة اليوم تكمن في أن يتولى الجيش اللبناني الإمساك بالمناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل، بدلاً من تكرار تجربة القوى الرديفة التي نشأت بعد عام 1982 وأدخلت البلاد في دوامة صراعات طويلة.
مقايضة الخط الأصفر
في المقابل، يقول الكاتب والباحث السياسي نضال السبع إن استمرار إسرائيل في تفجير المنازل في بنت جبيل ومناطق أخرى جنوب لبنان على رغم إعلان الهدنة يعكس استنادها إلى البند الثالث من اتفاق وقف إطلاق النار الجديد، الذي يتيح لها تنفيذ عمليات استباقية ضد “حزب الله” بناءً على تقديرات أمنية أو حتى على مجرد الاشتباه بوجود تهديد، ما يسمح لها عملياً مواصلة العمليات العسكرية ضمن نطاق الخط الأصفر.
ويرى السبع أن هذا الواقع قد يمنح “حزب الله” مادة أمام جمهوره وفي السياسة لإعادة طرح خطاب “قتال إسرائيل”، لكنه في الوقت نفسه يشكّل ورقة ضغط إسرائيلية واضحة يمكن استخدامها في المفاوضات، خصوصاً في ظل حديث وزير الدفاع الإسرائيلي عن مسارات أمنية وعسكرية وسياسية متوازية هدفها النهائي نزع سلاح الحزب.
ويحذر من أن التجربة الإسرائيلية في قطاع غزة تظهر أن الإجراءات الموقتة تتحول تدريجاً إلى وقائع دائمة إذا لم تُعالج سياسياً في وقت مبكر، خصوصاً أن التوازنات داخل الحكومة الإسرائيلية قد تدفع لاحقاً أطرافاً داخلية إلى رفض أي انسحاب من هذه المنطقة حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع لبنان، ما يزيد من خطر تثبيت الخط الأصفر كحد أمني طويل الأمد.
هندسة الجبهة بالنار: خريطة الانتشار العسكري الجديد في جنوب لبنان

يشكّل “الخط الأصفر” في جنوب لبنان جزءاً من مشروع إسرائيلي لإعادة رسم الجغرافيا الأمنية على الجبهة الشمالية عبر إنشاء منظومة دفاعية متدرجة تمتد من الحدود الدولية إلى نهر الليطاني. ويظهر الانتشار الجديد كقوس عسكري متصل من رأس البياضة على المتوسط إلى سفوح جبل الشيخ شرقاً، مع ربطه بالمجال العملياتي في الجولان، بما يحوّل الجنوب من منطقة تماس حدودي إلى عمق أمني متقدم.
تشير التطورات الإقليمية المتسارعة إلى أن إسرائيل انتقلت من مفهوم الدفاع الحدودي التقليدي إلى استراتيجية أوسع تقوم على حماية أمنها القومي في عمق الدول المجاورة التي تصنّفها دولاً ضعيفة السيادة أو عاجزة عن ضبط أراضيها وفرض سلطتها الكاملة عليها، كما تقول. وقد ظهر هذا التحول أولاً في الجنوب السوري بعد انهيار نظام الرئيس السابق بشار الأسد، حيث فرضت إسرائيل مناطق عازلة ميدانية فوق خطوط التماس، قبل أن يتكرر المشهد نفسه في جنوب لبنان، ولكن بصيغة أكثر تنظيماً واتساعاً، عبر مشروع “الخط الأصفر” الذي يعكس محاولة تل أبيب تثبيت واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية يتجاوز في طبيعته الشريط الحدودي الذي كان قائماً قبل عام 2000، أي قبل انسحابها من الجنوب اللبناني.
ما يتكوّن حالياً على الأرض مشروع متكامل لإعادة رسم الجغرافيا الأمنية عبر منظومة خطوط متراكبة: الخط الأزرق جنوباً، والخط الأصفر داخل الأراضي اللبنانية، والهدف العملياتي الأبعد المرتبط بخط الليطاني شمالاً.
وما بات واضحاً وفق تصريحات مسؤوليها، أن إسرائيل تتعامل مع هذه الخطوط بوصفها طبقات دفاعية متدرجة هدفها منع إعادة تشكّل بيئة قتالية لـ “حزب الله” في الجنوب، وفرض وقائع ميدانية جديدة تسبق أي تسوية سياسية أو أمنية لاحقة. فيما تؤكد الدولة اللبنانية على لسان مسؤوليها، وبخاصة رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام على أن استعادة كل الأراضي التي دخلتها إسرائيل وتحتلها راهناً هي أولوية أية مفاوضات قد تجري مع تل أبيب.
على الخريطة، يمتد “الخط الأصفر” من رأس البياضة الساحلية في القطاع الغربي، مروراً بمحور بنت جبيل في القطاع الأوسط، وصولاً إلى عين عطا على السفح الغربي لجبل الشيخ شرقاً، قبل أن يلتف عملياً ليرتبط بالمجال العملياتي الإسرائيلي في الجولان السوري، ما يجعل المنطقة العازلة الجديدة “قوساً” جغرافياً متصلاً من البحر المتوسط إلى سوريا وصولاً إلى تخوم الحدود الأردنية، في إطار شبكة انتشار دفاعي متقدمة.
فيما تُظهر المعطيات الجغرافية والأمنية على الأرض أن “الخط الأصفر” يشكل مشروع إعادة هندسة جغرافية للجبهة اللبنانية بأكملها، من رأس البياضة على المتوسط إلى جبل الشيخ شرقاً.
منطقة اقتصادية
وفي السياق، يتوقف متابعون عند ما تم تداوله خلال مرحلة حرب 2024 من نقاشات غير معلنة حول إمكان إقامة منطقة اقتصادية واسعة على الحدود الجنوبية للبنان، تمتد من سفوح جبل الشيخ شرقاً وصولاً إلى الناقورة والبياضة على الساحل الغربي للمتوسط، وذلك قبل ظهور مصطلح “الخط الأصفر” بصيغته الحالية. وحينها طرحت في تقارير إعلامية وتصريحات لمسؤولين إسرائيليين وأميركيين تصورات أولية لإقامة نطاق استثماري متعدد الوظائف يشمل مشاريع سياحية في المرتفعات الشرقية، ولا سيما في محيط جبل الشيخ، إلى جانب مناطق صناعية وخدماتية في القطاعين الأوسط والساحلي، إضافة إلى بنى تحتية لوجيستية مرتبطة بقطاع الطاقة، خصوصاً في حال تطوير البلوكات البحرية المحاذية للحدود اللبنانية وما قد يستتبع ذلك من منشآت تخزين ونقل وتكرير وخدمات مساندة.
ووفق هذا التصور، فإن تحويل الشريط الحدودي الجنوبي إلى مساحة اقتصادية إنتاجية وخدماتية يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار طويل الأمد عبر خلق فرص عمل لأهالي الجنوب والبقاع الغربي، وربط الأمن بالتنمية ضمن معادلة مصالح متشابكة. وفي هذا الإطار، تربط بعض التحليلات بين تلك الطروحات الاقتصادية السابقة والخطة الأمنية الحالية، معتبرة أن تثبيت الوقائع العسكرية على الأرض قد يشكّل، نظرياً على الأقل، مرحلة تمهيدية لأي مقاربة اقتصادية مستقبلية محتملة للمنطقة.
ثلاث دوائر أمنية
تكشف المعطيات الميدانية أن إسرائيل لا تنظر إلى الخط الأصفر كإجراء موقت مرتبط بالحرب الحالية، بل كجزء من عقيدة أمنية جديدة تبلورت بعد هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تقوم على إنشاء ثلاث دوائر دفاعية على حدودها الشمالية.
الدائرة الأولى داخل إسرائيل نفسها، عبر تحصين الجبهة الداخلية والمستوطنات الحدودية.
الدائرة الثانية داخل الأراضي اللبنانية، عبر إنشاء حزام أمني خالٍ من السكان، وهو ما تحقق فعلياً على الأرض من خلال المنطقة الصفراء التي تتراوح في الداخل اللبناني ما بين ثلاثة و10 كيلومترات، وفق خبراء عسكريين، وتشمل أكثر من 40 بلدة.
أما الدائرة الثالثة فتتمثل في منطقة منزوعة السلاح ما بين نهري الليطاني والأولي قرب مدينة صيدا، يُفترض أن تنتشر فيها الدولة اللبنانية وقوات متعددة الجنسيات ضمن ترتيبات أمنية مستقبلية.
بين الحدود والزهراني
تشير المعطيات العسكرية حالياً إلى أن الجيش الإسرائيلي يقسم المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني في جنوب لبنان إلى ثلاث مناطق أمنية متدرجة تشكّل عملياً البنية الميدانية للخط الأصفر.
المنطقة الأولى هي منطقة الدمار التام جنوب الخط الأصفر، وتمتد على طول الحدود اللبنانية من مزارع شبعا والخيام شرقاً مروراً بدير السريان حتى البياضة غرباً. ويتراوح عرضها بين ثلاثة كيلومترات قرب العديسة، وأربعة كيلومترات عند الشمع، وستة كيلومترات قرب عيتا الشعب، وتسعة كيلومترات عند دير السريان، وصولاً إلى نحو 10 كيلومترات عند الخيام، وتمتد شرقاً حتى سفوح جبل الشيخ بعمق يقارب 12 كيلومتراً. وتُعرّف هذه المنطقة في الأدبيات العسكرية الإسرائيلية باسم “الحزام الأصفر”.
أما المنطقة الثانية، فتمتد من الحزام الأصفر حتى نهر الليطاني، وتُعد منطقة سيطرة نارية ومراقبة مرتفعات. وتشير مصادر أمنية إلى أن إسرائيل حرصت على رسم هذا الخط فوق رؤوس التلال المشرفة على ممر الليطاني بما يسمح بالمراقبة البصرية المباشرة للنهر، وليس فقط بالمراقبة التقنية الجوية.
وفي حال تثبيت وقف إطلاق النار، يدور الحديث عن سيناريو انتشار الجيش اللبناني في هذه المنطقة مع دور حاسم في منع الوجود المسلح غير الشرعي، إضافة إلى احتمال نشر قوات متعددة الجنسيات ضمن ترتيبات أمنية مستقبلية.
أما المنطقة الثالثة، فتمتد بين نهري الليطاني والزهراني، وهي منطقة لا تُعد محتلة ميدانياً، لكنها تخضع لمراقبة جوية وبحرية كثيفة.
الحزام الأمني الجديد
تشير الخرائط العسكرية الإسرائيلية إلى أن الحزام الأمني الجديد يشمل نحو 55 بلدة وقرية لبنانية، لكن الجانب اللبناني ينفي هذا العدد ويؤكد أنه مبالغ فيه، بخاصة أن بعض البلدات خاضع لسيطرة مباشرة، وبعضها خاضع لسيطرة نارية تمنع العودة إليه، إنما من دون توغل بري إسرائيلي.
وقد دخلت القوات الإسرائيلية فعلياً إلى نحو 41 بلدة خلال العمليات العسكرية الأخيرة، بينها بنت جبيل والخيام وميس الجبل ومركبا وحولا وكفركلا والعديسة ورب الثلاثين ودير سريان، إضافة إلى بلدات القطاع الغربي مثل الناقورة والبياضة ومروحين والبستان وشيحين ويارين والضهيرة وعلما الشعب.
كذلك فرضت إسرائيل سيطرة نارية على بلدات مسيحية مثل رميش ودبل وعين إبل والقوزح، حيث لم تدخل القوات إلى الأحياء الداخلية لكنها تخطتها ومنعت عملياً عودة السكان إليها.
وفي القطاع الشرقي، امتد الانتشار إلى أجزاء واسعة من الخيام ومزارع كفرشوبا وأطراف شبعا والسفح الغربي لجبل الشيخ، بما يربط جنوب لبنان مباشرة بالمجال العملياتي الإسرائيلي في الجولان.
في المقابل، تؤكد المصادر العسكرية أن الجيش اللبناني لا يزال لديه لواءين كاملين في جنوب نهر الليطاني وتحديداً بين المنطقة الممتدة بين الخط الأصفر وحدود النهر.
في المقابل ترجح تقديرات عسكرية أن مقاتلي الحزب وفي الخطوط الأمامية بات عددهم محدوداً ويتواجدون بشكل خاص في أطراف بلدتي الخيام وبنت جبيل، لكنهم شبه محاصرين، فيما يبقى الثقل الصاروخي للحزب هو في شمال الخط الأصفر وبين نهري الليطاني والأولي.
عشرون موقعاً
ضمن هذا الانتشار، يعمل الجيش الإسرائيلي على إنشاء نحو 20 موقعاً عسكرياً متقدماً على طول الخط الأصفر. هذه المواقع ليست قواعد تقليدية، بل نقاط مراقبة نارية وتحكم بالمرتفعات والطرق الحيوية، والهدف منها تحويل المنطقة إلى شبكة سيطرة مترابطة تسمح بالكشف المبكر لأي تحرك عسكري جنوب الخط واستهدافه فوراً.
وتشير تقديرات ميدانية إلى أن مساحة المنطقة التي تعمل إسرائيل على تثبيت سيطرتها فيها تتجاوز 800 كيلومتر مربع، أي نحو 8 في المئة من مساحة لبنان.
شريط تفاوضي جديد
يرى الكاتب السياسي جان فغالي أن الحديث الإسرائيلي عن “الخط الأصفر” في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن المقارنة التي أجرتها إسرائيل نفسها مع الخط الأصفر الذي فرضته في قطاع غزة، والذي بقي قائماً على رغم توقف العمليات العسكرية هناك، ما يدل على أن الهدف ليس إجراءً ميدانياً موقتاً بل محاولة إدخال هذا الخط ضمن جدول أعمال المفاوضات المقبلة مع الدولة اللبنانية.
ويشير إلى أن هذا الخط يمتد بعمق يتراوح بين ثمانية و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما يفسّر عمليات تفجير المنازل التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في بنت جبيل ومناطق أخرى تقع ضمن نطاقه، في رسالة واضحة مفادها بأن وقف إطلاق النار لا يسري على المنطقة الواقعة جنوب هذا الخط، بل يقتصر عملياً على بيروت والبقاع، حيث لم تُسجل عمليات عسكرية منذ إعلان الهدنة.
ويربط فغالي بين صمود الهدنة في لبنان ومسار التهدئة الإقليمي، ولا سيما في إيران ومضيق هرمز، مذكّراً بأن اندلاع الحرب في الثاني من مارس (آذار) الماضي جاء في سياق إسناد إيران، ما يعني أن أي تصعيد هناك سينعكس مباشرة على جنوب لبنان. ويضيف أن استهداف الجندي الفرنسي في قوات “اليونيفيل” قبل يومين في بلدة الغندورية في قضاء بنت جبيل يحمل بدوره رسالة إلى المجتمع الدولي بأن “حزب الله” ما زال قادراً على التحرك ميدانياً، خصوصاً أن الاتهام جاء مباشرة على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. فيما في المقابل أصدر الحزب بياناً رسمياً نفى فيه أية علاقة له بمقتل الجندي الفرنسي.
ويخلص إلى أن مستقبل هذا الخط مرتبط بنتائج المفاوضات الأميركية– الإيرانية، لأن أي تقدم على هذا المسار سينعكس تلقائياً على المفاوضات اللبنانية– الإسرائيلية، فيما سيؤدي تعثره إلى تثبيت الخط الأصفر كأمر واقع طويل الأمد.
عودة الحزام الأمني
بدوره، يرى الصحافي أحمد عياش أن فرض إسرائيل لما يسمى “الخط الأصفر” داخل الأراضي اللبنانية يعيد إلى الأذهان تجربة الحزام الأمني الذي نشأ بعد اجتياح عام 1982 واستمر نحو 18 عاماً حتى انسحاب عام 2000 وتطبيق القرار الأممي 425، معتبراً أن الانتقال من “الخط الأزرق” إلى “الخط الأصفر” يشكّل تراجعاً خطيراً في الوضع الحدودي الذي استقر منذ أكثر من عقدين.
ويشير إلى أن التجارب السابقة تؤكد أن التحولات الأمنية في الجنوب لا تكون قصيرة الأمد، بل تمتد لسنوات، خصوصاً أن الدولة اللبنانية بعد انسحاب عام 2000 لم تستعد السيطرة الفعلية على الجنوب.
ويرى عياش أن الواقع الجديد لن ينتهي خلال أسابيع أو أشهر، بل يجب الاستعداد لمرحلة طويلة من إعادة تشكيل التوازنات الحدودية، خصوصاً في ظل رفض الحزب لمسار وقف إطلاق النار والمفاوضات التي أعلنتها الولايات المتحدة، ما يشير إلى أن الأزمة مرشحة للاستمرار.
مع ذلك، يعتبر أن التطورات الأخيرة تفتح نافذة مختلفة هذه المرة، إذ إن وجود رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة خارج منظومات الوصاية التقليدية يشيران إلى بداية مشروع دولة فعلي، وإن كان هذا المشروع لا يزال في مراحله الأولى. ويرى أن الفرصة المتاحة اليوم تكمن في أن يتولى الجيش اللبناني الإمساك بالمناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل، بدلاً من تكرار تجربة القوى الرديفة التي نشأت بعد عام 1982 وأدخلت البلاد في دوامة صراعات طويلة.
مقايضة الخط الأصفر
في المقابل، يقول الكاتب والباحث السياسي نضال السبع إن استمرار إسرائيل في تفجير المنازل في بنت جبيل ومناطق أخرى جنوب لبنان على رغم إعلان الهدنة يعكس استنادها إلى البند الثالث من اتفاق وقف إطلاق النار الجديد، الذي يتيح لها تنفيذ عمليات استباقية ضد “حزب الله” بناءً على تقديرات أمنية أو حتى على مجرد الاشتباه بوجود تهديد، ما يسمح لها عملياً مواصلة العمليات العسكرية ضمن نطاق الخط الأصفر.
ويرى السبع أن هذا الواقع قد يمنح “حزب الله” مادة أمام جمهوره وفي السياسة لإعادة طرح خطاب “قتال إسرائيل”، لكنه في الوقت نفسه يشكّل ورقة ضغط إسرائيلية واضحة يمكن استخدامها في المفاوضات، خصوصاً في ظل حديث وزير الدفاع الإسرائيلي عن مسارات أمنية وعسكرية وسياسية متوازية هدفها النهائي نزع سلاح الحزب.
ويحذر من أن التجربة الإسرائيلية في قطاع غزة تظهر أن الإجراءات الموقتة تتحول تدريجاً إلى وقائع دائمة إذا لم تُعالج سياسياً في وقت مبكر، خصوصاً أن التوازنات داخل الحكومة الإسرائيلية قد تدفع لاحقاً أطرافاً داخلية إلى رفض أي انسحاب من هذه المنطقة حتى في حال التوصل إلى اتفاق مع لبنان، ما يزيد من خطر تثبيت الخط الأصفر كحد أمني طويل الأمد.









