ترامب يستحضر “ريكو”… “إمبراطورية سوروس” تحت المجهر

ترامب يستحضر “ريكو”… “إمبراطورية سوروس” تحت المجهر

الكاتب: راشيل علوان | المصدر: نداء الوطن
29 آب 2025

على قاعدة “احذروا، نراقبكم”، طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتوجيه اتهام لرجل الأعمال الأميركي من أصل مجريّ جورج سوروس وابنه أليكس، بموجب قانون مكافحة الابتزاز والمنظمات الفاسدة المعروف بـ “ريكو”، بسبب دعمهما الاحتجاجات العنيفة في الولايات المتحدة.

هو ليس الاتهام الأوّل من نوعه في سجلّ سوروس، أحد الناجين من محرقة الهولوكوست. اسمه ليس مرتبطًا فقط بعالم الأعمال والنشاطات الخيرية، بل مرتبطًا أيضًا بتمويل حركات احتجاجية، تغيير أنظمة، ومشاريع للتأثير على السياسات العامة في دول مختلفة. أمّا بين ترامب وسوروس، فسنوات من علاقة يشوبها التصدّع والصدام وحتى العداء، وها قد أتى قانون “ريكو” اليوم كـ “حبة الكرز” على قمّة سجلّ سوروس الحافل.

يُستخدم قانون “ريكو” في العادة لمقاضاة الجماعات الإجرامية المنظمة، مثل المافيا وغيرها من أشكال الجريمة المنظمة بكلّ أنواعها. وتلويح ترامب باستخدام “ريكو” ضدّ سوروس يعتبر تصعيدًا غير مألوف في الخطاب السياسي، فهو أسلوب تهديديّ سياسي بحت وليس خطوة قانونية مدعومة بإجراءات قضائيّة فعلية حتى السّاعة. وبغضّ النظر عن إمكان توظيف هذا القانون لملاحقة سوروس من عدمه، “لا دخان بلا نار”، إذ لطالما لاحقت سوروس والإمبراطورية التي بناها خلال مسيرته الطويلة، شبهات كثيرة.

فقبل أسابيع، كشف تحقيق صحافي أنّ أكثر من 20 مليون دولار من مصادر تمويل “ظلامية” منها مؤسّسات سوروس، ذهبت لدعم الاحتجاجات ضدّ سياسة ترامب في العاصمة واشنطن. وهذا العام أيضًا، كشفت سجلّات استخباراتية أنّ موظفين من مؤسّسة سوروس الخيرية “المجتمع المفتوح”، قد ضلّلوا حملة هيلاري كلينتون آنذاك لتوجيه اتهامات بالتواطؤ مع روسيا ضدّ ترامب. هذا فضلًا عن اتهام سوروس بدعم أعمال العنف التي نشبت في 2017 بعد فوز ترامب بولايته الرئاسية الأولى. وفي عام 2003، أثار سوروس الجدل عندما قال إن إسقاط الرئيس جورج بوش في الانتخابات “مسألة حياة أو موت”. كما كان سوروس داعمًا بارزًا لحملة باراك أوباما الانتخابية عام 2008.

في الواقع، إمبراطورية سوروس المالية ومؤسّسته الخيرية “المجتمع المفتوح” وتمويله الواسع للقضايا اليسارية، بالإضافة إلى دعمه المرشحين التقدّميّين، جعلت منه قطبًا رئيسيًا لنظريات المؤامرة والهجوم السياسي من تيارات اليمين على مدار السنوات. هو متهم بنشر المثلية والتحوّل الجنسي ودعم أقصى اليسار وحركات شعبية تعمل على تقسيم المجتمع والوقوف وراء أزمة الهجرة في أوروبا وأميركا.

تأثير سوروس جليّ في دول عدّة، عبر أدواته السياسية والاقتصادية والإعلامية، لا العسكرية. يعمل على توجيه الرأي العام، دعم النخب الأكاديمية والتأثير في السياسات عبر منظمات المجتمع المدني، ما جعله نموذجًا حيًّا لما يُعرف بـ “السلطة الناعمة النشطة”. هو الذي موّل “الثورات الملوّنة” في أوروبا الشرقية، كالثورة البرتقالية في أوكرانيا، وأسّس جامعات ومراكز أبحاث ذات توجّهات ليبرالية، كما أنه موّل شبكات إعلامية ومنظمات غير حكومية تنشط في قضايا الهجرة والعدالة الاجتماعية.

يُعرف سوروس في المملكة المتحدة بأنه الرجل الذي تسبّب في إفلاس البنك المركزي عام 1992، وتتّهمه عدّة دول أوروبّية بالاجتهاد في تشجيع الناس على النزوح إلى أوروبا. ظِلّ سوروس وصل أيضًا إلى أرمينيا وأستراليا وهندوراس والفيليبين وروسيا، وحتى إلى لبنان، حيث استفادت مؤسّسته “المجتمع المفتوح” منذ عام 2019 من الأزمة الاقتصادية ودخلت في حركة الاحتجاجات آنذاك واستثمرت بشكل كبير في العديد من الجمعيات والمؤسسات بهدف التسلّل إلى المجتمع المدني اللبناني، منها “ميغافون”، “المفكرة القانونية” و “درج” وغيرها.

لكنّ البلد الأشدّ هجومًا على سوروس هو مسقط رأسه المجر، الذي يتهم سوروس بإدارة مؤامرة سرّية لإغراق المجر بالمهاجرين وتدمير الأمة، ما دفع السلطات إلى التضييق على مؤسّسته “المجتمع المفتوح” التي أغلقت أبوابها في بودابست منذ سنوات.

دول وحكومات عديدة تعتبر جورج سوروس عدوًّا مختلفًا، مراوغًا ومختبئًا وراء عباءة العمل الخيري ودعم وتمويل الحركات الليبراليّة والقضايا الحقوقية حول العالم. وها هي تواجه اليوم أليكس سوروس الذي يتربّع على عرش والده، وهو الذي أكّد علانية أنه عازم على توسيع أهداف والده الليبرالية بما يشمل مروحة واسعة من القضايا، ويخطّط لمواصلة استخدام ثروة العائلة لدعم السياسيّين الأميركيين ذوي الميول اليسارية. وبين سوروس الأب وسوروس الابن، إمبراطورية متشعّبة الأهداف السياسية والنوايا المبيّتة، وقطبة مخفية في مرمى دول وحكومات عدّة.