3 نماذج «مُجرَّبة» لتغيير خامنئي

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
17 كانون الثاني 2026

واضح أنّ ترامب لن يسمح لنظام خامنئي بالاستمرار. هو أوصل الهجوم العسكري إلى اللحظة القاتلة ثم علّقه، بذريعة أنّ الخليجيين العرب والأتراك نصحوه بعدم إدخال إيران في فوضى قد تدمّر المنطقة. وقد يكون صحيحاً أنّ ترامب يراعي الحلفاء الخليجيين، ويوحي لهم أنّه يستجيب لنصائحهم، لأنّه يقبض الثمن منهم بطرق مختلفة سياسياً واقتصادياً، ولكن في الواقع، هو لن ينهي مأزق إيران إلّا بتغييرها تماماً ونزع كل مقوّمات نفوذها.

لن يكون نموذج تغيير إيران نسخة طبق الأصل عن نموذج فنزويلا، كما يعتقد البعض، بل سيكون مزيجاً من نماذج عدة شهدها الشرق الأوسط والعالم على مدى العامين الأخيرين، وهي الآتية:

1- نموذج فنزويلا. فهناك تمّ التغيير من داخل النظام لا من خارجه، وقضى بإسقاط الرأس، بما يحمله من رمزية تشدّد تاريخية. فخامنئي وحده يشكّل الاستمرار الحقيقي لإرث آية الله الخميني. وفي الأنظمة يكون الرأس دائماً هو الجوهر، وسقوطه يؤدي عملياً إلى سقوط هذا النظام بكامله. هذا كان وضع نيكولاس مادورو، وسيكون وضع خامنئي. ولذلك، لا يمكن للأميركيين أن يوافقوا على بقاء المرشد في الحكم، لأنّ بقاء نظامه المبني على مرتكزات عقائدية يعني استحالة حصول تغيير، والأسهل أن تتمّ إزاحة خامنئي بدل السعي إلى تغيير سلوكه، خصوصاً أنّ البديل التغييري موجود في داخل الدولة، من خلال رئيسها مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يخوض بنفسه غمار المفاوضات حالياً مع ستيف ويتكوف. ويمكن أن يكون للرجلين دور في المرحلة الإيرانية الآتية، ويمكن أن يحظيا بتغطية دينية من رجال دين إصلاحيين كبار، لطالما تمّ تطويقهم وحصر نفوذهم، وبعضهم كانت له تجارب مريرة في السلطة أو مع السلطة.

كذلك، هناك طاقم واسع من الشخصيات المعتدلة في داخل السلطة، قد يكون لها دورها لاحقاً، ومنها: محمد رضا عارف النائب الأول للرئيس، والذي ​يُعتبر «الرجل الهادئ» في التيار الإصلاحي. وقد شغل منصب النائب الأول سابقاً في عهد محمد خاتمي. وكذلك، هناك محمد جواد ظريف نائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية الذي على ​رغم تعرّضه لضغوط من المتشددين بعد تولّيه المنصب، بقي مهندس سياسة الانفتاح. وهناك عبد الناصر همتي وزير الاقتصاد ومحافظ البنك المركزي السابق، ومحمد رضا ظفرقندي وزير الصحة الذي ​يُوصف بأنّه الإصلاحي الأكثر تقدّماً في الحكومة، وفرزانة صادق وزيرة الطرق والتنمية الحضرية التي تكسر بوجودها الهيمنة الذكورية على المناصب السيادية. كما أنّ هناك أسماء لا تنتمي إلى التيار الإصلاحي، لكنها تمثل الإتجاه البراغماتي الذي يقبل الحوار في اللحظة المناسبة، ومنها علي لاريجاني و​محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان، على رغم خلفيته العسكرية.

2- نموذج سوريا. فصحيح أنّ ما جرى هناك قبل نحو عام كان سقوطاً للنظام بكامله، وليس تغييراً من الداخل على الطريقة الفنزويلية، فإنّ ما حصل بعد وصول أحمد الشرع إلى الحكم كان مهمّاً جداً على مستوى توازنات القوة في الشرق الأوسط. فالأميركيون رحّبوا بالشرع، وأبلغوه أنّهم سيدعمونه ما دام يعتمد نهج التغيير والانفتاح واحترام التعدد والمشاركة الديموقراطية، إلّا أنّ اليد الإسرائيلية تولّت في الموازاة تنفيذ عملية تصفية لكل مقومات القوة العسكرية الباقية. ومع أنّ الترسانة الأسدية كانت في الإجمال محدودة وقديمة العهد، فإنّ إسرائيل واظبت على ضربها طوال أسابيع حتى مسحتها تماماً، كما تمدّدت عسكرياً إلى البقعة السورية في جبل الشيخ ومناطق أخرى في الجنوب السوري، بحيث باتت سوريا اليوم بكاملها منزوعة السلاح بالمعنى الحقيقي، ومختلة التوازن تماماً في مواجهة إسرائيل.

وهذا النموذج تريد الولايات المتحدة، وإسرائيل خصوصاً، تطبيقه في إيران أيضاً، أي: لا إمكان لتطوير القدرات النووية (إلّا إذا وُضعت تماماً في أيدي الأميركيين)، ولا مجال لبقاء منظومة الصواريخ البالستية والمسيّرات التي تهدّد أمن الشرق الأوسط وموارده النفطية والممرات البحرية، ولا يمكن القبول بارتباط بين إيران والمجموعات المسلحة في الشرق الاوسط، وخصوصاً في لبنان والعراق واليمن وغزة. وفي خلاصة تطبيق النموذج السوري في إيران، يمكن أن ترضى الولايات المتحدة وإسرائيل على الحكم الجديد في طهران، شرط أن يتخلّى عن كل فائض القوة أو فائق القوة، وهواجس التمدّد الإمبراطوري.

3- نموذج غزة ولبنان. إذا لم يتجاوب النظام الإيراني مع «الجزرة»، فإنّ إدارة دونالد ترامب أعدّت نفسها لاستخدام «العصا»، كما فعل الإسرائيليون ويفعلون، بدعم مباشر منها في غزة ولبنان. ففي هذه الحال، هي ستقوم، بالشراكة مع إسرائيل، بتنفيذ ضربات صاعقة او عمليات جراحية صادمة تستهدف أركان النظام الإيراني وكوادر الحرس الثوري، بالطرق التي تمّ فيها استهداف قادة «حماس» و«حزب الله»، بحيث يُصار إلى حذفهم من الواجهة وإتاحة المجال لبروز قيادات جديدة مستعدة للتعاون.

على الأرجح، هذه النماذج الثلاثة ستتمازج في نموذج التغيير الإيراني الذي يريده الأميركيون. ويتحمس الإسرائيليون خصوصاً للجانب المتعلق بجعل إيران بلداً منزوع القدرات العسكرية. وهذا كفيل بتفسير ما يجري اليوم، أي الوضعية العالقة بين الضربة واللاضربة. ففي الأساس، جهّز الأميركيون كل شيء لا ليضربوا حتماً، بل ليقولوا للمرشد: نحن جدّيون، وقد بدأنا التنفيذ. لكنك تستطيع الاستسلام في اللحظة الأخيرة إذا شئت.

السؤال المطروح هو: هل المرشد ضعيف إلى هذا الحدّ، بحيث إنّه مضطر إلى قبول جرعة السمّ؟

الواضح أنّ إيران معزولة ووحيدة في هذه المواجهة. فلا موسكو سُمع صوتُها ولا بكين. ربما هاجس الأولى هو أوكرانيا وشرق أوروبا قبل أي مكان آخر، فيما الثانية تفكر في تايوان وأماكن أخرى في آسيا أكثر أهمية استراتيجية لها. والأرجح أنّ تقاسماً جديداً للعالم أو تصارعاً بين القوى العظمى هو قيد التنفيذ، وستظهر خطواته يوماً بعد يوم، في الأسابيع والأشهر المقبلة.

3 نماذج «مُجرَّبة» لتغيير خامنئي

الكاتب: طوني عيسى | المصدر: الجمهورية
17 كانون الثاني 2026

واضح أنّ ترامب لن يسمح لنظام خامنئي بالاستمرار. هو أوصل الهجوم العسكري إلى اللحظة القاتلة ثم علّقه، بذريعة أنّ الخليجيين العرب والأتراك نصحوه بعدم إدخال إيران في فوضى قد تدمّر المنطقة. وقد يكون صحيحاً أنّ ترامب يراعي الحلفاء الخليجيين، ويوحي لهم أنّه يستجيب لنصائحهم، لأنّه يقبض الثمن منهم بطرق مختلفة سياسياً واقتصادياً، ولكن في الواقع، هو لن ينهي مأزق إيران إلّا بتغييرها تماماً ونزع كل مقوّمات نفوذها.

لن يكون نموذج تغيير إيران نسخة طبق الأصل عن نموذج فنزويلا، كما يعتقد البعض، بل سيكون مزيجاً من نماذج عدة شهدها الشرق الأوسط والعالم على مدى العامين الأخيرين، وهي الآتية:

1- نموذج فنزويلا. فهناك تمّ التغيير من داخل النظام لا من خارجه، وقضى بإسقاط الرأس، بما يحمله من رمزية تشدّد تاريخية. فخامنئي وحده يشكّل الاستمرار الحقيقي لإرث آية الله الخميني. وفي الأنظمة يكون الرأس دائماً هو الجوهر، وسقوطه يؤدي عملياً إلى سقوط هذا النظام بكامله. هذا كان وضع نيكولاس مادورو، وسيكون وضع خامنئي. ولذلك، لا يمكن للأميركيين أن يوافقوا على بقاء المرشد في الحكم، لأنّ بقاء نظامه المبني على مرتكزات عقائدية يعني استحالة حصول تغيير، والأسهل أن تتمّ إزاحة خامنئي بدل السعي إلى تغيير سلوكه، خصوصاً أنّ البديل التغييري موجود في داخل الدولة، من خلال رئيسها مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يخوض بنفسه غمار المفاوضات حالياً مع ستيف ويتكوف. ويمكن أن يكون للرجلين دور في المرحلة الإيرانية الآتية، ويمكن أن يحظيا بتغطية دينية من رجال دين إصلاحيين كبار، لطالما تمّ تطويقهم وحصر نفوذهم، وبعضهم كانت له تجارب مريرة في السلطة أو مع السلطة.

كذلك، هناك طاقم واسع من الشخصيات المعتدلة في داخل السلطة، قد يكون لها دورها لاحقاً، ومنها: محمد رضا عارف النائب الأول للرئيس، والذي ​يُعتبر «الرجل الهادئ» في التيار الإصلاحي. وقد شغل منصب النائب الأول سابقاً في عهد محمد خاتمي. وكذلك، هناك محمد جواد ظريف نائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية الذي على ​رغم تعرّضه لضغوط من المتشددين بعد تولّيه المنصب، بقي مهندس سياسة الانفتاح. وهناك عبد الناصر همتي وزير الاقتصاد ومحافظ البنك المركزي السابق، ومحمد رضا ظفرقندي وزير الصحة الذي ​يُوصف بأنّه الإصلاحي الأكثر تقدّماً في الحكومة، وفرزانة صادق وزيرة الطرق والتنمية الحضرية التي تكسر بوجودها الهيمنة الذكورية على المناصب السيادية. كما أنّ هناك أسماء لا تنتمي إلى التيار الإصلاحي، لكنها تمثل الإتجاه البراغماتي الذي يقبل الحوار في اللحظة المناسبة، ومنها علي لاريجاني و​محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان، على رغم خلفيته العسكرية.

2- نموذج سوريا. فصحيح أنّ ما جرى هناك قبل نحو عام كان سقوطاً للنظام بكامله، وليس تغييراً من الداخل على الطريقة الفنزويلية، فإنّ ما حصل بعد وصول أحمد الشرع إلى الحكم كان مهمّاً جداً على مستوى توازنات القوة في الشرق الأوسط. فالأميركيون رحّبوا بالشرع، وأبلغوه أنّهم سيدعمونه ما دام يعتمد نهج التغيير والانفتاح واحترام التعدد والمشاركة الديموقراطية، إلّا أنّ اليد الإسرائيلية تولّت في الموازاة تنفيذ عملية تصفية لكل مقومات القوة العسكرية الباقية. ومع أنّ الترسانة الأسدية كانت في الإجمال محدودة وقديمة العهد، فإنّ إسرائيل واظبت على ضربها طوال أسابيع حتى مسحتها تماماً، كما تمدّدت عسكرياً إلى البقعة السورية في جبل الشيخ ومناطق أخرى في الجنوب السوري، بحيث باتت سوريا اليوم بكاملها منزوعة السلاح بالمعنى الحقيقي، ومختلة التوازن تماماً في مواجهة إسرائيل.

وهذا النموذج تريد الولايات المتحدة، وإسرائيل خصوصاً، تطبيقه في إيران أيضاً، أي: لا إمكان لتطوير القدرات النووية (إلّا إذا وُضعت تماماً في أيدي الأميركيين)، ولا مجال لبقاء منظومة الصواريخ البالستية والمسيّرات التي تهدّد أمن الشرق الأوسط وموارده النفطية والممرات البحرية، ولا يمكن القبول بارتباط بين إيران والمجموعات المسلحة في الشرق الاوسط، وخصوصاً في لبنان والعراق واليمن وغزة. وفي خلاصة تطبيق النموذج السوري في إيران، يمكن أن ترضى الولايات المتحدة وإسرائيل على الحكم الجديد في طهران، شرط أن يتخلّى عن كل فائض القوة أو فائق القوة، وهواجس التمدّد الإمبراطوري.

3- نموذج غزة ولبنان. إذا لم يتجاوب النظام الإيراني مع «الجزرة»، فإنّ إدارة دونالد ترامب أعدّت نفسها لاستخدام «العصا»، كما فعل الإسرائيليون ويفعلون، بدعم مباشر منها في غزة ولبنان. ففي هذه الحال، هي ستقوم، بالشراكة مع إسرائيل، بتنفيذ ضربات صاعقة او عمليات جراحية صادمة تستهدف أركان النظام الإيراني وكوادر الحرس الثوري، بالطرق التي تمّ فيها استهداف قادة «حماس» و«حزب الله»، بحيث يُصار إلى حذفهم من الواجهة وإتاحة المجال لبروز قيادات جديدة مستعدة للتعاون.

على الأرجح، هذه النماذج الثلاثة ستتمازج في نموذج التغيير الإيراني الذي يريده الأميركيون. ويتحمس الإسرائيليون خصوصاً للجانب المتعلق بجعل إيران بلداً منزوع القدرات العسكرية. وهذا كفيل بتفسير ما يجري اليوم، أي الوضعية العالقة بين الضربة واللاضربة. ففي الأساس، جهّز الأميركيون كل شيء لا ليضربوا حتماً، بل ليقولوا للمرشد: نحن جدّيون، وقد بدأنا التنفيذ. لكنك تستطيع الاستسلام في اللحظة الأخيرة إذا شئت.

السؤال المطروح هو: هل المرشد ضعيف إلى هذا الحدّ، بحيث إنّه مضطر إلى قبول جرعة السمّ؟

الواضح أنّ إيران معزولة ووحيدة في هذه المواجهة. فلا موسكو سُمع صوتُها ولا بكين. ربما هاجس الأولى هو أوكرانيا وشرق أوروبا قبل أي مكان آخر، فيما الثانية تفكر في تايوان وأماكن أخرى في آسيا أكثر أهمية استراتيجية لها. والأرجح أنّ تقاسماً جديداً للعالم أو تصارعاً بين القوى العظمى هو قيد التنفيذ، وستظهر خطواته يوماً بعد يوم، في الأسابيع والأشهر المقبلة.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار