تجميد “الميكانيزم” واتفاق وقف النار تمهيداً لصيغة جديدة

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
20 كانون الثاني 2026

هل كان الضغط الأميركي – الإسرائيلي على لبنان لتعيين عضو مدني في لجنة “الميكانيزم” ذات المهمة العسكرية، خطوة مقصودة لدفع لبنان الذي وافق على الطلب وكلّف السفير السابق سيمون كرم هذه المهمة، إلى مزيد من التنازلات على طريق الاستدراج خطوة بخطوة، من أجل الجلوس إلى الطاولة والتفاوض على اتفاق جديد؟

 

كل المؤشرات التي سجلتها الأيام القليلة الماضية تعزز هذا الانطباع. فمن عودة اللجنة الخماسية إلى التحرك، وغياب الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس عن لبنان للمشاركة في اجتماعات اللجنة، وصولاً إلى العجز عن الاتفاق على موعد لانعقادها، وسفر رئيسها الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، وعدم قدرة اللجنة على مواكبتها، ثم التسريبات المتصلة بتباين فرنسي – أميركي واضح حيال الرغبة الفرنسية في دور عملي أوسع، كلها مؤشرات واضحة للطبخة الأميركية – الإسرائيلية الجاري طبخها على نار هادئة لتعطيل عمل اللجنة أولاً، تمهيداً لنعيها بعد انتفاء دورها ومهماتها في ظل النية الواضحة عند تل أبيب- ولا تخالفها واشنطن- لإسقاط اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في السابع والعشرين من تشرين الثاني ٢٠٢٤.

 

المؤكد وفق المعلومات المتوافرة أن لا اجتماع للجنة حاليا، لا قريباً ولا في موعد يحدد لاحقاً، في ظل عمل خفي يرسم المشهد السياسي للمرحلة المقبلة: إسقاط الاتفاق عبر امتناع كامل لإسرائيل عن تطبيقه. والمعلوم أن إسرائيل عندما وافقت على الاتفاق، فعلت ذلك على قاعدة أن “حزب الله” لن يوافق، وقد جاءت موافقته مفاجأة لها ولواشنطن. حتى إن التزام الحزب بنود الاتفاق لا يزال يشكل مفاجأة في ظل استمرار قيادته بإنكار ذلك ورفض تسليم السلاح.

 

في موازاة إسقاط الاتفاق، جهدت تل أبيب لتعطيل مهمة القوة الدولية في الجنوب، وتطفيشها. وقد بدأت القوة فعلا بتنفيذ مرحلة الانسحاب، فتم سحب نحو ٢٥٠٠ عنصر منذ صدور القرار الأممي، فيما خُفضت ميزانيتها بنسبة تراوح بين ٢٥ و٣٠ في المئة.

 

أمام هذه المشهدية، مجموعة تساؤلات تطرح يمكن إيرادها كالآتي:

– هل يدفع الضغط الاميركي – الإسرائيلي الدولة اللبنانية إلى السير باتفاق جديد؟ وما ستكون طبيعته؟

– هل انتهى فعلاً الدور الاممي في لبنان بانسحاب “اليونيفيل”، وخلت الساحة للدور الأميركي حصراً، أو أقله للرعاية الأميركية التي يمكن أن تترجم دوراً أوروبياً مشروطاً؟

– هل يستند الاتفاق الجديد إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام ١٩٤٩، بحيث يصار إلى تعديلها وتحديثها نحو اتفاق عدم اعتداء يكون بمثابة شكل من أشكال الهدنة؟

 

المؤكد وفق المعلومات أن لبنان يسير نحو اتفاق جديد، وإن لم تتبلور ملامحه بعد. ذلك أن كل المؤشرات تتقاطع حول التوطئة لقرار جديد يبدأ ربما من مجلس الأمن لتسليم قوات جديدة حفظ الأمن، وذلك بعدما أعلنت دول أوروبية عدة رغبتها في البقاء والاستمرار في مهماتها. قد يحصل ذلك عبر قرار أممي أو حتى أوروبي بحت صادر عن الاتحاد الاوروبي برعاية وغطاء أميركيين.
والواقع أن مصلحة لبنان تقتضي الحفاظ على المظلة الأممية، بحيث يكون أي وجود لأي قوات أوروبية أو متعددة الجنسية تحت الراية الأممية.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن رئيس الجمهورية كان أعطى إشارات في هذا السياق في حديثه التلفزيوني الأخير.

 

ولا يستبعد أن يكون البحث في تعديل اتفاقية الهدنة جدياً جداً لتكون البديل من اتفاق وقف النار. أما “الميكانيزم”، فقد تبلغ لبنان عبر القنوات الديبلوماسية أنه لم يعد هناك رغبة في استمرار عملها، وأن على لبنان أن يدرس جديا مقترح التفاوض مع إسرائيل على مستوى وزاري برعاية أميركية.

 

لا يزال لبنان يتكتم عن هذا المقترح، في سعي إلى إسقاطه وإحياء اللجنة الثلاثية على الأقل، إذا تعذر إبقاء لجنة “الميكانيزم” كما هو حاصل الآن. وهو يسعى إلى كسب بعض الوقت في انتظار ما يمكن أن يتضح من الإحاطة المقبلة في مجلس الأمن بعد نحو ستة أشهر، لاستكشاف ما يمكن أن تنضجه المساعي الديبلوماسية الجارية عقب زيارتي الاستكشاف اللتين قام بهما كل من الوفد الموسع لمجلس الأمن قبل اسابيع، ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان – بيار لاكروا، حيث كان التركيز على مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، وكيف يمكن تلافي أي فراغ أمني سيحصل في الجنوب في ظل الصعوبات التي تواجه الجيش في استكمال انتشاره وتوسيعه.

تجميد “الميكانيزم” واتفاق وقف النار تمهيداً لصيغة جديدة

الكاتب: سابين عويس | المصدر: النهار
20 كانون الثاني 2026

هل كان الضغط الأميركي – الإسرائيلي على لبنان لتعيين عضو مدني في لجنة “الميكانيزم” ذات المهمة العسكرية، خطوة مقصودة لدفع لبنان الذي وافق على الطلب وكلّف السفير السابق سيمون كرم هذه المهمة، إلى مزيد من التنازلات على طريق الاستدراج خطوة بخطوة، من أجل الجلوس إلى الطاولة والتفاوض على اتفاق جديد؟

 

كل المؤشرات التي سجلتها الأيام القليلة الماضية تعزز هذا الانطباع. فمن عودة اللجنة الخماسية إلى التحرك، وغياب الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس عن لبنان للمشاركة في اجتماعات اللجنة، وصولاً إلى العجز عن الاتفاق على موعد لانعقادها، وسفر رئيسها الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، إلى استمرار الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، وعدم قدرة اللجنة على مواكبتها، ثم التسريبات المتصلة بتباين فرنسي – أميركي واضح حيال الرغبة الفرنسية في دور عملي أوسع، كلها مؤشرات واضحة للطبخة الأميركية – الإسرائيلية الجاري طبخها على نار هادئة لتعطيل عمل اللجنة أولاً، تمهيداً لنعيها بعد انتفاء دورها ومهماتها في ظل النية الواضحة عند تل أبيب- ولا تخالفها واشنطن- لإسقاط اتفاق وقف الأعمال العدائية الموقع في السابع والعشرين من تشرين الثاني ٢٠٢٤.

 

المؤكد وفق المعلومات المتوافرة أن لا اجتماع للجنة حاليا، لا قريباً ولا في موعد يحدد لاحقاً، في ظل عمل خفي يرسم المشهد السياسي للمرحلة المقبلة: إسقاط الاتفاق عبر امتناع كامل لإسرائيل عن تطبيقه. والمعلوم أن إسرائيل عندما وافقت على الاتفاق، فعلت ذلك على قاعدة أن “حزب الله” لن يوافق، وقد جاءت موافقته مفاجأة لها ولواشنطن. حتى إن التزام الحزب بنود الاتفاق لا يزال يشكل مفاجأة في ظل استمرار قيادته بإنكار ذلك ورفض تسليم السلاح.

 

في موازاة إسقاط الاتفاق، جهدت تل أبيب لتعطيل مهمة القوة الدولية في الجنوب، وتطفيشها. وقد بدأت القوة فعلا بتنفيذ مرحلة الانسحاب، فتم سحب نحو ٢٥٠٠ عنصر منذ صدور القرار الأممي، فيما خُفضت ميزانيتها بنسبة تراوح بين ٢٥ و٣٠ في المئة.

 

أمام هذه المشهدية، مجموعة تساؤلات تطرح يمكن إيرادها كالآتي:

– هل يدفع الضغط الاميركي – الإسرائيلي الدولة اللبنانية إلى السير باتفاق جديد؟ وما ستكون طبيعته؟

– هل انتهى فعلاً الدور الاممي في لبنان بانسحاب “اليونيفيل”، وخلت الساحة للدور الأميركي حصراً، أو أقله للرعاية الأميركية التي يمكن أن تترجم دوراً أوروبياً مشروطاً؟

– هل يستند الاتفاق الجديد إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام ١٩٤٩، بحيث يصار إلى تعديلها وتحديثها نحو اتفاق عدم اعتداء يكون بمثابة شكل من أشكال الهدنة؟

 

المؤكد وفق المعلومات أن لبنان يسير نحو اتفاق جديد، وإن لم تتبلور ملامحه بعد. ذلك أن كل المؤشرات تتقاطع حول التوطئة لقرار جديد يبدأ ربما من مجلس الأمن لتسليم قوات جديدة حفظ الأمن، وذلك بعدما أعلنت دول أوروبية عدة رغبتها في البقاء والاستمرار في مهماتها. قد يحصل ذلك عبر قرار أممي أو حتى أوروبي بحت صادر عن الاتحاد الاوروبي برعاية وغطاء أميركيين.
والواقع أن مصلحة لبنان تقتضي الحفاظ على المظلة الأممية، بحيث يكون أي وجود لأي قوات أوروبية أو متعددة الجنسية تحت الراية الأممية.

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن رئيس الجمهورية كان أعطى إشارات في هذا السياق في حديثه التلفزيوني الأخير.

 

ولا يستبعد أن يكون البحث في تعديل اتفاقية الهدنة جدياً جداً لتكون البديل من اتفاق وقف النار. أما “الميكانيزم”، فقد تبلغ لبنان عبر القنوات الديبلوماسية أنه لم يعد هناك رغبة في استمرار عملها، وأن على لبنان أن يدرس جديا مقترح التفاوض مع إسرائيل على مستوى وزاري برعاية أميركية.

 

لا يزال لبنان يتكتم عن هذا المقترح، في سعي إلى إسقاطه وإحياء اللجنة الثلاثية على الأقل، إذا تعذر إبقاء لجنة “الميكانيزم” كما هو حاصل الآن. وهو يسعى إلى كسب بعض الوقت في انتظار ما يمكن أن يتضح من الإحاطة المقبلة في مجلس الأمن بعد نحو ستة أشهر، لاستكشاف ما يمكن أن تنضجه المساعي الديبلوماسية الجارية عقب زيارتي الاستكشاف اللتين قام بهما كل من الوفد الموسع لمجلس الأمن قبل اسابيع، ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان – بيار لاكروا، حيث كان التركيز على مرحلة ما بعد “اليونيفيل”، وكيف يمكن تلافي أي فراغ أمني سيحصل في الجنوب في ظل الصعوبات التي تواجه الجيش في استكمال انتشاره وتوسيعه.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار