كيف سيتعاطى النواب مع “التدقيق”؟

الكاتب: انطوان فرح | المصدر: نداء الوطن
5 كانون الثاني 2026

ماذا إذا جمّدنا مشروع قانون الفجوة الماليّة لبضعة أسابيع أو أشهر، واستكملنا التدقيق الجنائيّ في مصرف لبنان، وفي الوزارات التي تتفرّع منه، وعلى تماس عمليّ معه، وصولًا إلى بعض المؤسّسات العامة، وبعد ذلك عدنا إلى دراسة وإقرار قانون الانتظام الماليّ واسترداد الودائع؟

هذا السؤال يكاد يتحوّل إلى اقتراح، أو إلى جزء من دعوى قد يرفعها القطاع المالي ضد الحكومة في مجلس شورى الدولة لتصحيح مسار مشروع القانون المسخ، الذي خرجت به الحكومة على عجل، وكأنها تريد أن تُثبت أن عجزها في ملف حصرية السلاح لا ينسحب على الملف الماليّ. لكنها فشلت مرّتين: مرّة في إثبات استقلاليتها في القرار المالي، ومرة أخرى في إثبات قصر نظرها في المجال الماليّ والاقتصاديّ. والبعض يعتبر أن الفشل الأوّل والأهمّ يتعلّق بطريقة تعاطيها مع حقوق الناس، ومع مستقبل الاقتصاد الوطني في السنوات المقبلة.

ما هو مطلوب من النواب لدى البدء بمناقشة المشروع الوارد من الحكومة، هو أن يفكّروا مليًّا في موضوع استكمال التدقيق الجنائيّ للبناء عليه في الحلّ والمحاسبة.

وإذا كان البعض في المجلس يستصعب الانتظار لاستكمال التدقيق، يمكن الاكتفاء في المرحلة الأولى بمناقشة التقرير الذي صدر عن “ألفاريز ومرسال”، والاستعانة بخبراء لتفسير مضمونه، ودراسة النتائج والأرقام التي أفرزها. إذا تمّ هذا الأمر بجديّة وموضوعية، فمن المؤكد أن النواب لن يتجاوزوا النتائج التي سيطّلعون عليها.

وبالمناسبة، من المعيب أن تكون الحكومة الحريصة على سمعتها غائبة عن السمع في هذا الموضوع. وحريّ بها، ولديها كفاءات وزارية مشهود لها في القضايا المالية والقانونية، أن تكون أنجزت كسلطة تنفيذيّة دراسة نتائج التدقيق الجنائي الذي “طبّلنا وزمّرنا” من أجل إجرائه، ومن ثمّ وضعناه في الأدراج المعتمة، وفتحنا المجال لكلّ أنواع التفسيرات، حتى تحوّل هذا التدقيق ونتائجه إلى وجهات نظر متضاربة يتسلّى بها البعض من على المنابر وعبر الإعلام.

ما هو مطلوب من النواب، هو أن يدركوا أن المشروع كما هو وارد من الحكومة غير قابل للحياة، بشهادة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد الذي كان لائقًا أكثر من اللازم عندما وصف بعض مفاصل القانون بأنها طموحة، في حين أن التوصيف الحقيقي الذي امتنع عن إعطائه هو أن القانون غير قابل للتنفيذ.

لا تستطيع أيّ سلطة في العالم أن تسلب الناس أموالهم بالطريقة التي نفذتها السلطات اللبنانية، ومن ثمّ تدّعي أنها الحكم الذي يريد أن يُصدر الأحكام لفض نزاع بين أطراف مسؤولة عن الانهيار. وهذا التوصيف أيضًا ليس صادرًا عن المودعين، بل هو ترجمة لما أعلنه مجلس شورى الدولة في قراره الشهير الذي أبطل محاولات حكومية سابقة للتملّص من مسؤولية تسديد جزء من التزاماتها، وبالتالي، يمكن الاستناد إلى مضمون هذا الحُكم والانطلاق منه لمناقشة مشروع الفجوة.

في النتيجة، يمتلك المجلس فرصة تاريخية لتغيير الصورة النمطية التي يمتلكها المواطن في عقله الباطني حيال فعالية كلّ مؤسّسات الدولة، ويمكنه الخروج بمعالجة عملية وعلمية ومنطقية للأزمة العالقة منذ ست سنوات، تعيد الحقوق إلى أصحابها، وتضمن استعادة الثقة بمستقبل الاقتصاد، وتمهّد الطريق لنهضة سريعة تلي الحلّ، إذا قُدّر وسارت قضية سيادة الدولة في الطريق الذي يتمناه اللبنانيون.

كيف سيتعاطى النواب مع “التدقيق”؟

الكاتب: انطوان فرح | المصدر: نداء الوطن
5 كانون الثاني 2026

ماذا إذا جمّدنا مشروع قانون الفجوة الماليّة لبضعة أسابيع أو أشهر، واستكملنا التدقيق الجنائيّ في مصرف لبنان، وفي الوزارات التي تتفرّع منه، وعلى تماس عمليّ معه، وصولًا إلى بعض المؤسّسات العامة، وبعد ذلك عدنا إلى دراسة وإقرار قانون الانتظام الماليّ واسترداد الودائع؟

هذا السؤال يكاد يتحوّل إلى اقتراح، أو إلى جزء من دعوى قد يرفعها القطاع المالي ضد الحكومة في مجلس شورى الدولة لتصحيح مسار مشروع القانون المسخ، الذي خرجت به الحكومة على عجل، وكأنها تريد أن تُثبت أن عجزها في ملف حصرية السلاح لا ينسحب على الملف الماليّ. لكنها فشلت مرّتين: مرّة في إثبات استقلاليتها في القرار المالي، ومرة أخرى في إثبات قصر نظرها في المجال الماليّ والاقتصاديّ. والبعض يعتبر أن الفشل الأوّل والأهمّ يتعلّق بطريقة تعاطيها مع حقوق الناس، ومع مستقبل الاقتصاد الوطني في السنوات المقبلة.

ما هو مطلوب من النواب لدى البدء بمناقشة المشروع الوارد من الحكومة، هو أن يفكّروا مليًّا في موضوع استكمال التدقيق الجنائيّ للبناء عليه في الحلّ والمحاسبة.

وإذا كان البعض في المجلس يستصعب الانتظار لاستكمال التدقيق، يمكن الاكتفاء في المرحلة الأولى بمناقشة التقرير الذي صدر عن “ألفاريز ومرسال”، والاستعانة بخبراء لتفسير مضمونه، ودراسة النتائج والأرقام التي أفرزها. إذا تمّ هذا الأمر بجديّة وموضوعية، فمن المؤكد أن النواب لن يتجاوزوا النتائج التي سيطّلعون عليها.

وبالمناسبة، من المعيب أن تكون الحكومة الحريصة على سمعتها غائبة عن السمع في هذا الموضوع. وحريّ بها، ولديها كفاءات وزارية مشهود لها في القضايا المالية والقانونية، أن تكون أنجزت كسلطة تنفيذيّة دراسة نتائج التدقيق الجنائي الذي “طبّلنا وزمّرنا” من أجل إجرائه، ومن ثمّ وضعناه في الأدراج المعتمة، وفتحنا المجال لكلّ أنواع التفسيرات، حتى تحوّل هذا التدقيق ونتائجه إلى وجهات نظر متضاربة يتسلّى بها البعض من على المنابر وعبر الإعلام.

ما هو مطلوب من النواب، هو أن يدركوا أن المشروع كما هو وارد من الحكومة غير قابل للحياة، بشهادة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد الذي كان لائقًا أكثر من اللازم عندما وصف بعض مفاصل القانون بأنها طموحة، في حين أن التوصيف الحقيقي الذي امتنع عن إعطائه هو أن القانون غير قابل للتنفيذ.

لا تستطيع أيّ سلطة في العالم أن تسلب الناس أموالهم بالطريقة التي نفذتها السلطات اللبنانية، ومن ثمّ تدّعي أنها الحكم الذي يريد أن يُصدر الأحكام لفض نزاع بين أطراف مسؤولة عن الانهيار. وهذا التوصيف أيضًا ليس صادرًا عن المودعين، بل هو ترجمة لما أعلنه مجلس شورى الدولة في قراره الشهير الذي أبطل محاولات حكومية سابقة للتملّص من مسؤولية تسديد جزء من التزاماتها، وبالتالي، يمكن الاستناد إلى مضمون هذا الحُكم والانطلاق منه لمناقشة مشروع الفجوة.

في النتيجة، يمتلك المجلس فرصة تاريخية لتغيير الصورة النمطية التي يمتلكها المواطن في عقله الباطني حيال فعالية كلّ مؤسّسات الدولة، ويمكنه الخروج بمعالجة عملية وعلمية ومنطقية للأزمة العالقة منذ ست سنوات، تعيد الحقوق إلى أصحابها، وتضمن استعادة الثقة بمستقبل الاقتصاد، وتمهّد الطريق لنهضة سريعة تلي الحلّ، إذا قُدّر وسارت قضية سيادة الدولة في الطريق الذي يتمناه اللبنانيون.

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار