خاص – حتى لا يعيد التاريخ نفسه.. إسحبوا الجيش من الجنوب

في تشرين الاول من العام 1976، تم تعيين الرائد سعد حداد قائداً لقطاع الجنوب في الجيش اللبناني، ووقّع على كتاب التعيين رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية الذي أعطاه صلاحية المحافظة على النظام والأمن لجميع سكان منطقة الجنوب.
جاء تعيين الرائد حداد في أعقاب قيام “جيش لبنان العربي” المنشق عن الجيش اللبناني، بالتعاون مع بعض الفصائل الفلسطينية، بقطع الكهرباء والمياه والتموين عن منطقتي القليعة ومَرْجعيون وبنت جبيل ورميش ذات الأغلبية المسيحية والتي كانت تحت سيطرة الجيش اللبناني، وكان الهدف من تعيين حداد حماية هذه المناطق من الممارسات الفلسطينية ومنع تمدّد هذه الفصائل باتجاه الحدود.
ظل الرائد حداد ينسق مع قيادة الجيش والحكومة اللبنانية حتى بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول للجنوب عام 1978، بدليل أنه لم يتم تجريده من وظيفته وإحالته على المحاكمة إلا في 18 نيسان عام 1979 بموجب مرسوم جمهوري يحمل الرقم 1942.
بعد نصف قرن من هذه الأحداث، ما زال الجدل قائمًا بين من يعتبر الرائد سعد حداد بطلًا قوميًا نفّذ أوامر قيادته فحمى القرى الحدودية المسيحية من مجازر كانت تستهدفها على غرار مجزرتي الدامور والعيشية وغيرها، وبين من يعتبره عميلًا لإسرائيل لأنه نسّق مع جيش الاحتلال لحماية المواطنين اللبنانيين. واللافت في هذا السياق أن هذه الفئة تناست تعاملها مع منظمة التحرير الفلسطينية ثم مع سوريا وإيران.. فإسرائيل.
إلا أن الأهم أن القضاء حسم هذا الأمر، ولو بعد حين، عندما صدر عن مجلس شورى الدولة قرار في 4 كانون الأول 1984 أعيدت بموجبه للرائد حداد حقوقه المدنية والعسكرية كاملة.
بعد نحو نصف قرن من الحروب والأحداث المتعاقبة على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، دار التاريخ دورة كاملة ليعود فيضع الجيش أمام معضلة مصيرية، وإن كانت ظروفها مختلفة. فقد أبلغت قيادة الجيش الحكومة في جلستها الأخيرة أنها انتهت من تنفيذ المرحلة الأولى من قرار حصر السلاح بيد الدولة في منطقة جنوب الليطاني، وطلبت مهلة حتى شباط المقبل لوضع خطة للمرحلة الثانية من حصرية السلاح وعرضها على مجلس الوزراء.
تقرير قيادة الجيش الذي لقي ترحيبًا واسعًا من معظم الأطراف الداخلية والخارجية، ظل محل تشكيك في واشنطن وتل أبيب اللتين اعتبرتا ان الجيش قام بما يستطيع، إلا أن ما قام به غير كاف لنزع سلاح “حزب الله” في مدة زمنية محدّدة. هذه المواقف التي ترافقت مع تجديد “حزب الله” التأكيد على التمسك بسلاحه شمال الليطاني، واكبتها أيضًا استعدادات عسكرية إسرائيلية لافتة توحي باقتراب موعد استئناف الحرب على لبنان.
هذه الحرب التي باتت شبه مؤكدة، بعيدًا عن التطمينات بتراجع احتمالات حصولها، وبغض النظر عن موعدها المضبوط على التوقيت الإسرائيلي فقط، ستضع عشرة آلاف ضابط وجندي لبناني ينتشرون في منطقة جنوب الليطاني في موقف كارثي، وخاصة اذا قررت اسرائيل تنفيذ اجتياح بري قد يصل الى نهر الأولي. في هذه الحالة سيكون الجيش أمام احتمال من ثلاثة، أحلاها مرّ:
-البقاء في مواقعه وتنفيذ أوامر القيادة بصد العدوان فيكون أمام حرب غير متكافئة، ويكون مصيره بالتالي مرتبطًا بالكامل بمصير “حزب الله” ليس فقط في الجنوب بل في كل لبنان.
-تنفيذ انسحاب تكتيكي سريع من المنطقة بالتنسيق مع الميكانيزم وإسرائيل، وهو ما لن يشكل بالتأكيد موقفًا مشرّفًا لجيش لم يقاوم قوات معادية تهاجم أرضه.
-البقاء في مواقعه والرضوخ لأحكام التاريخ الذي قد يكرر نفسه، فتكون قوّة من الجيش مضطرة للتعاون مع المحتلّ لتأمين سلامة الأهالي والحدّ من الأضرار في المنطقة المحتلة، ليعود بعدها من أدخل لبنان في الحرب الى اتهام هذه القوة وقائدها بالعمالة لإسرائيل.
وبما أن الخيارات الثلاثة أسوأ من بعضها البعض، وبما أن قيادة الجيش أعلنت تنفيذ المهمة المكلفة بها جنوب الليطاني، وفي ضوء التطورات الميدانية المتسارعة، وإذا أصرّ “حزب الله” على عدم تسليم سلاحه دافعًا لبنان الى حرب جديدة من حروبه العبثية، بات لزامًا على قيادة الجيش التفكير جديًا، وبسرعة، بإمكان سحب القوات المنتشرة في الجنوب، مع الاكتفاء بمراكز مراقبة حدودية بسيطة لا تشكل ضربة قاسية للمؤسسة العسكرية في حال حصول اجتياح اسرائيلي.
القرار صعب بالتأكيد، والأرجح أن الحكومة وقيادة الجيش لن تتمكنا من اتخاذه بسبب الضغوط الداخلية التي ستتعرضان لها، إلا أن كلفة عدم اتخاذه ستكون مرتفعة جدًا لدرجة أنها قد تكون كارثية على لبنان.
خاص – حتى لا يعيد التاريخ نفسه.. إسحبوا الجيش من الجنوب

في تشرين الاول من العام 1976، تم تعيين الرائد سعد حداد قائداً لقطاع الجنوب في الجيش اللبناني، ووقّع على كتاب التعيين رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية الذي أعطاه صلاحية المحافظة على النظام والأمن لجميع سكان منطقة الجنوب.
جاء تعيين الرائد حداد في أعقاب قيام “جيش لبنان العربي” المنشق عن الجيش اللبناني، بالتعاون مع بعض الفصائل الفلسطينية، بقطع الكهرباء والمياه والتموين عن منطقتي القليعة ومَرْجعيون وبنت جبيل ورميش ذات الأغلبية المسيحية والتي كانت تحت سيطرة الجيش اللبناني، وكان الهدف من تعيين حداد حماية هذه المناطق من الممارسات الفلسطينية ومنع تمدّد هذه الفصائل باتجاه الحدود.
ظل الرائد حداد ينسق مع قيادة الجيش والحكومة اللبنانية حتى بعد الاجتياح الإسرائيلي الأول للجنوب عام 1978، بدليل أنه لم يتم تجريده من وظيفته وإحالته على المحاكمة إلا في 18 نيسان عام 1979 بموجب مرسوم جمهوري يحمل الرقم 1942.
بعد نصف قرن من هذه الأحداث، ما زال الجدل قائمًا بين من يعتبر الرائد سعد حداد بطلًا قوميًا نفّذ أوامر قيادته فحمى القرى الحدودية المسيحية من مجازر كانت تستهدفها على غرار مجزرتي الدامور والعيشية وغيرها، وبين من يعتبره عميلًا لإسرائيل لأنه نسّق مع جيش الاحتلال لحماية المواطنين اللبنانيين. واللافت في هذا السياق أن هذه الفئة تناست تعاملها مع منظمة التحرير الفلسطينية ثم مع سوريا وإيران.. فإسرائيل.
إلا أن الأهم أن القضاء حسم هذا الأمر، ولو بعد حين، عندما صدر عن مجلس شورى الدولة قرار في 4 كانون الأول 1984 أعيدت بموجبه للرائد حداد حقوقه المدنية والعسكرية كاملة.
بعد نحو نصف قرن من الحروب والأحداث المتعاقبة على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية، دار التاريخ دورة كاملة ليعود فيضع الجيش أمام معضلة مصيرية، وإن كانت ظروفها مختلفة. فقد أبلغت قيادة الجيش الحكومة في جلستها الأخيرة أنها انتهت من تنفيذ المرحلة الأولى من قرار حصر السلاح بيد الدولة في منطقة جنوب الليطاني، وطلبت مهلة حتى شباط المقبل لوضع خطة للمرحلة الثانية من حصرية السلاح وعرضها على مجلس الوزراء.
تقرير قيادة الجيش الذي لقي ترحيبًا واسعًا من معظم الأطراف الداخلية والخارجية، ظل محل تشكيك في واشنطن وتل أبيب اللتين اعتبرتا ان الجيش قام بما يستطيع، إلا أن ما قام به غير كاف لنزع سلاح “حزب الله” في مدة زمنية محدّدة. هذه المواقف التي ترافقت مع تجديد “حزب الله” التأكيد على التمسك بسلاحه شمال الليطاني، واكبتها أيضًا استعدادات عسكرية إسرائيلية لافتة توحي باقتراب موعد استئناف الحرب على لبنان.
هذه الحرب التي باتت شبه مؤكدة، بعيدًا عن التطمينات بتراجع احتمالات حصولها، وبغض النظر عن موعدها المضبوط على التوقيت الإسرائيلي فقط، ستضع عشرة آلاف ضابط وجندي لبناني ينتشرون في منطقة جنوب الليطاني في موقف كارثي، وخاصة اذا قررت اسرائيل تنفيذ اجتياح بري قد يصل الى نهر الأولي. في هذه الحالة سيكون الجيش أمام احتمال من ثلاثة، أحلاها مرّ:
-البقاء في مواقعه وتنفيذ أوامر القيادة بصد العدوان فيكون أمام حرب غير متكافئة، ويكون مصيره بالتالي مرتبطًا بالكامل بمصير “حزب الله” ليس فقط في الجنوب بل في كل لبنان.
-تنفيذ انسحاب تكتيكي سريع من المنطقة بالتنسيق مع الميكانيزم وإسرائيل، وهو ما لن يشكل بالتأكيد موقفًا مشرّفًا لجيش لم يقاوم قوات معادية تهاجم أرضه.
-البقاء في مواقعه والرضوخ لأحكام التاريخ الذي قد يكرر نفسه، فتكون قوّة من الجيش مضطرة للتعاون مع المحتلّ لتأمين سلامة الأهالي والحدّ من الأضرار في المنطقة المحتلة، ليعود بعدها من أدخل لبنان في الحرب الى اتهام هذه القوة وقائدها بالعمالة لإسرائيل.
وبما أن الخيارات الثلاثة أسوأ من بعضها البعض، وبما أن قيادة الجيش أعلنت تنفيذ المهمة المكلفة بها جنوب الليطاني، وفي ضوء التطورات الميدانية المتسارعة، وإذا أصرّ “حزب الله” على عدم تسليم سلاحه دافعًا لبنان الى حرب جديدة من حروبه العبثية، بات لزامًا على قيادة الجيش التفكير جديًا، وبسرعة، بإمكان سحب القوات المنتشرة في الجنوب، مع الاكتفاء بمراكز مراقبة حدودية بسيطة لا تشكل ضربة قاسية للمؤسسة العسكرية في حال حصول اجتياح اسرائيلي.
القرار صعب بالتأكيد، والأرجح أن الحكومة وقيادة الجيش لن تتمكنا من اتخاذه بسبب الضغوط الداخلية التي ستتعرضان لها، إلا أن كلفة عدم اتخاذه ستكون مرتفعة جدًا لدرجة أنها قد تكون كارثية على لبنان.














