خاص- الغموض الانتخابي القاتل!

بين من يجزم بأنّ الانتخابات النيابية اللبنانية باتت بحكم المؤجلة، ومَن يصرّ على أنها ستُجرى وفقاً للقانون الحالي مهما اشتدّت الأزمات، تقف الحياة السياسية عند مفترق بالغ الحساسية. فالمشهد داخل الأحزاب والكتل يكشف إرباكًا غير مسبوق: مجموعات جمّدت حركتها الانتخابية تمامًا بانتظار وضوح الصورة، وأخرى تعمل في الظلّ ببرودة أعصاب لتثبيت مرشّحيها ورسم تحالفاتها، وكأنّ البلد يعيش انتخاباتٍ سرّية لا انتخابات علنيّة.
المفارقة أنّ هذا الجو المشحون يعيد إنتاج المناخ نفسه الذي سبق الانتخابات البلدية العام المنصرم، حين راهن كثيرون على تأجيلٍ بدا في حينه “بحكم المؤكّد”، قبل أن تفاجئهم صناديق الاقتراع. اليوم، يُعاد المشهد نفسه، رغبات واسعة في التأجيل، يقابلها احتمال كبير بأن تجرى الانتخابات في موعدها، ما يطرح السؤال الحتمي، لماذا كل هذا الغموض المصطنع القاتل حول استحقاق دستوري يفترض أن يكون بديهيًّا؟
الحقيقة أنّ هذا الغموض ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لتراكمات سياسية باتت تتحكّم بمنطق الدولة. فالسلطة في لبنان تحوّلت إلى منظومة هشّة تعيش على التسويات المؤقتة، وتتعامل مع أي استحقاق بما فيه الانتخابات باعتباره ورقة ضغط لا واجبًا دستوريًا.
في ظلّ الانهيار الاقتصادي وانعدام الثقة في المؤسسات، تصبح الانتخابات مجرّد تفصيل قابل للتجميد متى تتعارض مع مصالح القوى النافذة.
وفوق ذلك، تتعاطى بعض الأحزاب مع الاستحقاق بمنطق الحسابات البحتة، فمن يخشى التراجع يفضّل التأجيل، ومن يضمن المكسب يستعجل الموعد. هذا التباين الحادّ يجعل من الضبابية وسيلة إدارة سياسية، لا نتيجة ظروف تقنية. فالتردّد الذي نراه ليس بريئًا؛ بل هو انعكاس لحسابات انتخابية ضيّقة تخشى صدمة صناديق الاقتراع.
ولا يمكن إغفال البُعد الخارجي الذي يثقل دائمًا على السياسة اللبنانية. فترابط الوضع الداخلي مع التعقيدات الإقليمية يجعل مواعيد الانتخابات رهينة إيقاع الخارج أكثر مما هي رهينة القرار الوطني. وهذا ما يزيد من منسوب الهشاشة، ويحوّل الانتخابات من حق دستوري ثابت إلى احتمالٍ معلّق بين قرار داخلي غير محسوم وانتظارات إقليمية مفتوحة.
في المحصّلة، نصيحة لجميع القوى والأحزاب السياسية والشخصيات المستقلة لا يمكن التعامل مع الانتخابات النيابية كفرضية قابلة للتأجيل كلّما تبدّلت الظروف أو اختلّت الحسابات. فالاستحقاق الدستوري إمّا يُحترم وإمّا يُفرَّغ من مضمونه، ولا مساحة رمادية بين الأمرين. التجربة اللبنانية أثبتت أنّ المراهنة على التعطيل ليست سياسة ناجعة، وإنما هروب من المحاسبة، وأنّ الانتظار لا يحمي القوى المتردّدة عندما تُفتح صناديق الاقتراع.
من هنا، يصبح المثل القائل «اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا» توصيفًا دقيقًا لما ينبغي أن يكون عليه السلوك السياسي اليوم. فمَن يريد تأجيل الانتخابات يتصرّف وكأن الاستحقاق لن يأتي، ومَن يستعدّ له يدرك أنّ الموعد قد يفرض نفسه في أي لحظة. وفي بلد كلبنان، حيث المفاجآت قاعدة لا استثناء، وحدهم الجاهزون سياسيًا يحصدون ثمرة جهودهم، فيما يدفع المتردّدون ثمن الرهان الخاطئ
خاص- الغموض الانتخابي القاتل!

بين من يجزم بأنّ الانتخابات النيابية اللبنانية باتت بحكم المؤجلة، ومَن يصرّ على أنها ستُجرى وفقاً للقانون الحالي مهما اشتدّت الأزمات، تقف الحياة السياسية عند مفترق بالغ الحساسية. فالمشهد داخل الأحزاب والكتل يكشف إرباكًا غير مسبوق: مجموعات جمّدت حركتها الانتخابية تمامًا بانتظار وضوح الصورة، وأخرى تعمل في الظلّ ببرودة أعصاب لتثبيت مرشّحيها ورسم تحالفاتها، وكأنّ البلد يعيش انتخاباتٍ سرّية لا انتخابات علنيّة.
المفارقة أنّ هذا الجو المشحون يعيد إنتاج المناخ نفسه الذي سبق الانتخابات البلدية العام المنصرم، حين راهن كثيرون على تأجيلٍ بدا في حينه “بحكم المؤكّد”، قبل أن تفاجئهم صناديق الاقتراع. اليوم، يُعاد المشهد نفسه، رغبات واسعة في التأجيل، يقابلها احتمال كبير بأن تجرى الانتخابات في موعدها، ما يطرح السؤال الحتمي، لماذا كل هذا الغموض المصطنع القاتل حول استحقاق دستوري يفترض أن يكون بديهيًّا؟
الحقيقة أنّ هذا الغموض ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لتراكمات سياسية باتت تتحكّم بمنطق الدولة. فالسلطة في لبنان تحوّلت إلى منظومة هشّة تعيش على التسويات المؤقتة، وتتعامل مع أي استحقاق بما فيه الانتخابات باعتباره ورقة ضغط لا واجبًا دستوريًا.
في ظلّ الانهيار الاقتصادي وانعدام الثقة في المؤسسات، تصبح الانتخابات مجرّد تفصيل قابل للتجميد متى تتعارض مع مصالح القوى النافذة.
وفوق ذلك، تتعاطى بعض الأحزاب مع الاستحقاق بمنطق الحسابات البحتة، فمن يخشى التراجع يفضّل التأجيل، ومن يضمن المكسب يستعجل الموعد. هذا التباين الحادّ يجعل من الضبابية وسيلة إدارة سياسية، لا نتيجة ظروف تقنية. فالتردّد الذي نراه ليس بريئًا؛ بل هو انعكاس لحسابات انتخابية ضيّقة تخشى صدمة صناديق الاقتراع.
ولا يمكن إغفال البُعد الخارجي الذي يثقل دائمًا على السياسة اللبنانية. فترابط الوضع الداخلي مع التعقيدات الإقليمية يجعل مواعيد الانتخابات رهينة إيقاع الخارج أكثر مما هي رهينة القرار الوطني. وهذا ما يزيد من منسوب الهشاشة، ويحوّل الانتخابات من حق دستوري ثابت إلى احتمالٍ معلّق بين قرار داخلي غير محسوم وانتظارات إقليمية مفتوحة.
في المحصّلة، نصيحة لجميع القوى والأحزاب السياسية والشخصيات المستقلة لا يمكن التعامل مع الانتخابات النيابية كفرضية قابلة للتأجيل كلّما تبدّلت الظروف أو اختلّت الحسابات. فالاستحقاق الدستوري إمّا يُحترم وإمّا يُفرَّغ من مضمونه، ولا مساحة رمادية بين الأمرين. التجربة اللبنانية أثبتت أنّ المراهنة على التعطيل ليست سياسة ناجعة، وإنما هروب من المحاسبة، وأنّ الانتظار لا يحمي القوى المتردّدة عندما تُفتح صناديق الاقتراع.
من هنا، يصبح المثل القائل «اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا» توصيفًا دقيقًا لما ينبغي أن يكون عليه السلوك السياسي اليوم. فمَن يريد تأجيل الانتخابات يتصرّف وكأن الاستحقاق لن يأتي، ومَن يستعدّ له يدرك أنّ الموعد قد يفرض نفسه في أي لحظة. وفي بلد كلبنان، حيث المفاجآت قاعدة لا استثناء، وحدهم الجاهزون سياسيًا يحصدون ثمرة جهودهم، فيما يدفع المتردّدون ثمن الرهان الخاطئ











