بماذا «تعهّدت» إيران حتى أُرجئت الضربة الأميركية؟

إن بلغت التعهدات الايرانية التخلي عن دعم أذرعها سيكون قرار حصر السلاح بمرحلته الثانية ممكنا في أفضل الظروف. وفي حال العكس طرح السؤال هل يتدخل “حزب الله” ويكشف عما تبقى لديه من أسلحة!؟
في انتظار أن تكشف واشنطن عن المزيد مما انتهت إليه تهديداتها لتجميد او تأجيل الضربة العسكرية لإيران، فلا تبقى محصورة بوقف الإعدامات، يمكن القول إنّ الوساطات الخليجية أحدثت تعديلاً على موعدها من دون أن تلغيها. وفي ظلّ شح المعلومات، يمكن العودة إلى ما وفّرته مصادر متفرّقة، تحدثت عن تعهدات أكثر أهمية، قد تصل إلى طريقة التعاطي مع أذرعها في المنطقة، وهو ما ينتظره المراقبون على عتبة المرحلة الثانية من “حصر السلاح”.
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليل الاربعاء – الخميس، انّ إيران تعهّدت بوقف الإعدامات، كافياً، ليشكّل اقتناعاً راسخاً بأنّ الضربة الاميركية قد أُلغيت. وهي التي استعدت لها إيران وجاراتها الخليجية والدول السبع المحيطة بها امتداداً إلى إسرائيل ولبنان، كما على مستوى القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، وما لديها من ضيوف من جيوش غربية تشاركها عضوية “الحلف الدولي ضدّ الإرهاب”. وكل ذلك كان يجري تزامناً مع استدعاء الدول الأوروبية والغربية للديبلوماسيين الإيرانيين، في حملة منسقة شاركت فيها دول خسرت مواطنين من حاملي جنسيتها في الاضطرابات الجارية. وذلك من أجل التنديد بما يجري على أراضيها من استخدام مفرط للقوة، وملاحقة المتظاهرين المستائين من الانهيار النقدي وفقدان العملات الأجنبية المطلوبة من التجار الكبار، نتيجة الانهيار المريع لأسعار العملة المحلية التي انتقلت مقابل الدولار الأميركي الواحد من 43 الفاً للتومان الواحد إلى مليون و300 ألف. كما بالنسبة إلى رفض الإجراءات الأمنية والمخابراتية المتخذة للجم أي شكل من أشكال المعارضة، حتى تلك التي كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد عبّر عن تفهمّه أسبابها ودوافعها، مصارحاً الإيرانيين بعدم قدرته على مواجهتها بفعل العقوبات على حكومته ولأسباب مختلفة.
وعلى رغم من نفي وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي وجود إعدامات أو نية للإقدام عليها، فقد حرصت مراجع استخبارية على الإشارة إلى مقتل آلاف عدة من المتظاهرين وإعدام العشرات منهم بأرقام متفاوتة، جعلت الفارق بين مضمون التقارير واسعاً جداً بين قائل عن مقتل 3 آلاف منهم، وصولاً إلى ما يتجاوز الـ 12 الفاً، في أكثر من 19 مدينة تشكّل عواصم المحافظات الإيرانية، بما فيها طهران، وخصوصاً عند صدّ الهجمات التي استهدفت مراكز أمنية وإدارية محلية وتلك التابعة للحرس الثوري الإيراني وإحراق الحسينيات.
على هذه الخلفيات، توسعت المراجع الديبلوماسية في تفسيرها لما يجري، فرأت انّ هناك أكثر من مرجع قد استعجل الحديث عن هذه الضربة التي لم تكن واردة بالسرعة المتوقعة. فمسلسل الإجراءات العسكرية التي اتُخذت في قواعد المنطقة وأوحت باحتمال توجيه هذه الضربة لم تكتمل. وليس خافياً على كثر انّ واشنطن أرادت التمهيد لأي خطوة عسكرية، بحرب نفسية كبرى شارك فيها ترامب عندما خاطب المتظاهرين داعياً إياهم إلى التظاهر وتسجيل أسماء المسؤولين الذين خطّطوا وأمروا وأداروا المواجهة، مؤكّداً بأنّ “المساعدة آتية”. وقد تزامنت هذه الدعوة مع نداءات وجّهتها عشرات الدول الغربية والاوروبية والعربية إلى رعاياها لمغادرة الاراضي الإيرانية في اسرع وقت ممكن. عدا عن تلك التي روّجت لها اسرائيل بإعلان حال الطوارئ وفتح الملاجئ وتنبيه المستوطنين بضرورة اتخاذ الإجراءات الاحترازية، وصولاً إلى تهريب “طائرة صهيون” الخاصة بالمسؤولين الكبار من إسرائيل إلى اليونان لحمايتها.
وإلى هذه المعطيات، لم يظهر انّ واشنطن قد أضافت إلى ترسانتها العسكرية الموجودة في المنطقة، وخصوصاً في البحار المحيطة بإيران، أي قوة عسكرية بشكل استثنائي. فلا حاملة طائرات في المنطقة القريبة منها قبل أن تتّوجه إحداها في الساعات القليلة الماضية. وقد اكتفت بقطع حربية للدورية والمراقبة في بحر العرب وغواصات نووية تحمل عشرات صواريخ “توما هوك”، وهي غير كافية للقيام بعملية أوسع وأكبر من تلك التي نفّذتها في الثلث الأخير من حزيران الماضي. ذلك انّ الهدف يومها، كان محصوراً بالمنشآت النووية ومكملاتها، وانّ ما هو مقصود هذه المرّة قد يكون اوسع من ذلك. وخصوصاً إن كان الهدف تغيير النظام او إجباره على الحصول على تعهدات بلجوئه إلى ما يرضي طموحاتها، بوقف التطور القائم في صواريخها البالستية والفرط صوتية، كما بالنسبة إلى تجميد عمليات تخصيب اليورانيوم وقطع صلاتها بالأذرع التي باتت محصورة في العراق ولبنان واليمن، بعد إخلائهم الساحتين الفلسطينية والسورية وسقوط فنزويلا.
وإلى هذه الظروف المتصلة بالداخل الإيراني، فإنّ واشنطن ومعها الدول الوسيطة التي سارعت للقيام بحملة ديبلوماسية، كانت تخشى الانهيار غير المنظّم في إيران، لما له من انعكاسات على جاراتها في ظل المشكلات الحدودية مع البعض منها لأسباب متصلة بالتعدد العرقي والديني على جانبي الحدود. بالإضافة إلى صعوبة المهمّة إن كانت الأهداف كبيرة وجذرية تستهدف تغيير النظام. فالتعاطي مع دولة بحجم إيران وتنوعها يختلف كثيراً عنه في دول اخرى. فوجوه الشبه نادرة عند المقارنة مع الأزمات الدولية الأخرى. بحسب ما اعترف ديبلوماسي خليجي، كان يدعو إلى التريث في توجيه اي ضربة إلى إيران بأنّه و”وإن نزل مليون إيراني إلى الشوارع فإنّ 92 مليوناً ما زالوا في المنازل، وعدداً كبيراً منهم إلى جانب النظام”.
وانطلاقاً مما تقدّم، تضيف المراجع عينها، انّ أي عملية عسكرية ضدّّ إيران، قد تستجلب تدخّلاً خارجياً لأذرعها، وخصوصاً من اليمن وربما لبنان، وهي نظرية لا يمكن تجاهلها في المطلق. ذلك انّ اي احتمال يقود إلى تدخّل “حزب الله” في العملية إن وقعت، ما زال موضع شكوك خارجية أكثر مما هي داخلية. وإنّ السعي إلى نيل ضمان من هذا النوع مستبعد، مخافة أن يكشف الحزب عمّا تبقّى لديه من اسلحة يريد في هذه الفترة حمايتها بمجموعة من الأسرار، خشية أن يضطر للاعتراف بها متى انتهت هذه الحرب، التي لن تكون نهايتها لمصلحته او لإيران بأي شكل من الأشكال، بمعزل عن الحديث عن تغيير النظام من عدمه.
وبناءً على ما تقّدم، تعبّر المراجع نفسها، عن اقتناعها بحق لبنان في التعبير عن مخاوفه من مثل هذه الضربة، ذلك انّ إسرائيل التي ترصد الأراضي اللبنانية لحظة بلحظة، قد تردّ بطريقة تتجاوز ما حصل حتى اليوم، ويمكن عندها ان تبرر الإجراءات التي تتخذها متجاوزة تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 وأعمال لجنة “الميكانيزم”. ولذلك كله من المفترض أن تتّجه الانظار إلى التحضيرات التي تسبق مطلع شباط المقبل، حيث من المقرر أن تقول قيادة الجيش رأيها في قدرتها على تنفيذ المرحلة الثانية لحصر السلاح. ذلك انّ اي تقدّم في المفاوضات مع إيران قد يسهّل الحديث عن مصيرها او يعقّده. ولذلك لا يمكن الحسم من اليوم بما سيكون عليه القرار، لأنّه بات مرتبطاً بأي جديد قد يطرأ إيجاباً او سلباً. وما على المراقبين سوى انتظار ما قد يستجد خلال فترة قصيرة ومحدودة؟
بماذا «تعهّدت» إيران حتى أُرجئت الضربة الأميركية؟

إن بلغت التعهدات الايرانية التخلي عن دعم أذرعها سيكون قرار حصر السلاح بمرحلته الثانية ممكنا في أفضل الظروف. وفي حال العكس طرح السؤال هل يتدخل “حزب الله” ويكشف عما تبقى لديه من أسلحة!؟
في انتظار أن تكشف واشنطن عن المزيد مما انتهت إليه تهديداتها لتجميد او تأجيل الضربة العسكرية لإيران، فلا تبقى محصورة بوقف الإعدامات، يمكن القول إنّ الوساطات الخليجية أحدثت تعديلاً على موعدها من دون أن تلغيها. وفي ظلّ شح المعلومات، يمكن العودة إلى ما وفّرته مصادر متفرّقة، تحدثت عن تعهدات أكثر أهمية، قد تصل إلى طريقة التعاطي مع أذرعها في المنطقة، وهو ما ينتظره المراقبون على عتبة المرحلة الثانية من “حصر السلاح”.
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليل الاربعاء – الخميس، انّ إيران تعهّدت بوقف الإعدامات، كافياً، ليشكّل اقتناعاً راسخاً بأنّ الضربة الاميركية قد أُلغيت. وهي التي استعدت لها إيران وجاراتها الخليجية والدول السبع المحيطة بها امتداداً إلى إسرائيل ولبنان، كما على مستوى القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة، وما لديها من ضيوف من جيوش غربية تشاركها عضوية “الحلف الدولي ضدّ الإرهاب”. وكل ذلك كان يجري تزامناً مع استدعاء الدول الأوروبية والغربية للديبلوماسيين الإيرانيين، في حملة منسقة شاركت فيها دول خسرت مواطنين من حاملي جنسيتها في الاضطرابات الجارية. وذلك من أجل التنديد بما يجري على أراضيها من استخدام مفرط للقوة، وملاحقة المتظاهرين المستائين من الانهيار النقدي وفقدان العملات الأجنبية المطلوبة من التجار الكبار، نتيجة الانهيار المريع لأسعار العملة المحلية التي انتقلت مقابل الدولار الأميركي الواحد من 43 الفاً للتومان الواحد إلى مليون و300 ألف. كما بالنسبة إلى رفض الإجراءات الأمنية والمخابراتية المتخذة للجم أي شكل من أشكال المعارضة، حتى تلك التي كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد عبّر عن تفهمّه أسبابها ودوافعها، مصارحاً الإيرانيين بعدم قدرته على مواجهتها بفعل العقوبات على حكومته ولأسباب مختلفة.
وعلى رغم من نفي وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي وجود إعدامات أو نية للإقدام عليها، فقد حرصت مراجع استخبارية على الإشارة إلى مقتل آلاف عدة من المتظاهرين وإعدام العشرات منهم بأرقام متفاوتة، جعلت الفارق بين مضمون التقارير واسعاً جداً بين قائل عن مقتل 3 آلاف منهم، وصولاً إلى ما يتجاوز الـ 12 الفاً، في أكثر من 19 مدينة تشكّل عواصم المحافظات الإيرانية، بما فيها طهران، وخصوصاً عند صدّ الهجمات التي استهدفت مراكز أمنية وإدارية محلية وتلك التابعة للحرس الثوري الإيراني وإحراق الحسينيات.
على هذه الخلفيات، توسعت المراجع الديبلوماسية في تفسيرها لما يجري، فرأت انّ هناك أكثر من مرجع قد استعجل الحديث عن هذه الضربة التي لم تكن واردة بالسرعة المتوقعة. فمسلسل الإجراءات العسكرية التي اتُخذت في قواعد المنطقة وأوحت باحتمال توجيه هذه الضربة لم تكتمل. وليس خافياً على كثر انّ واشنطن أرادت التمهيد لأي خطوة عسكرية، بحرب نفسية كبرى شارك فيها ترامب عندما خاطب المتظاهرين داعياً إياهم إلى التظاهر وتسجيل أسماء المسؤولين الذين خطّطوا وأمروا وأداروا المواجهة، مؤكّداً بأنّ “المساعدة آتية”. وقد تزامنت هذه الدعوة مع نداءات وجّهتها عشرات الدول الغربية والاوروبية والعربية إلى رعاياها لمغادرة الاراضي الإيرانية في اسرع وقت ممكن. عدا عن تلك التي روّجت لها اسرائيل بإعلان حال الطوارئ وفتح الملاجئ وتنبيه المستوطنين بضرورة اتخاذ الإجراءات الاحترازية، وصولاً إلى تهريب “طائرة صهيون” الخاصة بالمسؤولين الكبار من إسرائيل إلى اليونان لحمايتها.
وإلى هذه المعطيات، لم يظهر انّ واشنطن قد أضافت إلى ترسانتها العسكرية الموجودة في المنطقة، وخصوصاً في البحار المحيطة بإيران، أي قوة عسكرية بشكل استثنائي. فلا حاملة طائرات في المنطقة القريبة منها قبل أن تتّوجه إحداها في الساعات القليلة الماضية. وقد اكتفت بقطع حربية للدورية والمراقبة في بحر العرب وغواصات نووية تحمل عشرات صواريخ “توما هوك”، وهي غير كافية للقيام بعملية أوسع وأكبر من تلك التي نفّذتها في الثلث الأخير من حزيران الماضي. ذلك انّ الهدف يومها، كان محصوراً بالمنشآت النووية ومكملاتها، وانّ ما هو مقصود هذه المرّة قد يكون اوسع من ذلك. وخصوصاً إن كان الهدف تغيير النظام او إجباره على الحصول على تعهدات بلجوئه إلى ما يرضي طموحاتها، بوقف التطور القائم في صواريخها البالستية والفرط صوتية، كما بالنسبة إلى تجميد عمليات تخصيب اليورانيوم وقطع صلاتها بالأذرع التي باتت محصورة في العراق ولبنان واليمن، بعد إخلائهم الساحتين الفلسطينية والسورية وسقوط فنزويلا.
وإلى هذه الظروف المتصلة بالداخل الإيراني، فإنّ واشنطن ومعها الدول الوسيطة التي سارعت للقيام بحملة ديبلوماسية، كانت تخشى الانهيار غير المنظّم في إيران، لما له من انعكاسات على جاراتها في ظل المشكلات الحدودية مع البعض منها لأسباب متصلة بالتعدد العرقي والديني على جانبي الحدود. بالإضافة إلى صعوبة المهمّة إن كانت الأهداف كبيرة وجذرية تستهدف تغيير النظام. فالتعاطي مع دولة بحجم إيران وتنوعها يختلف كثيراً عنه في دول اخرى. فوجوه الشبه نادرة عند المقارنة مع الأزمات الدولية الأخرى. بحسب ما اعترف ديبلوماسي خليجي، كان يدعو إلى التريث في توجيه اي ضربة إلى إيران بأنّه و”وإن نزل مليون إيراني إلى الشوارع فإنّ 92 مليوناً ما زالوا في المنازل، وعدداً كبيراً منهم إلى جانب النظام”.
وانطلاقاً مما تقدّم، تضيف المراجع عينها، انّ أي عملية عسكرية ضدّّ إيران، قد تستجلب تدخّلاً خارجياً لأذرعها، وخصوصاً من اليمن وربما لبنان، وهي نظرية لا يمكن تجاهلها في المطلق. ذلك انّ اي احتمال يقود إلى تدخّل “حزب الله” في العملية إن وقعت، ما زال موضع شكوك خارجية أكثر مما هي داخلية. وإنّ السعي إلى نيل ضمان من هذا النوع مستبعد، مخافة أن يكشف الحزب عمّا تبقّى لديه من اسلحة يريد في هذه الفترة حمايتها بمجموعة من الأسرار، خشية أن يضطر للاعتراف بها متى انتهت هذه الحرب، التي لن تكون نهايتها لمصلحته او لإيران بأي شكل من الأشكال، بمعزل عن الحديث عن تغيير النظام من عدمه.
وبناءً على ما تقّدم، تعبّر المراجع نفسها، عن اقتناعها بحق لبنان في التعبير عن مخاوفه من مثل هذه الضربة، ذلك انّ إسرائيل التي ترصد الأراضي اللبنانية لحظة بلحظة، قد تردّ بطريقة تتجاوز ما حصل حتى اليوم، ويمكن عندها ان تبرر الإجراءات التي تتخذها متجاوزة تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 وأعمال لجنة “الميكانيزم”. ولذلك كله من المفترض أن تتّجه الانظار إلى التحضيرات التي تسبق مطلع شباط المقبل، حيث من المقرر أن تقول قيادة الجيش رأيها في قدرتها على تنفيذ المرحلة الثانية لحصر السلاح. ذلك انّ اي تقدّم في المفاوضات مع إيران قد يسهّل الحديث عن مصيرها او يعقّده. ولذلك لا يمكن الحسم من اليوم بما سيكون عليه القرار، لأنّه بات مرتبطاً بأي جديد قد يطرأ إيجاباً او سلباً. وما على المراقبين سوى انتظار ما قد يستجد خلال فترة قصيرة ومحدودة؟











