لبنان وإيران: لعبة النفوذ والسيادة الضائعة

الكاتب: د. بولا أبي حنا | المصدر: نداء الوطن
11 كانون الثاني 2026

جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تُدار فيها المنطقة بمنطق الرسائل لا الشراكات، ويُختبر فيها لبنان لا بقدرة مؤسساته فقط، بل بمدى امتلاكه موقفًا تفاوضيًا مستقلًا. تصعيد محسوب على الجبهة الجنوبية، واشتباك إيراني–أميركي يُدار عبر الوسطاء لا المواجهة المباشرة، جعلا من لبنان مسرحًا لتوازنات تفوق قدرته على التحكم. وفي الداخل الإيراني نفسه، حيث الاحتجاجات المتجددة، وتدهور العملة، وتآكل الشرعية الاجتماعية، تبدو طهران أقل تماسكًا مما يظهره خطابها الخارجي، ما يجعل رسائلها إلى بيروت جزءًا من حسابات إقليمية أوسع، لا من علاقة ثنائية متكافئة.

تحكم العلاقة بين وزير الخارجية اللبناني ونظيره الإيراني معادلة مضطربة تقوم على لغة مزدوجة: ترحيب رسمي بأي انفتاح دبلوماسي من جهة، وحرص مفرط على تفادي أي انزلاق نحو تطبيع سياسي كامل من جهة أخرى. هذه الازدواجية ليست مجرد خيار تكتيكي، بل تعبير عن غياب رؤية تفاوضية واضحة. وكما قال هنري كيسنجر: “الدبلوماسية لا تُدار بالنوايا بل بموازين القوة”. في الحالة اللبنانية، تبدو موازين القوة خارج إطار الدولة، فيما تفتقر السلطة إلى القدرة على تعريف مصلحتها الوطنية بوضوح، ما يحوّل لبنان من طرف يفترض أن يفاوض، إلى ساحة تتلقّى الرسائل وتنتظر نتائج تفاوض الآخرين.

في هذا السياق، يتبيّن أن دور “حزب الله” لم يعد كما كان سابقًا قوة مركزية تحسم موازين القوى في لبنان. لم يعد الورقة الإقليمية الحاسمة التي تجمع بين الردع العسكري والقدرة على ترجمة هذا الردع إلى موقع سياسي داخلي متماسك، بل بات تأثيره أكثر محدودية وموضع تساؤل في قدرته على تحديد مسار المصالح اللبنانية. هذا التراجع لا يعكس تبدّلًا في الخطاب فقط، بل تحوّلات داخلية وإقليمية أضعفت هامش المناورة، وقلّصت القدرة على فرض شروط واضحة. وفي المقابل، لا تبدو الدولة اللبنانية قادرة على ملء هذا الفراغ أو صياغة موقف تفاوضي مستقل، ما يضاعف هشاشتها ويجعلها عالقة بين تراجع قوى الأمر الواقع وعجز المؤسسات عن إنتاج قرار سيادي جامع.

من منظور علم السياسة، هذه الزيارة تظهر تطبيقًا عمليًا لمبادئ التفاوض التي شرحها روجر فيشر وويليام أوري: تحديد واضح للمصلحة الوطنية، التمييز بين ما هو غير قابل للمساومة وما يمكن التفاوض عليه، والقدرة على قول “لا” بقدر القدرة على قول “نعم”. لبنان حتى الآن يفتقد القدرة على تحويل أدوات الدولة إلى موقف تفاوضي صلب، بينما تتحرك إيران وفق رؤية استراتيجية واضحة، والولايات المتحدة وإسرائيل تفاوضان بالنار والضغط، في حين يكتفي لبنان بالبيانات وبالحرص على عدم الإحراج، رهانًا على أن الآخرين سيقررون عنه ثم يبلغونه بالنتائج.

إذا أخذنا بعين الاعتبار مدارس الفكر السياسي، نجد أن الواقعية تحذر من ترك الدولة بلا قوة مؤثرة، بينما الليبرالية تركز على المؤسسات وآليات التعاون الدولي. لبنان يعيش صراعًا بين هذين البعدين: مؤسسات شكلية بلا قدرة على التنفيذ، وأطراف مسلحة خارج السيطرة، تجعل التوازن الداخلي والخارجي شبه مستحيل. كما يوضح توكفيل: “كل أمة تفقد وضوح إرادتها تتحول إلى مسرح لتأثير الآخرين”. لبنان اليوم بين هذين البعدين، حيث النفوذ الإيراني يمارس تأثيره، بينما الدولة عاجزة عن صياغة سياستها.

هذه الزيارة تكشف ما هو أعمق من العلاقة مع طهران: ضعف الرؤية اللبنانية وقدرتها على تحديد مصالحها وموازين قوتها، فتطرح تساؤلات وجودية عن قدرة الدولة على حماية سيادتها. لبنان يعرف ما لا يريد، لكنه عاجز عن إعلان ما يريد، ما يجعل منه ضحية للتفاوض الإقليمي. وكل محاولة لإعادة صياغة مواقفه تتطلب وضوحًا في الهدف، تحديد خطوط حمراء، واستغلال كل أداة سياسية ودبلوماسية لتعزيز موقعه قبل أن تصبح مفاوضاته مجرد ترف في زمن يفرض فيه الكبار شروط اللعبة.

في نهاية المطاف، يكمن التحدي الأكبر داخل لبنان نفسه: القدرة على التحول من متلقٍ للقرارات إلى فاعل يضع قواعد اللعبة. غياب الرؤية والوضوح يجعل كل خطوة تحت سيطرة الآخرين، ويضع الدولة في موقع هش أمام التوازنات الإقليمية. كما يقول نيتشه: ” من لا يملك القدرة على صياغة قوانينه الخاصة، يظل خاضعًا لقوانين الآخرين”. لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: هل سيستمر في انتظار ما يفرضه الآخرون، أم سيجد الشجاعة ليصنع مستقبله، ويحوّل المفاوضات إلى أداة لتعزيز سيادته ومصالحه؟ هل سيبقى “حزب الله” لاعبًا له تأثير، أم أن لبنان سيجد طريقه ليعيد تشكيل قواعد اللعبة بمصلحته الوطنية؟

لبنان وإيران: لعبة النفوذ والسيادة الضائعة

الكاتب: د. بولا أبي حنا | المصدر: نداء الوطن
11 كانون الثاني 2026

جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تُدار فيها المنطقة بمنطق الرسائل لا الشراكات، ويُختبر فيها لبنان لا بقدرة مؤسساته فقط، بل بمدى امتلاكه موقفًا تفاوضيًا مستقلًا. تصعيد محسوب على الجبهة الجنوبية، واشتباك إيراني–أميركي يُدار عبر الوسطاء لا المواجهة المباشرة، جعلا من لبنان مسرحًا لتوازنات تفوق قدرته على التحكم. وفي الداخل الإيراني نفسه، حيث الاحتجاجات المتجددة، وتدهور العملة، وتآكل الشرعية الاجتماعية، تبدو طهران أقل تماسكًا مما يظهره خطابها الخارجي، ما يجعل رسائلها إلى بيروت جزءًا من حسابات إقليمية أوسع، لا من علاقة ثنائية متكافئة.

تحكم العلاقة بين وزير الخارجية اللبناني ونظيره الإيراني معادلة مضطربة تقوم على لغة مزدوجة: ترحيب رسمي بأي انفتاح دبلوماسي من جهة، وحرص مفرط على تفادي أي انزلاق نحو تطبيع سياسي كامل من جهة أخرى. هذه الازدواجية ليست مجرد خيار تكتيكي، بل تعبير عن غياب رؤية تفاوضية واضحة. وكما قال هنري كيسنجر: “الدبلوماسية لا تُدار بالنوايا بل بموازين القوة”. في الحالة اللبنانية، تبدو موازين القوة خارج إطار الدولة، فيما تفتقر السلطة إلى القدرة على تعريف مصلحتها الوطنية بوضوح، ما يحوّل لبنان من طرف يفترض أن يفاوض، إلى ساحة تتلقّى الرسائل وتنتظر نتائج تفاوض الآخرين.

في هذا السياق، يتبيّن أن دور “حزب الله” لم يعد كما كان سابقًا قوة مركزية تحسم موازين القوى في لبنان. لم يعد الورقة الإقليمية الحاسمة التي تجمع بين الردع العسكري والقدرة على ترجمة هذا الردع إلى موقع سياسي داخلي متماسك، بل بات تأثيره أكثر محدودية وموضع تساؤل في قدرته على تحديد مسار المصالح اللبنانية. هذا التراجع لا يعكس تبدّلًا في الخطاب فقط، بل تحوّلات داخلية وإقليمية أضعفت هامش المناورة، وقلّصت القدرة على فرض شروط واضحة. وفي المقابل، لا تبدو الدولة اللبنانية قادرة على ملء هذا الفراغ أو صياغة موقف تفاوضي مستقل، ما يضاعف هشاشتها ويجعلها عالقة بين تراجع قوى الأمر الواقع وعجز المؤسسات عن إنتاج قرار سيادي جامع.

من منظور علم السياسة، هذه الزيارة تظهر تطبيقًا عمليًا لمبادئ التفاوض التي شرحها روجر فيشر وويليام أوري: تحديد واضح للمصلحة الوطنية، التمييز بين ما هو غير قابل للمساومة وما يمكن التفاوض عليه، والقدرة على قول “لا” بقدر القدرة على قول “نعم”. لبنان حتى الآن يفتقد القدرة على تحويل أدوات الدولة إلى موقف تفاوضي صلب، بينما تتحرك إيران وفق رؤية استراتيجية واضحة، والولايات المتحدة وإسرائيل تفاوضان بالنار والضغط، في حين يكتفي لبنان بالبيانات وبالحرص على عدم الإحراج، رهانًا على أن الآخرين سيقررون عنه ثم يبلغونه بالنتائج.

إذا أخذنا بعين الاعتبار مدارس الفكر السياسي، نجد أن الواقعية تحذر من ترك الدولة بلا قوة مؤثرة، بينما الليبرالية تركز على المؤسسات وآليات التعاون الدولي. لبنان يعيش صراعًا بين هذين البعدين: مؤسسات شكلية بلا قدرة على التنفيذ، وأطراف مسلحة خارج السيطرة، تجعل التوازن الداخلي والخارجي شبه مستحيل. كما يوضح توكفيل: “كل أمة تفقد وضوح إرادتها تتحول إلى مسرح لتأثير الآخرين”. لبنان اليوم بين هذين البعدين، حيث النفوذ الإيراني يمارس تأثيره، بينما الدولة عاجزة عن صياغة سياستها.

هذه الزيارة تكشف ما هو أعمق من العلاقة مع طهران: ضعف الرؤية اللبنانية وقدرتها على تحديد مصالحها وموازين قوتها، فتطرح تساؤلات وجودية عن قدرة الدولة على حماية سيادتها. لبنان يعرف ما لا يريد، لكنه عاجز عن إعلان ما يريد، ما يجعل منه ضحية للتفاوض الإقليمي. وكل محاولة لإعادة صياغة مواقفه تتطلب وضوحًا في الهدف، تحديد خطوط حمراء، واستغلال كل أداة سياسية ودبلوماسية لتعزيز موقعه قبل أن تصبح مفاوضاته مجرد ترف في زمن يفرض فيه الكبار شروط اللعبة.

في نهاية المطاف، يكمن التحدي الأكبر داخل لبنان نفسه: القدرة على التحول من متلقٍ للقرارات إلى فاعل يضع قواعد اللعبة. غياب الرؤية والوضوح يجعل كل خطوة تحت سيطرة الآخرين، ويضع الدولة في موقع هش أمام التوازنات الإقليمية. كما يقول نيتشه: ” من لا يملك القدرة على صياغة قوانينه الخاصة، يظل خاضعًا لقوانين الآخرين”. لبنان اليوم أمام مفترق حاسم: هل سيستمر في انتظار ما يفرضه الآخرون، أم سيجد الشجاعة ليصنع مستقبله، ويحوّل المفاوضات إلى أداة لتعزيز سيادته ومصالحه؟ هل سيبقى “حزب الله” لاعبًا له تأثير، أم أن لبنان سيجد طريقه ليعيد تشكيل قواعد اللعبة بمصلحته الوطنية؟

مزيد من الأخبار

مزيد من الأخبار