سنة أولى مثقلة بالتحديات: ماذا حقّق عهد جوزف عون للبنان؟

سنة مرّت على انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية وهو حدث لم يكن ليتم لو لا تبدل موازين القوى الداخلية والإقليمية بعد حرب «إسناد غزة» وخسارة «حزب الله» الكثير من أوراق قوته، هو الذي عطّل الانتخابات الرئاسية حوالي سنتين للإتيان برئيس يؤمن الغطاء لسلاحه رافضاً حتى السير بأي تقاطع بين الكتل النيابية لانتخاب رئيس لا يشكل تحدياً لأي طرف، ما تسبب بأزمة حُكم.
ومن المعروف أن «حزب الله» و«حركة أمل» لم يمشيا بالرئيس جوزف عون إلا بعد ضغوط دولية وعربية وبعد ما قيل عن تفاهم حصل قبل انتخابه بين الدورتين الأولى والثانية في اجتماع ضمّه إلى رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد والمعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل، فيما كان يمكن للقوى السيادية وبعض الكتل انتخابه من الدورة الثانية بأكثرية مريحة تفوق 71 صوتاً بمعزل عن أي تفاهم.
وفي الذكرى السنوية الأولى لانتخابه، اختار الرئيس عون شاشة «تلفزيون لبنان» ليطل عبرها مساء اليوم على اللبنانيين والحديث عما تحقق وعما لم يتحقق في السنة الأولى من ولايته، وهي سنة لم تكن عادية في تاريخ الرئاسة اللبنانية، بعد فراغ طويل وأزمة وطنية خانقة، ما حمّل العهد منذ يومه الأول أعباءً استثنائية وسقفًا مرتفعًا من التوقعات الشعبية والسياسية.
من هنا، غلب على السنة الأولى من الولاية الرئاسية طابع إدارة التوازنات الدقيقة وتفهم هواجس الثنائي الشيعي أكثر منها طابع المواجهة، فنجح الرئيس عون في تثبيت حدّ أدنى من الاستقرار السياسي والأمني في الداخل خلافاً لجبهة الجنوب التي بقيت تحت وطأة الغارات الإسرائيلية والتي طالت أيضاً البقاع الشمالي ولم توفّر الضاحية الجنوبية.
فخطاب الرئيس عون اتسم في كثير من الأحيان بالهدوء والابتعاد عن الاستفزاز، ما ساهم في فتح قنوات التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري بشكل خاص. كما بدا واضحًا حرصه على تقديم نفسه رئيسًا توافقيًا، لا طرفًا في صراع المحاور، وهو ما انعكس في مقاربته لملفات حساسة كالعلاقة بين السلطات، والتعاطي مع القوى الحزبية المتباينة.
فالرئيس عون الآتي من قيادة الجيش استفاد من تجربته في المؤسسة العسكرية الجامعة وأراد لعهده أن يحمل تغييراً جذرياً ولكن مع الحفاظ على استقرار مضبوط. وقد استمد جوزف عون قوته الأساسية من موقعه العسكري وليس من رئاسة حزب أو تيار كسلفه الرئيس ميشال عون على الرغم من كونه ايضاً قائداً للجيش.
ويمكن القول إن انتخاب جوزف عون أحيا الأمل ببناء دولة قوية وقادرة وأعاد انتظام المؤسسات الدستورية بدءاً من تسمية رئيس حكومة مروراً بتأليف الحكومة وإجراء التعيينات الإدارية بعد مرحلة طويلة من الشغور. ولعلها من المرات النادرة منذ اتفاق الطائف يتناغم فيها رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة إلى حد كبير وتنسجم ممارسته مع ما ورد في خطاب القسم لجهة اعتبار رئيس الحكومة شريكاً لا خصماً، فيمارسا معاً صلاحياتهما بروح إيجابية ويعكسا موقفاً موحداً لمفهوم الدولة ويؤكدا على حصرية السلاح بيد الدولة، وهو الملف الأبرز في عملية بناء الدولة والذي تُرجم في قرارات جريئة في جلستي 5 و7 آب/أغسطس الماضي، انطلاقاً مما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري من تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح، دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود، فيكون هو وحده صاحب القرار والسلطة على الأرض، ويتلقى التوجيهات من السلطة السياسية لا من سلطة الدويلة.
على الرغم من ذلك، فإن وعد الرئيس جوزف عون بأن يكون عام 2025 عام حصرية السلاح لم يجد طريقه إلى التنفيذ الكامل، فوجد اللبنانيون أنفسهم أمام حصيلة رئاسية تتأرجح بين ما تحقق على أرض الواقع، وما بقي عالقًا في دائرة الانتظار والتأجيل ومنها خطة حصرية السلاح شمال الليطاني التي لم تُبت وفق مهلة زمنية محددة بل بقيت مفتوحة وخاضعة لتقديرات الجيش على أن يتم إعداد خطة وتقديمها في شهر شباط/فبراير، فيما وزراء «القوات اللبنانية» والكتائب وبعض الأطراف يريدون الإسراع في حسم الأمور وعدم تضييع الفرصة السانحة لبسط سلطة الدولة.
على المستوى الخارجي، حقق العهد الجديد ما عجز عنه عهد العماد ميشال عون، فسُجّل تقدم كبير في حضور لبنان الدبلوماسي، مع إعادة تفعيل بعض العلاقات العربية والدولية وتسوية العلاقات مع سوريا برعاية سعودية، ومحاولة استعادة الثقة الخارجية بالدولة اللبنانية، ولو أنها بقيت في إطار سياسي أكثر منها اقتصادي أو مالي ملموس خلافاً للحصار الدبلوماسي والمالي في العهد السابق. وأبرز ما تحقق هو زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان كأول محطة للحبر الأعظم خارج الفاتيكان التي أضيفت إلى زيارات رؤساء دول عربية واوروبية.
بالنسبة إلى الإصلاحات فهي شهدت تقدماً ولو بقيت أسيرة التجاذبات السياسية وخصوصاً في ما يتعلق بمشروع «الانتظام المالي واسترداد الودائع» المعروف بقانون «الفجوة المالية» والذي أوجد فجوة كبيرة داخل الحكومة وبين الحكومة وكل من مجلس النواب والمصارف.
أما ملف مكافحة الفساد، فبدأ يأخذ مجراه بمحاسبات فعلية أدخلت وزير الاقتصاد السابق أمين سلام إلى السجن ورفعت الحصانة عن وزير الصناعة السابق النائب جورج بوشكيان، وحرّرت المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، في وقت ما زال البعض يطرح شكوكاً حول قدرة هذا العهد على كسر الحلقة التقليدية للإفلات من العقاب في ظل الدولة العميقة التي تواجه ارادة التغيير.
ختاماً، بعد عام على انطلاق الولاية، يمكن توصيف العهد بأنه رئاسة واقعية في ظرف استثنائي، نجحت في منع الانهيار السياسي الشامل مع سعيها الدؤوب على كل المستويات لإبعاد شبح أي حرب جديدة وإطلاق مسار إنقاذي والتصدي تدريجياً لقوى الأمر الواقع ومحاولات الاستقواء على الدولة عبر إقفال طريق من هنا أو اعتراض على مداهمة أمنية لتجار المخدرات هناك.
سنة أولى مثقلة بالتحديات: ماذا حقّق عهد جوزف عون للبنان؟

سنة مرّت على انتخاب العماد جوزف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية وهو حدث لم يكن ليتم لو لا تبدل موازين القوى الداخلية والإقليمية بعد حرب «إسناد غزة» وخسارة «حزب الله» الكثير من أوراق قوته، هو الذي عطّل الانتخابات الرئاسية حوالي سنتين للإتيان برئيس يؤمن الغطاء لسلاحه رافضاً حتى السير بأي تقاطع بين الكتل النيابية لانتخاب رئيس لا يشكل تحدياً لأي طرف، ما تسبب بأزمة حُكم.
ومن المعروف أن «حزب الله» و«حركة أمل» لم يمشيا بالرئيس جوزف عون إلا بعد ضغوط دولية وعربية وبعد ما قيل عن تفاهم حصل قبل انتخابه بين الدورتين الأولى والثانية في اجتماع ضمّه إلى رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد والمعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل، فيما كان يمكن للقوى السيادية وبعض الكتل انتخابه من الدورة الثانية بأكثرية مريحة تفوق 71 صوتاً بمعزل عن أي تفاهم.
وفي الذكرى السنوية الأولى لانتخابه، اختار الرئيس عون شاشة «تلفزيون لبنان» ليطل عبرها مساء اليوم على اللبنانيين والحديث عما تحقق وعما لم يتحقق في السنة الأولى من ولايته، وهي سنة لم تكن عادية في تاريخ الرئاسة اللبنانية، بعد فراغ طويل وأزمة وطنية خانقة، ما حمّل العهد منذ يومه الأول أعباءً استثنائية وسقفًا مرتفعًا من التوقعات الشعبية والسياسية.
من هنا، غلب على السنة الأولى من الولاية الرئاسية طابع إدارة التوازنات الدقيقة وتفهم هواجس الثنائي الشيعي أكثر منها طابع المواجهة، فنجح الرئيس عون في تثبيت حدّ أدنى من الاستقرار السياسي والأمني في الداخل خلافاً لجبهة الجنوب التي بقيت تحت وطأة الغارات الإسرائيلية والتي طالت أيضاً البقاع الشمالي ولم توفّر الضاحية الجنوبية.
فخطاب الرئيس عون اتسم في كثير من الأحيان بالهدوء والابتعاد عن الاستفزاز، ما ساهم في فتح قنوات التواصل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري بشكل خاص. كما بدا واضحًا حرصه على تقديم نفسه رئيسًا توافقيًا، لا طرفًا في صراع المحاور، وهو ما انعكس في مقاربته لملفات حساسة كالعلاقة بين السلطات، والتعاطي مع القوى الحزبية المتباينة.
فالرئيس عون الآتي من قيادة الجيش استفاد من تجربته في المؤسسة العسكرية الجامعة وأراد لعهده أن يحمل تغييراً جذرياً ولكن مع الحفاظ على استقرار مضبوط. وقد استمد جوزف عون قوته الأساسية من موقعه العسكري وليس من رئاسة حزب أو تيار كسلفه الرئيس ميشال عون على الرغم من كونه ايضاً قائداً للجيش.
ويمكن القول إن انتخاب جوزف عون أحيا الأمل ببناء دولة قوية وقادرة وأعاد انتظام المؤسسات الدستورية بدءاً من تسمية رئيس حكومة مروراً بتأليف الحكومة وإجراء التعيينات الإدارية بعد مرحلة طويلة من الشغور. ولعلها من المرات النادرة منذ اتفاق الطائف يتناغم فيها رئيس الجمهورية مع رئيس الحكومة إلى حد كبير وتنسجم ممارسته مع ما ورد في خطاب القسم لجهة اعتبار رئيس الحكومة شريكاً لا خصماً، فيمارسا معاً صلاحياتهما بروح إيجابية ويعكسا موقفاً موحداً لمفهوم الدولة ويؤكدا على حصرية السلاح بيد الدولة، وهو الملف الأبرز في عملية بناء الدولة والذي تُرجم في قرارات جريئة في جلستي 5 و7 آب/أغسطس الماضي، انطلاقاً مما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري من تأكيد حق الدولة في احتكار حمل السلاح، دولة تستثمر في جيشها ليضبط الحدود، فيكون هو وحده صاحب القرار والسلطة على الأرض، ويتلقى التوجيهات من السلطة السياسية لا من سلطة الدويلة.
على الرغم من ذلك، فإن وعد الرئيس جوزف عون بأن يكون عام 2025 عام حصرية السلاح لم يجد طريقه إلى التنفيذ الكامل، فوجد اللبنانيون أنفسهم أمام حصيلة رئاسية تتأرجح بين ما تحقق على أرض الواقع، وما بقي عالقًا في دائرة الانتظار والتأجيل ومنها خطة حصرية السلاح شمال الليطاني التي لم تُبت وفق مهلة زمنية محددة بل بقيت مفتوحة وخاضعة لتقديرات الجيش على أن يتم إعداد خطة وتقديمها في شهر شباط/فبراير، فيما وزراء «القوات اللبنانية» والكتائب وبعض الأطراف يريدون الإسراع في حسم الأمور وعدم تضييع الفرصة السانحة لبسط سلطة الدولة.
على المستوى الخارجي، حقق العهد الجديد ما عجز عنه عهد العماد ميشال عون، فسُجّل تقدم كبير في حضور لبنان الدبلوماسي، مع إعادة تفعيل بعض العلاقات العربية والدولية وتسوية العلاقات مع سوريا برعاية سعودية، ومحاولة استعادة الثقة الخارجية بالدولة اللبنانية، ولو أنها بقيت في إطار سياسي أكثر منها اقتصادي أو مالي ملموس خلافاً للحصار الدبلوماسي والمالي في العهد السابق. وأبرز ما تحقق هو زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان كأول محطة للحبر الأعظم خارج الفاتيكان التي أضيفت إلى زيارات رؤساء دول عربية واوروبية.
بالنسبة إلى الإصلاحات فهي شهدت تقدماً ولو بقيت أسيرة التجاذبات السياسية وخصوصاً في ما يتعلق بمشروع «الانتظام المالي واسترداد الودائع» المعروف بقانون «الفجوة المالية» والذي أوجد فجوة كبيرة داخل الحكومة وبين الحكومة وكل من مجلس النواب والمصارف.
أما ملف مكافحة الفساد، فبدأ يأخذ مجراه بمحاسبات فعلية أدخلت وزير الاقتصاد السابق أمين سلام إلى السجن ورفعت الحصانة عن وزير الصناعة السابق النائب جورج بوشكيان، وحرّرت المحقق العدلي في قضية انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، في وقت ما زال البعض يطرح شكوكاً حول قدرة هذا العهد على كسر الحلقة التقليدية للإفلات من العقاب في ظل الدولة العميقة التي تواجه ارادة التغيير.
ختاماً، بعد عام على انطلاق الولاية، يمكن توصيف العهد بأنه رئاسة واقعية في ظرف استثنائي، نجحت في منع الانهيار السياسي الشامل مع سعيها الدؤوب على كل المستويات لإبعاد شبح أي حرب جديدة وإطلاق مسار إنقاذي والتصدي تدريجياً لقوى الأمر الواقع ومحاولات الاستقواء على الدولة عبر إقفال طريق من هنا أو اعتراض على مداهمة أمنية لتجار المخدرات هناك.











