خاص- سوريا أمام المعضلة: تقديم تنازلات لإسرائيل أو الفوضى

ما إن تفجّرت الاحتجاجات في الساحل السوري، وانتشر حديث عن تحضير فلول النظام السابق لعمليات، واندلعت اشتباكات مع “قسد” في حلب، حتّى أُعلن عن اجتماع جديد في إطار المفاوضات التي كانت بدأت، ثمّ تعثّرت، بين إسرائيل وسوريا.
فهل التزامن مجرّد صدفة أم استشعار من أحمد الشرع بخطورة ما يحدث في بلاده، وبضرورة تحصين نفسه باتّفاق مع تلّ أبيب؟
من أسباب تعثّر المفاوضات التي سبق أن عُقدت بين سوريا وإسرائيل، أنّ من الصعب على دمشق أن تقبل باتّفاق تتنازل فيه عمليّاً عن أراضيها التي دخلتها القوّات الأسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد. فقد كان هذا هو الشرط الإسرائيلي لاستكمال التفاوض، والاتّفاق على ترتيبات أمنية. إذ ليس وارداً لدى تلّ أبيب أن تنسحب من المواقع الاستراتيجية التي احتلّتها في جبل الشيخ، ولا شيء يجبرها على فعل ذلك.
وفي الواقع، أسفرت جولة المحادثات الجديدة التي عُقدت في باريس برعاية أميركية، عن إنشاء خليّة اتّصال لتبادل معلومات استخباراتية وخفض التصعيد العسكري.
ولكن إسرائيل تريد إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين دمشق والجولان، والبقاء في المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ، وحماية دروز السويداء، والسيطرة الجوية من خلال ممرّ جوي يتيح حرية الحركة لضرب إيران.
ومن التطوّرات التي دفعت دمشق إلى جولة المفاوضات الجديدة، هي الأحداث التي حصلت في اليمن، والتي أعادت الحديث عن انفصال الجنوب، وعن دعم إماراتي لذلك، كان السبب في تفجّر الخلاف بينها وبين السعودية.
كذلك، اشار تقرير لشبكة CNN الأميركية، إلى وجود قلق متصاعد لدى السعودية إزاء السياسات الإقليمية لدولة الإمارات، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقات تقيمها أبو ظبي مع جهات درزية انفصالية داخل سوريا. وتحدث التقرير عن تقديرات للرياض تشير إلى إقامة أبو ظبي علاقات مع عناصر داخل الطائفة الدرزية، وأن بعض قادة هذه الطائفة طرحوا علناً أفكاراً تتعلق بالانفصال أو الحكم الذاتي في محافظة السويداء، وهو ما تعتبره السعودية عاملاً مقلقاً يهدّد وحدة سورية واستقرارها.
إذاً، هناك خوف حقيقي من تدهور الأوضاع في سوريا. وعوامل هزّ الاستقرار حاضرة بقوة، من السويداء، إلى الشمال الشرقي حيث الأكراد، وصولاً إلى الساحل حيث يحاول العلويّون التحرّك. وإذا لم يتمكّن الشرع من السيطرة على بؤر التصعيد هذه، فإنّ المسار السوري الجديد برمّته يُعتبر مهدّداً بالسقوط.
أمّا الجهات المستعدّة لتغذية بؤر الانفصال، فتأتي إسرائيل في مقدّمها، لأنّ خلق مناطق طائفية مستقلّة يضعف الحكومة السورية المركزية، ويبرّر وجودها في الجنوب، ويمنع تمدّد النفوذ التركي عبر الأراضي السورية. وتسعى إسرائيل إلى اللعب على كلّ أوتار التوتّر الداخلي في سوريا، من أجل إبقاء البلاد ضعيفة ومفكّكة. وهي تقف وراء التوجّهات الانفصالية في المنطقة، ومن ضمنها سوريا، كي تبقى هي في الجنوب السوري، وتقيم منطقة عازلة تصل إلى حدود دمشق.
ويمكن لاهتزار الوضع في سوريا، لكونها أصبحت بوّابة الاستقرار في المنطقة، أن يستجلب حروباً وإشكالات في مناطق أخرى. فتركيا مثلاً متوثّبة للدخول عبر الخطّ السوري، ومدّ نفوذها، بهدف السيطرة على الوضع الكردي أوّلاً، وإقامة توازن مع التوسّع الإسرائيلي ثانياً. كما يمكن لإيران أن تستغلّ حالة الفوضى في سوريا، كي تدخل من جديد إلى هذه الساحة عبر حلفاء لها في الساحل، وربّما بغضّ نظر من أنقرة. أمّا لبنان فيقف على شفير الانفجار، حيث الضربات الإسرائيلية تتصاعد، وهي مقبلة على مزيد من التوسّع، مع دخول خطّة حصرية السلاح المرحلة الثانية المحدّدة بما بين نهري الليطاني والأوّلي.
يستند الشرع لدعم الاستقرار في بلاده على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي رفع العقوبات عن دمشق، ويسعى إلى أن تلعب دوراً محوريّاً في ازدهار المنطقة، ضمن ما يسمّى “الشرق الأوسط الجديد”. ولكن، لإسرائيل خططا أخرى على الأرض. وإذا لم تحقّق خططها، فلن تعرف سوريا ولا سواها الهدوء. والشرع يعرف هذه المعادلة جيّداً. وهو يسعى إلى التوفيق بين استمرار الدعم الأميركي وإبعاد شبح التخريب الإسرائيلي، ومنع بلاده من تتحوّل إلى ساحة أقليمية لتصفية الحسابات. فهل ينجح؟
خاص- سوريا أمام المعضلة: تقديم تنازلات لإسرائيل أو الفوضى

ما إن تفجّرت الاحتجاجات في الساحل السوري، وانتشر حديث عن تحضير فلول النظام السابق لعمليات، واندلعت اشتباكات مع “قسد” في حلب، حتّى أُعلن عن اجتماع جديد في إطار المفاوضات التي كانت بدأت، ثمّ تعثّرت، بين إسرائيل وسوريا.
فهل التزامن مجرّد صدفة أم استشعار من أحمد الشرع بخطورة ما يحدث في بلاده، وبضرورة تحصين نفسه باتّفاق مع تلّ أبيب؟
من أسباب تعثّر المفاوضات التي سبق أن عُقدت بين سوريا وإسرائيل، أنّ من الصعب على دمشق أن تقبل باتّفاق تتنازل فيه عمليّاً عن أراضيها التي دخلتها القوّات الأسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد. فقد كان هذا هو الشرط الإسرائيلي لاستكمال التفاوض، والاتّفاق على ترتيبات أمنية. إذ ليس وارداً لدى تلّ أبيب أن تنسحب من المواقع الاستراتيجية التي احتلّتها في جبل الشيخ، ولا شيء يجبرها على فعل ذلك.
وفي الواقع، أسفرت جولة المحادثات الجديدة التي عُقدت في باريس برعاية أميركية، عن إنشاء خليّة اتّصال لتبادل معلومات استخباراتية وخفض التصعيد العسكري.
ولكن إسرائيل تريد إنشاء منطقة منزوعة السلاح بين دمشق والجولان، والبقاء في المنطقة العازلة وقمة جبل الشيخ، وحماية دروز السويداء، والسيطرة الجوية من خلال ممرّ جوي يتيح حرية الحركة لضرب إيران.
ومن التطوّرات التي دفعت دمشق إلى جولة المفاوضات الجديدة، هي الأحداث التي حصلت في اليمن، والتي أعادت الحديث عن انفصال الجنوب، وعن دعم إماراتي لذلك، كان السبب في تفجّر الخلاف بينها وبين السعودية.
كذلك، اشار تقرير لشبكة CNN الأميركية، إلى وجود قلق متصاعد لدى السعودية إزاء السياسات الإقليمية لدولة الإمارات، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقات تقيمها أبو ظبي مع جهات درزية انفصالية داخل سوريا. وتحدث التقرير عن تقديرات للرياض تشير إلى إقامة أبو ظبي علاقات مع عناصر داخل الطائفة الدرزية، وأن بعض قادة هذه الطائفة طرحوا علناً أفكاراً تتعلق بالانفصال أو الحكم الذاتي في محافظة السويداء، وهو ما تعتبره السعودية عاملاً مقلقاً يهدّد وحدة سورية واستقرارها.
إذاً، هناك خوف حقيقي من تدهور الأوضاع في سوريا. وعوامل هزّ الاستقرار حاضرة بقوة، من السويداء، إلى الشمال الشرقي حيث الأكراد، وصولاً إلى الساحل حيث يحاول العلويّون التحرّك. وإذا لم يتمكّن الشرع من السيطرة على بؤر التصعيد هذه، فإنّ المسار السوري الجديد برمّته يُعتبر مهدّداً بالسقوط.
أمّا الجهات المستعدّة لتغذية بؤر الانفصال، فتأتي إسرائيل في مقدّمها، لأنّ خلق مناطق طائفية مستقلّة يضعف الحكومة السورية المركزية، ويبرّر وجودها في الجنوب، ويمنع تمدّد النفوذ التركي عبر الأراضي السورية. وتسعى إسرائيل إلى اللعب على كلّ أوتار التوتّر الداخلي في سوريا، من أجل إبقاء البلاد ضعيفة ومفكّكة. وهي تقف وراء التوجّهات الانفصالية في المنطقة، ومن ضمنها سوريا، كي تبقى هي في الجنوب السوري، وتقيم منطقة عازلة تصل إلى حدود دمشق.
ويمكن لاهتزار الوضع في سوريا، لكونها أصبحت بوّابة الاستقرار في المنطقة، أن يستجلب حروباً وإشكالات في مناطق أخرى. فتركيا مثلاً متوثّبة للدخول عبر الخطّ السوري، ومدّ نفوذها، بهدف السيطرة على الوضع الكردي أوّلاً، وإقامة توازن مع التوسّع الإسرائيلي ثانياً. كما يمكن لإيران أن تستغلّ حالة الفوضى في سوريا، كي تدخل من جديد إلى هذه الساحة عبر حلفاء لها في الساحل، وربّما بغضّ نظر من أنقرة. أمّا لبنان فيقف على شفير الانفجار، حيث الضربات الإسرائيلية تتصاعد، وهي مقبلة على مزيد من التوسّع، مع دخول خطّة حصرية السلاح المرحلة الثانية المحدّدة بما بين نهري الليطاني والأوّلي.
يستند الشرع لدعم الاستقرار في بلاده على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي رفع العقوبات عن دمشق، ويسعى إلى أن تلعب دوراً محوريّاً في ازدهار المنطقة، ضمن ما يسمّى “الشرق الأوسط الجديد”. ولكن، لإسرائيل خططا أخرى على الأرض. وإذا لم تحقّق خططها، فلن تعرف سوريا ولا سواها الهدوء. والشرع يعرف هذه المعادلة جيّداً. وهو يسعى إلى التوفيق بين استمرار الدعم الأميركي وإبعاد شبح التخريب الإسرائيلي، ومنع بلاده من تتحوّل إلى ساحة أقليمية لتصفية الحسابات. فهل ينجح؟














